بين شتاء يطول وربيع يتأخر… هل دخل لبنان مرحلة مناخية جديدة؟

خرج الطقس في لبنان هذا العام عن إيقاعه المعتاد. فـ “الشتوية” تبدو وكأنها “لازقة” رغم تقدّم أيام الربيع، والأمطار لا تزال تتساقط في فصح الموارنة كما في فصح الروم وما بعدهما، وتتبعها غيوم داكنة ورعود مدوّية، في مشهد يوحي وكأن الطبيعة نفسها قد عقدت تحالفًا مع رمادية الواقع لإطالة زمن التلبّد في أجوائنا المناخية والنفسية. سؤال يتكرّر على ألسنة اللبنانيين: ماذا يحدث؟ ولماذا يطول الشتاء هذا العام، فيما لم يمضِ وقت طويل على سنة جفاف وُصفت بأنها من الأقسى؟
بين عامٍ شحيح المطر وآخر أكثر غزارة، تبدو الصورة ملتبسة. فهل نحن أمام ظاهرة مناخية غير اعتيادية؟ وهل يمكن ربط ما يشهده لبنان بالعواصف المتطرفة التي ضربت العالم، من أميركا الشمالية إلى دول الخليج؟ أم أن ما يحدث لا يزال ضمن حدود التقلبات الطبيعية، وإن شعرنا أنه استثنائي في توقيته وشدّته؟
اعتادت الجدات أن يرددن مقولة “شتي نيسان يحيي الإنسان”، ولم يكن غريبًا أن يشهد هذا الشهر بعض الأمطار الخفيفة. لكن ما يحصل اليوم يتجاوز تلك القاعدة الشعبية، ويطرح تساؤلات أعمق حول تحوّل المناخ نفسه. فالعالم يشهد منذ عقود تغيّرات مناخية متسارعة وفق ما يشرح د. طارق سلهب الباحث والمختص في شؤون الرصد الجوي والمناخ ورئيس دائرة المناخات في مصلحة الأرصاد الجوية، ويتجه معها نحو مزيد من الاحترار، ما يؤدي إلى نشوء منظومة جديدة من المنخفضات الجوية، أكثر عمقًا وحدّة. وفي مثل هذه التحوّلات، تظهر مؤشرات تُعرف بـ “التطرف المناخي”، حيث تبلغ الظواهر حدودها القصوى، بردًا وحرًّا، جفافًا وأمطارًا وهي نتيجة تجاوب المنظومة الأرضية والجوية مع التغيّرات التي حصلت نتيجة عوامل عدة.
فالظواهر المتطرفة ليست وليدة عامل واحد، بل هي نتيجة تفاعل معقد بين النشاط البشري، والتقلبات الطبيعية، وحتى تأثيرات خارجية كالنشاط الشمسي الذي يبلغ ذروته كل أحد عشر عامًا. ومع ارتفاع حرارة الغلاف الجوي، تتبدّل استجابة الأنظمة الأرضية، فتتشكل دورات مناخية أكثر حدّة، وتصبح موجات الحرّ والبرد التي شهدها العالم مؤخرًا مثل عواصف أميركا الثلجية أو عواصف الخليج المطرية أقرب إلى “الوضع الطبيعي الجديد” لا الاستثناء.
التطرف المناخي يطول بلدان العالم
في خضم هذا المشهد، تبرز ظاهرتا النينيو والنينيا كعاملين أساسيين في تفسير ما يجري. هاتان الظاهرتان، المرتبطتان بالمحيط الهادئ، تعكسان تغيرات في الضغط وحرارة المياه عند خط الاستواء. في حالة “النينيو”، ترتفع حرارة المياه، فتتغيّر أنماط الرياح والتيارات، بينما تؤدي “النينيا” إلى تبريدها وخلق أنماط مناخية معاكسة.
لكن ما تغيّر في السنوات الأخيرة هو حدّة تأثيرهما. فبدلًا من نتائج محدودة، باتت هاتان الظاهرتان تسهمان في خلق تطرف مناخي عالمي: عواصف ثلجية قاسية في أميركا الشمالية، أمطار غزيرة وفيضانات في مناطق، وجفاف حاد في مناطق أخرى. ومع ارتباط خط الاستواء بالدورة الهوائية العامة للأرض، تمتد هذه التأثيرات إلى المرتفعات الجوية في القطب والمناطق المدارية، ما يؤدي إلى تشكّل كتل هوائية ضخمة تتحرك لتعيد توزيع الطاقة في الغلاف الجوي، فتنتج منخفضات حادة في حوض البحر المتوسط، وتؤثر أيضًا على الخليج وشمال أفريقيا.
