لماذا لم تتطوّر العلاقة بين لبنان وسوريا بعد سقوط بشار الأسد؟

الكاتب: اسكندر خشاشو | المصدر: النهار
22 نيسان 2026

بعد سقوط نظام بشار الأسد وصعود الرئيس الجديد أحمد الشرع، بدا للوهلة الأولى أن نافذة تاريخية فُتحت أمام إعادة صياغة العلاقة بين بيروت ودمشق. فالمعادلات التي حكمت البلدين لعقود تبدلت، والتحالفات القديمة اهتزت، وحتى الخطاب السياسي تغيّر. ولكن، بعد مرور وقت على هذا التحول، لا تزال العلاقة تدور في حلقة مفرغة: لا قطيعة كاملة ولا تطبيع فعليا، بل حالة “تعليق” سياسي تعكس عمق التعقيدات.

 

المفارقة الأساسية أن التغيير في دمشق قلب المشهد اللبناني، لكنه لم ينتج توازنا جديدا مستقرا. القوى التي كانت تمسك بخيوط العلاقة مع النظام السوري السابق، وفي مقدّمها “حزب الله”، خسرت. في المقابل، القوى التي كانت على خصومة مع دمشق وجدت نفسها فجأة أمام فرصة لإعادة بناء العلاقة، لكنها لا تزال مترددة، إما بسبب الحذر من النيات السورية الجديدة، وإما نتيجة غياب رؤية موحدة داخل الدولة اللبنانية.

 

في خضم هذا التحول، قال الشرع إن “العلاقات الطيبة بين الشعبين السوري واللبناني لطالما خربتها السياسة، وقد عانى البلدان طويلا الحروب والمآسي، وحان الوقت لوضع حد لها والانتقال إلى مرحلة الإعمار”. كلام يضع الإطار النظري لعلاقة جديدة، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالا بديهيا: إذا كانت النيات معقودة، فلمَ لم تتبدّل الوقائع بعد؟

 

الجواب يكمن في شبكة من الملفات العالقة التي لا تزال تعرقل أي تقدم فعلي.

 

أول هذه الملفات هو ترسيم الحدود. فعلى الرغم من الحديث المتكرر عن ضرورة ضبط الحدود اللبنانية – السورية، لا يزال جزء كبير منها غير مرسم رسميا، خصوصا في مناطق حساسة مثل مزارع شبعا. هذا الغموض لا يفتح الباب فقط أمام الإشكالات السياسية، بل أيضا أمام الفوضى الأمنية والاقتصادية، ويجعل أي حديث عن سيادة مكتملة أو علاقة متوازنة أمرا ناقصا.

 

الملف الثاني هو المعابر غير الشرعية والتهريب. فحتى بعد التغيير في دمشق، لم يتحقق تحول جذري في إدارة الحدود. والتهريب الذي لا يزال قائما يضرب الاقتصاد اللبناني ويضعف أي إمكان لبناء تعاون اقتصادي شفاف. المشكلة هنا ليست تقنية فقط، بل سياسية أيضا، لأن ضبط الحدود يحتاج إلى قرار مشترك وإرادة حقيقية من الطرفين.

 

ثالثا، ملف النازحين السوريين، وهو الأكثر إلحاحا في الداخل اللبناني. منذ اندلاع الحرب السورية تحمّل لبنان عبئا هائلا، ومع التغيير في السلطة السورية، ارتفعت التوقعات بإمكان إطلاق مسار العودة. لكن الواقع أن هذا الملف لا يزال عالقا بين شروط دولية تتعلق بالسلامة والضمانات، وحسابات داخلية سورية لم تتبلور بعد بوضوح. والنتيجة أن التنسيق بين بيروت ودمشق بقي محدودا، فيما الضغوط داخل لبنان تتزايد.

 

رابعا، غياب الإطار المؤسسي للعلاقة. فعلى الرغم من وجود سفارات ولجان مشتركة، لا تدار العلاقة ضمن آلية واضحة ومستقرة. لا زيارات رسمية منتظمة على مستوى عالٍ، ولا اتفاقيات جديدة تعكس المرحلة الحالية. وكأن الطرفين لا يزالان في مرحلة “اختبار النيات”، لا في مرحلة بناء شراكة.

