البطريرك ميناسيان : لا عدالة بلا اعتراف.. في الذكرى الـ 111 للإبادة الأرمنيّة…الألم واحد

في الذكرى الحادية عشرة بعد المئة للإبادة الأرمنية، لا يعود الرابع والعشرون من نيسان مجرّد تاريخ في الروزنامة، بل يتحوّل وقفة ضمير أمام واحدة من أبشع المآسي التي عرفها القرن العشرون، وأمام جرح لم يُقفل في الوجدان الأرمني، لأنه لم يكن مجرّد مأساة عابرة، بل محاولة اقتلاع شعب من أرضه وتاريخه وذاكرته وحقه في الوجود.
هذه الذكرى، بما تختزنه من ألم ودم وشهادة، لا تُقرأ فقط في بعدها التاريخي، بل في بعدها الإنساني والروحي والوجودي أيضًا. فالإبادة الأرمنية التي بدأت فصولها الدامية في ربيع عام 1915، في ظل السلطنة العثمانية، لم تستهدف الإنسان الأرمني في حياته فقط، بل استهدفته في هويته، في إيمانه، في حضوره، وفي استمراره. ومع ذلك، فإن الشعب الذي أريد له أن يُمحى، بقي. والشعب الذي أريد له أن يُنسى، حوّل ذاكرته إلى أمانة، وألمه إلى قوّة، وجراحه إلى حضور حيّ في العالم.
جرح الأمس في مرآة الحاضر
وفي حديث إلى “نداء الوطن” بمناسبة الذكرى، يضع كاثوليكوس بطريرك بيت كيليكيا للأرمن الكاثوليك غبطة البطريرك روفائيل بيدروس الحادي والعشرون ميناسيان المناسبة في سياق يتجاوز استعادة الماضي إلى قراءة الحاضر واستشراف الخطر، في وقت يعيش فيه لبنان والشرق الأوسط على وقع الحروب والاضطرابات والتهجير والقلق الوجودي.
يقول غبطته: “في لبنان والشرق الأوسط اليوم، لا يبدو المشهد غريبًا عمّا عرفه التاريخ، قد تتبدّل الأسماء، لكن الألم واحد. وما عاشه الشعب الأرمني في زمن الإبادة الأرمنية ليس مجرّد ذكرى، بل إنذار حيّ: حين يصمت العالم مرة، قد يعيد صمته من جديد”.
بهذه الكلمات، يربط البطريرك ميناسيان بين جرح الأمس وتحديات اليوم، كأن التاريخ، في قسوته، لا يكف عن تقديم دروسه لمن يريد أن يتعظ. فالإبادة الأرمنية ليست، في نظر الأرمن، ملفًا من الماضي فقط، بل ناقوس خطر دائم ضد التهاون مع الظلم، وضد التطبيع مع الصمت، وضد الاستسلام لمنطق الاقتلاع البطيء.
الهجرة ليست رقمًا
ومن هنا، يبدو القلق على الحضور المسيحي في المنطقة قلقًا مشروعًا، لا من باب الهلع، بل من باب الوعي لحجم ما يجري. وفي هذا السياق، يقول غبطته: “نعم، القلق حاضر، لكن الخطر ليس في القلق بحدّ ذاته، بل في التكيّف معه، في اعتياد النزيف، وفي تحويل الهجرة إلى قدر محتوم. عندها لا نخسر أشخاصًا فحسب، بل نخسر معنى وجودنا ورسالتنا”.
إنها مقاربة تختصر جوهر الأزمة. فالمسألة لا تقف عند حدود الأرقام أو حركة المغادرين، بل تتصل بمصير حضور تاريخي ورسالة حضارية وروحية في هذا الشرق.
لبنان… أكثر من وطن مأزوم
ولذلك، لا ينظر البطريرك ميناسيان إلى لبنان كمجرد بلد مأزوم، بل كوطن لا يزال يحمل معنى يتجاوز جراحه. ويقول: “يبقى لبنان، على الرغم من جراحه، أكثر من مجرّد وطن مأزوم؛ إنه مساحة لقاء ورسالة عيش مشترك. هذه الرسالة لم تسقط، بل تنتظر من يحملها بوعي وإرادة. وكما حوّل الأرمن ألمهم إلى هوية حيّة، وشتاتهم إلى حضور فاعل، كذلك يمكننا نحن أن نحول محنتنا إلى قوّة، إن أحسنّا الاختيار”.
في هذا الكلام، يتبدّى لبنان كما يراه الأرمن وكما يريده كثير من المؤمنين برسالته: ليس ساحة انهيار فقط، بل إمكان نهوض، إذا توفرت الإرادة، وثبتت الهوية، واستُعيدت الشجاعة الوطنية
لا كرامة بلا حقيقة
وفي الذكرى الـ 111، يختصر غبطته الرسالة الأرمنية إلى العالم بكلمات بالغة الكثافة: “لا كرامة بلا حقيقة، ولا عدالة بلا اعتراف، ولا شعب يزول إن تمسّك بحقه في البقاء”. هنا، لا تعود الذاكرة الأرمنية انغلاقًا على الألم، بل دفاعًا عن الحق، وعن الكرامة، وعن ضرورة أن يسمّي العالم الجرائم بأسمائها، لأن إنكار الحقيقة ليس أقل فتكًا من الجريمة نفسها.
الذكرى نداء إلى كل شعب مهدّد
ويشدد البطريرك ميناسيان على أن هذه الذكرى “لا تخص الأرمن وحدهم، بل هي نداء لكل شعب مهدّد في وجوده وهويته: إن النسيان هو السقوط الحقيقي، والصمت عن الظلم هو الطريق إلى تكراره”.
ومن هذا المنطلق، يوجّه عبر “نداء الوطن” رسالة واضحة إلى اللبنانيين والرأي العام: “لا تفرّطوا بأرضكم، لا تساوموا على ذاكرتكم، ولا تراهنوا على غيركم لحماية وجودكم. في زمن تتهاوى فيه الثوابت، تبقى الحقيقة والكرامة ووحدة المصير هي الركائز التي لا يجوز أن تسقط، لأن ما عداها، إن سقط، يمكن تعويضه… أما هي، فإذا ضاعت، ضاع كل شيء”.
في ذكرى الإبادة الأرمنية، يعلو صوت الشهداء من جديد، لا ليستدعي الحزن فقط، بل ليوقظ الضمير. فالذاكرة، حين تتقدّس بالحقيقة، تصبح فعل مقاومة. والاعتراف، حين يقترن بالعدالة، يصير حماية للمستقبل. أما الشعوب التي تحفظ جراحها من التبديد، فتعرف كيف تصون بقاءها، وتكتب قيامتها من قلب الألم.
البطريرك ميناسيان : لا عدالة بلا اعتراف.. في الذكرى الـ 111 للإبادة الأرمنيّة…الألم واحد

في الذكرى الحادية عشرة بعد المئة للإبادة الأرمنية، لا يعود الرابع والعشرون من نيسان مجرّد تاريخ في الروزنامة، بل يتحوّل وقفة ضمير أمام واحدة من أبشع المآسي التي عرفها القرن العشرون، وأمام جرح لم يُقفل في الوجدان الأرمني، لأنه لم يكن مجرّد مأساة عابرة، بل محاولة اقتلاع شعب من أرضه وتاريخه وذاكرته وحقه في الوجود.
هذه الذكرى، بما تختزنه من ألم ودم وشهادة، لا تُقرأ فقط في بعدها التاريخي، بل في بعدها الإنساني والروحي والوجودي أيضًا. فالإبادة الأرمنية التي بدأت فصولها الدامية في ربيع عام 1915، في ظل السلطنة العثمانية، لم تستهدف الإنسان الأرمني في حياته فقط، بل استهدفته في هويته، في إيمانه، في حضوره، وفي استمراره. ومع ذلك، فإن الشعب الذي أريد له أن يُمحى، بقي. والشعب الذي أريد له أن يُنسى، حوّل ذاكرته إلى أمانة، وألمه إلى قوّة، وجراحه إلى حضور حيّ في العالم.
جرح الأمس في مرآة الحاضر
وفي حديث إلى “نداء الوطن” بمناسبة الذكرى، يضع كاثوليكوس بطريرك بيت كيليكيا للأرمن الكاثوليك غبطة البطريرك روفائيل بيدروس الحادي والعشرون ميناسيان المناسبة في سياق يتجاوز استعادة الماضي إلى قراءة الحاضر واستشراف الخطر، في وقت يعيش فيه لبنان والشرق الأوسط على وقع الحروب والاضطرابات والتهجير والقلق الوجودي.
يقول غبطته: “في لبنان والشرق الأوسط اليوم، لا يبدو المشهد غريبًا عمّا عرفه التاريخ، قد تتبدّل الأسماء، لكن الألم واحد. وما عاشه الشعب الأرمني في زمن الإبادة الأرمنية ليس مجرّد ذكرى، بل إنذار حيّ: حين يصمت العالم مرة، قد يعيد صمته من جديد”.
بهذه الكلمات، يربط البطريرك ميناسيان بين جرح الأمس وتحديات اليوم، كأن التاريخ، في قسوته، لا يكف عن تقديم دروسه لمن يريد أن يتعظ. فالإبادة الأرمنية ليست، في نظر الأرمن، ملفًا من الماضي فقط، بل ناقوس خطر دائم ضد التهاون مع الظلم، وضد التطبيع مع الصمت، وضد الاستسلام لمنطق الاقتلاع البطيء.
الهجرة ليست رقمًا
ومن هنا، يبدو القلق على الحضور المسيحي في المنطقة قلقًا مشروعًا، لا من باب الهلع، بل من باب الوعي لحجم ما يجري. وفي هذا السياق، يقول غبطته: “نعم، القلق حاضر، لكن الخطر ليس في القلق بحدّ ذاته، بل في التكيّف معه، في اعتياد النزيف، وفي تحويل الهجرة إلى قدر محتوم. عندها لا نخسر أشخاصًا فحسب، بل نخسر معنى وجودنا ورسالتنا”.
إنها مقاربة تختصر جوهر الأزمة. فالمسألة لا تقف عند حدود الأرقام أو حركة المغادرين، بل تتصل بمصير حضور تاريخي ورسالة حضارية وروحية في هذا الشرق.
لبنان… أكثر من وطن مأزوم
ولذلك، لا ينظر البطريرك ميناسيان إلى لبنان كمجرد بلد مأزوم، بل كوطن لا يزال يحمل معنى يتجاوز جراحه. ويقول: “يبقى لبنان، على الرغم من جراحه، أكثر من مجرّد وطن مأزوم؛ إنه مساحة لقاء ورسالة عيش مشترك. هذه الرسالة لم تسقط، بل تنتظر من يحملها بوعي وإرادة. وكما حوّل الأرمن ألمهم إلى هوية حيّة، وشتاتهم إلى حضور فاعل، كذلك يمكننا نحن أن نحول محنتنا إلى قوّة، إن أحسنّا الاختيار”.
في هذا الكلام، يتبدّى لبنان كما يراه الأرمن وكما يريده كثير من المؤمنين برسالته: ليس ساحة انهيار فقط، بل إمكان نهوض، إذا توفرت الإرادة، وثبتت الهوية، واستُعيدت الشجاعة الوطنية
لا كرامة بلا حقيقة
وفي الذكرى الـ 111، يختصر غبطته الرسالة الأرمنية إلى العالم بكلمات بالغة الكثافة: “لا كرامة بلا حقيقة، ولا عدالة بلا اعتراف، ولا شعب يزول إن تمسّك بحقه في البقاء”. هنا، لا تعود الذاكرة الأرمنية انغلاقًا على الألم، بل دفاعًا عن الحق، وعن الكرامة، وعن ضرورة أن يسمّي العالم الجرائم بأسمائها، لأن إنكار الحقيقة ليس أقل فتكًا من الجريمة نفسها.
الذكرى نداء إلى كل شعب مهدّد
ويشدد البطريرك ميناسيان على أن هذه الذكرى “لا تخص الأرمن وحدهم، بل هي نداء لكل شعب مهدّد في وجوده وهويته: إن النسيان هو السقوط الحقيقي، والصمت عن الظلم هو الطريق إلى تكراره”.
ومن هذا المنطلق، يوجّه عبر “نداء الوطن” رسالة واضحة إلى اللبنانيين والرأي العام: “لا تفرّطوا بأرضكم، لا تساوموا على ذاكرتكم، ولا تراهنوا على غيركم لحماية وجودكم. في زمن تتهاوى فيه الثوابت، تبقى الحقيقة والكرامة ووحدة المصير هي الركائز التي لا يجوز أن تسقط، لأن ما عداها، إن سقط، يمكن تعويضه… أما هي، فإذا ضاعت، ضاع كل شيء”.
في ذكرى الإبادة الأرمنية، يعلو صوت الشهداء من جديد، لا ليستدعي الحزن فقط، بل ليوقظ الضمير. فالذاكرة، حين تتقدّس بالحقيقة، تصبح فعل مقاومة. والاعتراف، حين يقترن بالعدالة، يصير حماية للمستقبل. أما الشعوب التي تحفظ جراحها من التبديد، فتعرف كيف تصون بقاءها، وتكتب قيامتها من قلب الألم.