هذا التفاعل المعقد يجعل من الممكن مراقبة مؤشرات مناخية عدة من المحيط الأطلسي إلى الهندي وفق ما يشرح د. سلهب للتنبؤ بحالات التطرف. وعندما تشير هذه المؤشرات إلى تغيّر حاد، يصبح من المرجّح أن يشهد العالم ظواهر غير مألوفة، قد تتكرر كل عدة عقود، لكنها اليوم تبدو أكثر تقاربًا في الزمن.
أمطار دون المعدل
بالعودة إلى لبنان، تشير المعطيات إلى أن ما يشهده البلد لا يرقى بعد إلى مستوى التطرف المناخي الكامل، بل يبقى ضمن إطار التقلبات المعتادة، وإن عند حدودها الدنيا أو العليا. وإذا أردنا دراسة التطرف في لبنان، لا بد من اعتماد سنوات طويلة لنرى إذا كان هناك تبدل في المعدلات العامة، وهل هناك أرقام غيرت هذه المعدلات. لكن كمية الأمطار هذا العام وفق سلهب، رغم تحسّنها مقارنة بالسنة الماضية، لا تزال دون المعدلات المطلوبة. بعد أن سجّل العام المنصرم نحو 450 ملم، ارتفعت الكمية هذا العام إلى نحو 650 ملم، لكنها لم تبلغ عتبة 800 أو 1000 ملم التي تُعدّ أقرب إلى المعدل الطبيعي باستثناء محطة طرابلس الموجودة على البحر ولا يمكن البناء عليها فيما محطة المطار وهي الأفضل والأدق والواقعة في مكان يلائم القراءات المناخية ويتم الاعتماد عليها كمصدر موثوق لم تصل كمية الأمطار التي رصدتها إلى ما فوق 700 ملم.
لكننا لم نشهد بعد كميات مطر غزيرة أو وفيرة نستطيع من خلالها ملء الخزانات الجوفية. وما زلنا نعتمد على الحالة الطبيعية أي امتصاص التربة للمياه وتخزينها بشكل لا يجعلنا ننقطع من المياه في مواسم الشح أي الصيف القادم. ومناخيًا، لم تكن الأمطار متواصلة، بل جاءت متقطّعة، مع فترات انقطاع طويلة، ما يعني أن المنخفضات الجوية كانت في معظمها “شبه جافة”، تحمل كميات محدودة من الرطوبة. وهذا ما يفسّر التفاوت الكبير بين المناطق: أمطار غزيرة في أماكن محددة، مقابل كميات عادية أو ضعيفة في مناطق أخرى. لا شكّ أن هذه السنة أفضل من التي سبقتها لكنها لن تصل إلى المعدل المطري المعتاد. وبالتالي، لا نزال بحاجة إلى المزيد من الأمطار. ولو كانت هذه المتساقطات على شكل ثلوج لكان ذلك أفضل حتى تتمكن كل البنية الجيولوجية في لبنان من تشرب المياه وتخزينها بشكل أكبر ولو بنسب متفاوتة حسب طبيعة الصخور وقدرتها على الامتصاص وسرعة ذوبان الجليد. يكمن العامل الإيجابي هذه السنة في كون انخفاض الحرارة لا يزال قائمًا وهذا ما يحافظ على الثلوج ولو بنسب متفاوتة بين المناطق المرتفعة أو المنخفضة أو المناطق المواجهة لأشعة الشمس أو التي تقع في الظل ويسمح بتغذية المياه الجوفية تدريجيًا.
ورغم الحديث المتكرر عن “الجفاف”، يؤكد الخبراء أن ما يمرّ به لبنان هو أقرب إلى “شحّ مائي” لا إلى جفاف فعلي، فالجفاف له تعريفات أوسع تشمل أبعادًا زراعية واقتصادية ومناخية، وقد يترافق مع حرائق ومجاعات، وهو ما لم نشهده حتى الآن، كما أنه يتطلب سنوات متتالية من التراجع الحاد في الموارد المائية، بحيث تتشقق التربة وتخف المحاصيل الزراعية وتندر المياه ولا يعود بالإمكان استخراج المياه الجوفية ما يترك انعكاسات قاسية على مجمل نواحي الحياة وقد يصل إلى حد المجاعة والحرائق. وفي لبنان ورغم الخوف الذي أثارته السنة الماضية إلا أننا لم نشهد سنوات متتالية من الشح المائي، ما شهدناه هو فترة شح تقع ضمن التقلبية المناخية العادية في لبنان. ففي لبنان مناخنا متقلب وفق ما يشرح د. سلهب وكميات المطر تأتي نتيجة منخفضات جوية وتختلف المتساقطات باختلاف مصادر هذه المنخفضات، فإذا كانت قادمة من الصحارى ومن شمال أفريقيا تكون كمية المياه التي تجلبها قليلة. أما إذا جاءت من الغرب، فتكون مشبعة بالرطوبة وكميات المطر غزيرة وتكون حرارتها معتدلة. أما إذا جاءت من جهة الشمال فتكون باردة وقليلة المطر، فيما إذا جاءت من الشرق تكون حارة إلى جافة. وعمومًا يعتبر عدد المنخفضات التي تصل إلى لبنان ضمن المعدل الطبيعي وتختلف بين الفصول.
من الليالي الاستوائية إلى السيول الجارفة مناخ لبنان يتغيّر
في السياق، أعدّت الباحثة في شؤون المناخ والبيئة فاطمة الشقراوي دراسة متخصصة حول التطرف المناخي في لبنان، اعتمدت فيها على تحليل المنخفضات الجوية بوصفها المصدر الأساسي للأمطار والحرارة، إلى جانب دراسة 27 مؤشرًا مناخيًا وفق معايير علمية معتمدة لدى المنظمة العالمية للأرصاد الجوية. واستندت الدراسة إلى قاعدة بيانات تمتد لنحو 60 عامًا، ما أتاح تحديد مؤشرات التطرف المناخي بدقة أعلى، لتُصنف من بين أبرز الأبحاث التي عُرضت في مؤتمر المناخ والتنمية المستدامة الذي عقد في جامعة بني سويف في مصر، بمشاركة نخبة من الخبراء العرب، لا سيما من لبنان والجزائر والمغرب.
وخلال المؤتمر، عرضت الشقراوي دراسة بعنوان “التطرف المناخي في بيروت”، مستخدمة أدوات تحليل متقدمة، من بينها تقنيات الذكاء الاصطناعي، بالاستناد إلى بيانات يومية وساعيّة تغطي الفترة الممتدة بين 1960 و2019. وركّزت الدراسة على عنصرين أساسيين: درجات الحرارة (العليا والدنيا) وكميات الهطول، ما سمح برصد مجموعة من المؤشرات الدالة على التطرف، أبرزها: موجات الحر والبرد، تزايد الليالي الاستوائية (التي تتجاوز فيها الحرارة 20 درجة مئوية)، إضافة إلى كثافة الأمطار اليومية والأيام شديدة الرطوبة.
وأظهرت النتائج تحوّلًا واضحًا في النمط المناخي في لبنان، مع ارتفاع ملحوظ في عدد الأيام الحارة والليالي الدافئة، مقابل تراجع الأيام والليالي الباردة، إلى جانب ازدياد حدّة الهطولات في فترات قصيرة. وتشير هذه المؤشرات إلى أن البلاد تتجه نحو مزيد من الظواهر المناخية القاسية، من عواصف رعدية أعنف ورياح أشد، إلى سيول وفيضانات مفاجئة، فضلاً عن ارتفاع خطر حرائق الغابات.
وتحذر الدراسة من تداعيات مباشرة لهذه التحولات على البنية التحتية والاقتصاد، ما يستدعي توسيع شبكات التصريف، وتعزيز إجراءات حماية الغابات، والأهم إعادة النظر في السياسات الاقتصادية والبيئية بما يتلاءم مع واقع مناخي جديد، يتسم بتزايد حالات التطرف في السنوات المقبلة.
بين شتاء يطول وربيع يتأخر، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ما نعيشه مجرد استثناء، أم بداية لواقع مناخي جديد؟
بين شتاء يطول وربيع يتأخر… هل دخل لبنان مرحلة مناخية جديدة؟

خرج الطقس في لبنان هذا العام عن إيقاعه المعتاد. فـ “الشتوية” تبدو وكأنها “لازقة” رغم تقدّم أيام الربيع، والأمطار لا تزال تتساقط في فصح الموارنة كما في فصح الروم وما بعدهما، وتتبعها غيوم داكنة ورعود مدوّية، في مشهد يوحي وكأن الطبيعة نفسها قد عقدت تحالفًا مع رمادية الواقع لإطالة زمن التلبّد في أجوائنا المناخية والنفسية. سؤال يتكرّر على ألسنة اللبنانيين: ماذا يحدث؟ ولماذا يطول الشتاء هذا العام، فيما لم يمضِ وقت طويل على سنة جفاف وُصفت بأنها من الأقسى؟
بين عامٍ شحيح المطر وآخر أكثر غزارة، تبدو الصورة ملتبسة. فهل نحن أمام ظاهرة مناخية غير اعتيادية؟ وهل يمكن ربط ما يشهده لبنان بالعواصف المتطرفة التي ضربت العالم، من أميركا الشمالية إلى دول الخليج؟ أم أن ما يحدث لا يزال ضمن حدود التقلبات الطبيعية، وإن شعرنا أنه استثنائي في توقيته وشدّته؟
اعتادت الجدات أن يرددن مقولة “شتي نيسان يحيي الإنسان”، ولم يكن غريبًا أن يشهد هذا الشهر بعض الأمطار الخفيفة. لكن ما يحصل اليوم يتجاوز تلك القاعدة الشعبية، ويطرح تساؤلات أعمق حول تحوّل المناخ نفسه. فالعالم يشهد منذ عقود تغيّرات مناخية متسارعة وفق ما يشرح د. طارق سلهب الباحث والمختص في شؤون الرصد الجوي والمناخ ورئيس دائرة المناخات في مصلحة الأرصاد الجوية، ويتجه معها نحو مزيد من الاحترار، ما يؤدي إلى نشوء منظومة جديدة من المنخفضات الجوية، أكثر عمقًا وحدّة. وفي مثل هذه التحوّلات، تظهر مؤشرات تُعرف بـ “التطرف المناخي”، حيث تبلغ الظواهر حدودها القصوى، بردًا وحرًّا، جفافًا وأمطارًا وهي نتيجة تجاوب المنظومة الأرضية والجوية مع التغيّرات التي حصلت نتيجة عوامل عدة.
فالظواهر المتطرفة ليست وليدة عامل واحد، بل هي نتيجة تفاعل معقد بين النشاط البشري، والتقلبات الطبيعية، وحتى تأثيرات خارجية كالنشاط الشمسي الذي يبلغ ذروته كل أحد عشر عامًا. ومع ارتفاع حرارة الغلاف الجوي، تتبدّل استجابة الأنظمة الأرضية، فتتشكل دورات مناخية أكثر حدّة، وتصبح موجات الحرّ والبرد التي شهدها العالم مؤخرًا مثل عواصف أميركا الثلجية أو عواصف الخليج المطرية أقرب إلى “الوضع الطبيعي الجديد” لا الاستثناء.
التطرف المناخي يطول بلدان العالم
في خضم هذا المشهد، تبرز ظاهرتا النينيو والنينيا كعاملين أساسيين في تفسير ما يجري. هاتان الظاهرتان، المرتبطتان بالمحيط الهادئ، تعكسان تغيرات في الضغط وحرارة المياه عند خط الاستواء. في حالة “النينيو”، ترتفع حرارة المياه، فتتغيّر أنماط الرياح والتيارات، بينما تؤدي “النينيا” إلى تبريدها وخلق أنماط مناخية معاكسة.
لكن ما تغيّر في السنوات الأخيرة هو حدّة تأثيرهما. فبدلًا من نتائج محدودة، باتت هاتان الظاهرتان تسهمان في خلق تطرف مناخي عالمي: عواصف ثلجية قاسية في أميركا الشمالية، أمطار غزيرة وفيضانات في مناطق، وجفاف حاد في مناطق أخرى. ومع ارتباط خط الاستواء بالدورة الهوائية العامة للأرض، تمتد هذه التأثيرات إلى المرتفعات الجوية في القطب والمناطق المدارية، ما يؤدي إلى تشكّل كتل هوائية ضخمة تتحرك لتعيد توزيع الطاقة في الغلاف الجوي، فتنتج منخفضات حادة في حوض البحر المتوسط، وتؤثر أيضًا على الخليج وشمال أفريقيا.
هذا التفاعل المعقد يجعل من الممكن مراقبة مؤشرات مناخية عدة من المحيط الأطلسي إلى الهندي وفق ما يشرح د. سلهب للتنبؤ بحالات التطرف. وعندما تشير هذه المؤشرات إلى تغيّر حاد، يصبح من المرجّح أن يشهد العالم ظواهر غير مألوفة، قد تتكرر كل عدة عقود، لكنها اليوم تبدو أكثر تقاربًا في الزمن.
أمطار دون المعدل
بالعودة إلى لبنان، تشير المعطيات إلى أن ما يشهده البلد لا يرقى بعد إلى مستوى التطرف المناخي الكامل، بل يبقى ضمن إطار التقلبات المعتادة، وإن عند حدودها الدنيا أو العليا. وإذا أردنا دراسة التطرف في لبنان، لا بد من اعتماد سنوات طويلة لنرى إذا كان هناك تبدل في المعدلات العامة، وهل هناك أرقام غيرت هذه المعدلات. لكن كمية الأمطار هذا العام وفق سلهب، رغم تحسّنها مقارنة بالسنة الماضية، لا تزال دون المعدلات المطلوبة. بعد أن سجّل العام المنصرم نحو 450 ملم، ارتفعت الكمية هذا العام إلى نحو 650 ملم، لكنها لم تبلغ عتبة 800 أو 1000 ملم التي تُعدّ أقرب إلى المعدل الطبيعي باستثناء محطة طرابلس الموجودة على البحر ولا يمكن البناء عليها فيما محطة المطار وهي الأفضل والأدق والواقعة في مكان يلائم القراءات المناخية ويتم الاعتماد عليها كمصدر موثوق لم تصل كمية الأمطار التي رصدتها إلى ما فوق 700 ملم.
لكننا لم نشهد بعد كميات مطر غزيرة أو وفيرة نستطيع من خلالها ملء الخزانات الجوفية. وما زلنا نعتمد على الحالة الطبيعية أي امتصاص التربة للمياه وتخزينها بشكل لا يجعلنا ننقطع من المياه في مواسم الشح أي الصيف القادم. ومناخيًا، لم تكن الأمطار متواصلة، بل جاءت متقطّعة، مع فترات انقطاع طويلة، ما يعني أن المنخفضات الجوية كانت في معظمها “شبه جافة”، تحمل كميات محدودة من الرطوبة. وهذا ما يفسّر التفاوت الكبير بين المناطق: أمطار غزيرة في أماكن محددة، مقابل كميات عادية أو ضعيفة في مناطق أخرى. لا شكّ أن هذه السنة أفضل من التي سبقتها لكنها لن تصل إلى المعدل المطري المعتاد. وبالتالي، لا نزال بحاجة إلى المزيد من الأمطار. ولو كانت هذه المتساقطات على شكل ثلوج لكان ذلك أفضل حتى تتمكن كل البنية الجيولوجية في لبنان من تشرب المياه وتخزينها بشكل أكبر ولو بنسب متفاوتة حسب طبيعة الصخور وقدرتها على الامتصاص وسرعة ذوبان الجليد. يكمن العامل الإيجابي هذه السنة في كون انخفاض الحرارة لا يزال قائمًا وهذا ما يحافظ على الثلوج ولو بنسب متفاوتة بين المناطق المرتفعة أو المنخفضة أو المناطق المواجهة لأشعة الشمس أو التي تقع في الظل ويسمح بتغذية المياه الجوفية تدريجيًا.
ورغم الحديث المتكرر عن “الجفاف”، يؤكد الخبراء أن ما يمرّ به لبنان هو أقرب إلى “شحّ مائي” لا إلى جفاف فعلي، فالجفاف له تعريفات أوسع تشمل أبعادًا زراعية واقتصادية ومناخية، وقد يترافق مع حرائق ومجاعات، وهو ما لم نشهده حتى الآن، كما أنه يتطلب سنوات متتالية من التراجع الحاد في الموارد المائية، بحيث تتشقق التربة وتخف المحاصيل الزراعية وتندر المياه ولا يعود بالإمكان استخراج المياه الجوفية ما يترك انعكاسات قاسية على مجمل نواحي الحياة وقد يصل إلى حد المجاعة والحرائق. وفي لبنان ورغم الخوف الذي أثارته السنة الماضية إلا أننا لم نشهد سنوات متتالية من الشح المائي، ما شهدناه هو فترة شح تقع ضمن التقلبية المناخية العادية في لبنان. ففي لبنان مناخنا متقلب وفق ما يشرح د. سلهب وكميات المطر تأتي نتيجة منخفضات جوية وتختلف المتساقطات باختلاف مصادر هذه المنخفضات، فإذا كانت قادمة من الصحارى ومن شمال أفريقيا تكون كمية المياه التي تجلبها قليلة. أما إذا جاءت من الغرب، فتكون مشبعة بالرطوبة وكميات المطر غزيرة وتكون حرارتها معتدلة. أما إذا جاءت من جهة الشمال فتكون باردة وقليلة المطر، فيما إذا جاءت من الشرق تكون حارة إلى جافة. وعمومًا يعتبر عدد المنخفضات التي تصل إلى لبنان ضمن المعدل الطبيعي وتختلف بين الفصول.
من الليالي الاستوائية إلى السيول الجارفة مناخ لبنان يتغيّر
في السياق، أعدّت الباحثة في شؤون المناخ والبيئة فاطمة الشقراوي دراسة متخصصة حول التطرف المناخي في لبنان، اعتمدت فيها على تحليل المنخفضات الجوية بوصفها المصدر الأساسي للأمطار والحرارة، إلى جانب دراسة 27 مؤشرًا مناخيًا وفق معايير علمية معتمدة لدى المنظمة العالمية للأرصاد الجوية. واستندت الدراسة إلى قاعدة بيانات تمتد لنحو 60 عامًا، ما أتاح تحديد مؤشرات التطرف المناخي بدقة أعلى، لتُصنف من بين أبرز الأبحاث التي عُرضت في مؤتمر المناخ والتنمية المستدامة الذي عقد في جامعة بني سويف في مصر، بمشاركة نخبة من الخبراء العرب، لا سيما من لبنان والجزائر والمغرب.
وخلال المؤتمر، عرضت الشقراوي دراسة بعنوان “التطرف المناخي في بيروت”، مستخدمة أدوات تحليل متقدمة، من بينها تقنيات الذكاء الاصطناعي، بالاستناد إلى بيانات يومية وساعيّة تغطي الفترة الممتدة بين 1960 و2019. وركّزت الدراسة على عنصرين أساسيين: درجات الحرارة (العليا والدنيا) وكميات الهطول، ما سمح برصد مجموعة من المؤشرات الدالة على التطرف، أبرزها: موجات الحر والبرد، تزايد الليالي الاستوائية (التي تتجاوز فيها الحرارة 20 درجة مئوية)، إضافة إلى كثافة الأمطار اليومية والأيام شديدة الرطوبة.
وأظهرت النتائج تحوّلًا واضحًا في النمط المناخي في لبنان، مع ارتفاع ملحوظ في عدد الأيام الحارة والليالي الدافئة، مقابل تراجع الأيام والليالي الباردة، إلى جانب ازدياد حدّة الهطولات في فترات قصيرة. وتشير هذه المؤشرات إلى أن البلاد تتجه نحو مزيد من الظواهر المناخية القاسية، من عواصف رعدية أعنف ورياح أشد، إلى سيول وفيضانات مفاجئة، فضلاً عن ارتفاع خطر حرائق الغابات.
وتحذر الدراسة من تداعيات مباشرة لهذه التحولات على البنية التحتية والاقتصاد، ما يستدعي توسيع شبكات التصريف، وتعزيز إجراءات حماية الغابات، والأهم إعادة النظر في السياسات الاقتصادية والبيئية بما يتلاءم مع واقع مناخي جديد، يتسم بتزايد حالات التطرف في السنوات المقبلة.
بين شتاء يطول وربيع يتأخر، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ما نعيشه مجرد استثناء، أم بداية لواقع مناخي جديد؟