 

خامسا، أزمة الثقة المتبادلة. بالنسبة إلى فئة واسعة من اللبنانيين، لا يكفي سقوط الأسد لتبديد مخاوف تراكمت منذ مرحلة ما قبل اغتيال رفيق الحريري. وبالنسبة إلى دمشق، لا يزال لبنان ساحة متأثرة بالخارج يحكمها في شكل كبير “حزب الله”، وغير قادر على اتخاذ قرار مستقل بالكامل. هذا الشك المتبادل يجمّد أي اندفاعة نحو التطبيع.

سادسا، العامل الإقليمي والدولي. فالنظام السوري الجديد، على الرغم من التغيير، لا يتحرك في فراغ. علاقاته الإقليمية قيد التشكل، وموقعه الدولي لم يُحسم بالكامل، فيما يبقى لبنان خاضعا لضغوط وتوازنات معقدة. أيّ تقارب بين البلدين يحتاج عمليا إلى “ضوء أخضر” غير مباشر من قوى خارجية، وهو ما لم يتوافر بعد كلّيا.

 

في المحصلة، يمكن القول إن سقوط نظام الأسد غيّر المعادلة لكنه لم يحلّها، بل كشف حجم التعقيد الكامن في العلاقة اللبنانية – السورية: من انقلاب التحالفات، إلى تراكم الملفات العالقة، وصولا إلى غياب الثقة والإطار الواضح.

 

لهذا، لم تتحسن العلاقة حتى الآن، ليس لأن الفرصة غير موجودة، بل لأن شروط استثمارها لم تكتمل بعد. فالعلاقة بين البلدين لم تعد تحتاج فقط إلى قرار سياسي، بل إلى إعادة بناء كاملة لقواعدها، وهي عملية أطول وأصعب بكثير مما قد يوحي به سقوط نظام أو صعود آخر.

لماذا لم تتطوّر العلاقة بين لبنان وسوريا بعد سقوط بشار الأسد؟

الكاتب: اسكندر خشاشو | المصدر: النهار
22 نيسان 2026

بعد سقوط نظام بشار الأسد وصعود الرئيس الجديد أحمد الشرع، بدا للوهلة الأولى أن نافذة تاريخية فُتحت أمام إعادة صياغة العلاقة بين بيروت ودمشق. فالمعادلات التي حكمت البلدين لعقود تبدلت، والتحالفات القديمة اهتزت، وحتى الخطاب السياسي تغيّر. ولكن، بعد مرور وقت على هذا التحول، لا تزال العلاقة تدور في حلقة مفرغة: لا قطيعة كاملة ولا تطبيع فعليا، بل حالة “تعليق” سياسي تعكس عمق التعقيدات.

 

المفارقة الأساسية أن التغيير في دمشق قلب المشهد اللبناني، لكنه لم ينتج توازنا جديدا مستقرا. القوى التي كانت تمسك بخيوط العلاقة مع النظام السوري السابق، وفي مقدّمها “حزب الله”، خسرت. في المقابل، القوى التي كانت على خصومة مع دمشق وجدت نفسها فجأة أمام فرصة لإعادة بناء العلاقة، لكنها لا تزال مترددة، إما بسبب الحذر من النيات السورية الجديدة، وإما نتيجة غياب رؤية موحدة داخل الدولة اللبنانية.

 

في خضم هذا التحول، قال الشرع إن “العلاقات الطيبة بين الشعبين السوري واللبناني لطالما خربتها السياسة، وقد عانى البلدان طويلا الحروب والمآسي، وحان الوقت لوضع حد لها والانتقال إلى مرحلة الإعمار”. كلام يضع الإطار النظري لعلاقة جديدة، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالا بديهيا: إذا كانت النيات معقودة، فلمَ لم تتبدّل الوقائع بعد؟

 

الجواب يكمن في شبكة من الملفات العالقة التي لا تزال تعرقل أي تقدم فعلي.

 

أول هذه الملفات هو ترسيم الحدود. فعلى الرغم من الحديث المتكرر عن ضرورة ضبط الحدود اللبنانية – السورية، لا يزال جزء كبير منها غير مرسم رسميا، خصوصا في مناطق حساسة مثل مزارع شبعا. هذا الغموض لا يفتح الباب فقط أمام الإشكالات السياسية، بل أيضا أمام الفوضى الأمنية والاقتصادية، ويجعل أي حديث عن سيادة مكتملة أو علاقة متوازنة أمرا ناقصا.

 

الملف الثاني هو المعابر غير الشرعية والتهريب. فحتى بعد التغيير في دمشق، لم يتحقق تحول جذري في إدارة الحدود. والتهريب الذي لا يزال قائما يضرب الاقتصاد اللبناني ويضعف أي إمكان لبناء تعاون اقتصادي شفاف. المشكلة هنا ليست تقنية فقط، بل سياسية أيضا، لأن ضبط الحدود يحتاج إلى قرار مشترك وإرادة حقيقية من الطرفين.

 

ثالثا، ملف النازحين السوريين، وهو الأكثر إلحاحا في الداخل اللبناني. منذ اندلاع الحرب السورية تحمّل لبنان عبئا هائلا، ومع التغيير في السلطة السورية، ارتفعت التوقعات بإمكان إطلاق مسار العودة. لكن الواقع أن هذا الملف لا يزال عالقا بين شروط دولية تتعلق بالسلامة والضمانات، وحسابات داخلية سورية لم تتبلور بعد بوضوح. والنتيجة أن التنسيق بين بيروت ودمشق بقي محدودا، فيما الضغوط داخل لبنان تتزايد.

 

رابعا، غياب الإطار المؤسسي للعلاقة. فعلى الرغم من وجود سفارات ولجان مشتركة، لا تدار العلاقة ضمن آلية واضحة ومستقرة. لا زيارات رسمية منتظمة على مستوى عالٍ، ولا اتفاقيات جديدة تعكس المرحلة الحالية. وكأن الطرفين لا يزالان في مرحلة “اختبار النيات”، لا في مرحلة بناء شراكة.

 

خامسا، أزمة الثقة المتبادلة. بالنسبة إلى فئة واسعة من اللبنانيين، لا يكفي سقوط الأسد لتبديد مخاوف تراكمت منذ مرحلة ما قبل اغتيال رفيق الحريري. وبالنسبة إلى دمشق، لا يزال لبنان ساحة متأثرة بالخارج يحكمها في شكل كبير “حزب الله”، وغير قادر على اتخاذ قرار مستقل بالكامل. هذا الشك المتبادل يجمّد أي اندفاعة نحو التطبيع.

سادسا، العامل الإقليمي والدولي. فالنظام السوري الجديد، على الرغم من التغيير، لا يتحرك في فراغ. علاقاته الإقليمية قيد التشكل، وموقعه الدولي لم يُحسم بالكامل، فيما يبقى لبنان خاضعا لضغوط وتوازنات معقدة. أيّ تقارب بين البلدين يحتاج عمليا إلى “ضوء أخضر” غير مباشر من قوى خارجية، وهو ما لم يتوافر بعد كلّيا.

 

في المحصلة، يمكن القول إن سقوط نظام الأسد غيّر المعادلة لكنه لم يحلّها، بل كشف حجم التعقيد الكامن في العلاقة اللبنانية – السورية: من انقلاب التحالفات، إلى تراكم الملفات العالقة، وصولا إلى غياب الثقة والإطار الواضح.

 

لهذا، لم تتحسن العلاقة حتى الآن، ليس لأن الفرصة غير موجودة، بل لأن شروط استثمارها لم تكتمل بعد. فالعلاقة بين البلدين لم تعد تحتاج فقط إلى قرار سياسي، بل إلى إعادة بناء كاملة لقواعدها، وهي عملية أطول وأصعب بكثير مما قد يوحي به سقوط نظام أو صعود آخر.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار