النازحون حائرون ومترددون: عودة محفوفة بمخاطر الهدنة الهشة

المصدر: المدن
25 نيسان 2026

تتوزع حركة النازحين بعد إعلان هدنة 3 أسابيع بين قرار مؤجل وعودة مشروطة. ليست عودة كاملة، ولا بقاءً كاملاً. هي حالة انتظار جماعي، يتحرك فيها الناس على إيقاع الاحتمالات أكثر مما يتحركون على إيقاع قرار حاسم.

إلى الضاحية

منذ ساعات الصباح، حملت بعض العائلات حقائبها، وضبضبت ما تيسر من أغراضها، وعادت باتجاه بيوتها، ولا سيما إلى الضاحية الجنوبية. التوجه إلى الضاحية يبدو أوضح من التوجه إلى قرى الجنوب، حيث ما يزال القلق الأمني أشد حضوراً، والقرار أصعب. كثيرون يقولون إنهم عادوا “مبدئياً” فقط: أغراضهم الأساسية ما تزال في السيارات، جاهزة للعودة السريعة إذا تبدل المشهد فجأة. 

في المقابل، ما تزال عائلات كثيرة تنتظر إشارة واضحة. بعضهم يربط قراره بما سيصدر عن الدولة، وآخرون ينتظرون موقفاً واضحاً من قيادتي حزب الله وحركة أمل. 

عامل آخر يثقل كفة التريث: الإيجارات. عدد كبير من العائلات استأجر منازل مؤقتة بعد النزوح، ودفع سلفاً بدل أشهر عدة. هؤلاء يفضلون البقاء حيث هم الآن، إلى حين اتضاح الصورة أكثر، أو انتهاء المهلة التي دفعوا بدلها. فالعودة المبكرة تعني خسارةً مالية إضافية، في وقت باتت فيه القدرة على الاحتمال محدودة.

مراكز إيواء بيروت

أما في مراكز الإيواء في بيروت، فالمشهد أكثر حساسية. الخوف من خسارة المكان يقيد قرار المغادرة. في مدرسة اللعازرية في بيروت، التي تضم نحو 985 نازحاً، معظمهم من الجنوب إضافة إلى عائلات من الضاحية، يؤكّد أحد المسؤولين لـ”المدن” أنه “حتى الآن، لم تغادر أي عائلة. الجميع ينتظر إشارة واضحة للعودة، ويخشى أنه إذا غادر لن يجد مكاناً يعود إليه لاحقاً“.

وفي عدد من مدارس الإيواء الأخرى في بيروت، يشير أحد المسؤولين إلى أن بعض العائلات غادرت صباحاً باتجاه الضاحية والجنوب، “لكن بشكل عام، الغالبية ما تزال تنتظر اتجاهاً واضحاً لتحديد خطوتها التالية“.

هكذا تبدو حركة العودة اليوم: ليست موجةً واحدة، بل مسارات متوازية. عودة بحذر، وبقاء بحذر، وانتظار بحذر. بين بيت تُفتح أبوابه نصف فتحة، وغرفة صف ما تزال تحتفظ بأصحابها خوفاً من المجهول. هنا، القرار ليس جغرافياً فقط. هو قرار نجاة.

هواجس العودة من الشمال

من طرابلس، ومن الكورة وزغرتا والبترون، عاد جزء من النازحين عند إعلان وقف إطلاق النار منذ عشرة أيام. بلغت نسبة العائدين حينها نحو 39 بالمئة بحسب مصادر في غرفة إدارة الكوارث على مستوى المحافظة. لكن العديد منهم (نحو 24 بالمئة) عادوا أدراجهم إلى مراكز الإيواء، بعدما تبين أن الهدنة هشّة، ما جعل نسبة العائدين تقتصر على نحو 15 بالمئة. أما اليوم ورغم أن قرار تمديد مهلة وقف إطلاق النار يمتد لثلاثة أسابيع، فما زال النازحون في الشمال يتريثون. البعض عاد عودة مؤقتة، حمل فيها النازحون القليل من الأمتعة الخفيفة تقتصر على الضرورات. 

لم يحمل العائدون إلى ديارهم مجرد أمتعة، بل حملوا ذكريات قصيرة لكن عميقة ولدت في خضم الوجع؛ تركوا خلفهم جيراناً تحولوا إلى “أصدقاء الشدة”. ويقول أحد العائدين إلى الجنوب وفي صوته رنين الحنين: “طوال فترة نزوحي لم تغب عن بالي أرضي، وشجرات الزيتون، وسؤال واحد يؤرقني: هل احترقت؟”. نازح آخر من أهل الضاحية، حيث هدم العدوان الحجر وبعثر أحلام سكانها، يقول: “منزلي تدمّر جزئياً، لكنني متلهفٌ للعودة لترميمه، أريد للبهجة أن تطرق باب عائلتي وأطفالي الصغار من جديد”.

عودة نهائية مؤجّلة

حزم عدد من النازحين آمالهم وانطلقوا في رحلة الرجوع. هم العائدون إلى الأرض التي سكنتهم قبل أن يسكنوها، إلى ملاعب رزقهم، وإلى بيوتٍ تركوها في مهبّ القصف، يحدوهم أملٌ بأن تكون قد صمدت في وجه آلة الخراب الاسرائيلية.

غير أن تلك الوجوه التي غسلها فرح العودة، لم تخلُ من “غصّة” وسعادة منقوصة، شابتها تساؤلات قلقة تقضُّ مضاجع تفكيرهم. في العيون تزدحم الأسئلة الصعبة: ماذا لو لم يجدوا ضالّتهم وسط الرّكام؟ وكيف ستكون المواجهة الأولى مع الهدم والخراب؟ وما الذي ينتظرهم فعلياً خلف سحب الغبار التي لم تهدأ بعد؟

وتبرز أيضاً هواجس الاستقرار، فالسؤال عن صمود وقف إطلاق النار يبقى الهاجس الأكبر: هل تضع الحرب أوزارها حقاً هذه المرة؟ أم أن الاتفاق سيكون هشّاً تحت وطأة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.

ما زال النازحون يتريثون في قرار العودة النهائية في انتظار تطمينات أكثر. ومرد التريّث اتضاح الصورة. ويلخص أحد النازحين استراتيجيته الحذرة قائلاً: “لن أغامر بعائلتي الآن، سأترك زوجتي وأولادي هنا، وأذهب وحدي لتفقد الأرض، فإذا كان المنزل صامداً، سأعود لاصطحابهم، وإلا فالبقاء هنا أهون من التشرد مرتين.

أما النازحون من قرى الجنوب الحدودية فعودتهم مؤجلة. إحدى النازحات تقول بحرقة: “نريد العودة، لكن هناك أخبار وردتنا أن بيتنا قد سوّي بالأرض، فإلى أين نعود؟”

النازحون حائرون ومترددون: عودة محفوفة بمخاطر الهدنة الهشة

المصدر: المدن
25 نيسان 2026

تتوزع حركة النازحين بعد إعلان هدنة 3 أسابيع بين قرار مؤجل وعودة مشروطة. ليست عودة كاملة، ولا بقاءً كاملاً. هي حالة انتظار جماعي، يتحرك فيها الناس على إيقاع الاحتمالات أكثر مما يتحركون على إيقاع قرار حاسم.

إلى الضاحية

منذ ساعات الصباح، حملت بعض العائلات حقائبها، وضبضبت ما تيسر من أغراضها، وعادت باتجاه بيوتها، ولا سيما إلى الضاحية الجنوبية. التوجه إلى الضاحية يبدو أوضح من التوجه إلى قرى الجنوب، حيث ما يزال القلق الأمني أشد حضوراً، والقرار أصعب. كثيرون يقولون إنهم عادوا “مبدئياً” فقط: أغراضهم الأساسية ما تزال في السيارات، جاهزة للعودة السريعة إذا تبدل المشهد فجأة. 

في المقابل، ما تزال عائلات كثيرة تنتظر إشارة واضحة. بعضهم يربط قراره بما سيصدر عن الدولة، وآخرون ينتظرون موقفاً واضحاً من قيادتي حزب الله وحركة أمل. 

عامل آخر يثقل كفة التريث: الإيجارات. عدد كبير من العائلات استأجر منازل مؤقتة بعد النزوح، ودفع سلفاً بدل أشهر عدة. هؤلاء يفضلون البقاء حيث هم الآن، إلى حين اتضاح الصورة أكثر، أو انتهاء المهلة التي دفعوا بدلها. فالعودة المبكرة تعني خسارةً مالية إضافية، في وقت باتت فيه القدرة على الاحتمال محدودة.

مراكز إيواء بيروت

أما في مراكز الإيواء في بيروت، فالمشهد أكثر حساسية. الخوف من خسارة المكان يقيد قرار المغادرة. في مدرسة اللعازرية في بيروت، التي تضم نحو 985 نازحاً، معظمهم من الجنوب إضافة إلى عائلات من الضاحية، يؤكّد أحد المسؤولين لـ”المدن” أنه “حتى الآن، لم تغادر أي عائلة. الجميع ينتظر إشارة واضحة للعودة، ويخشى أنه إذا غادر لن يجد مكاناً يعود إليه لاحقاً“.

وفي عدد من مدارس الإيواء الأخرى في بيروت، يشير أحد المسؤولين إلى أن بعض العائلات غادرت صباحاً باتجاه الضاحية والجنوب، “لكن بشكل عام، الغالبية ما تزال تنتظر اتجاهاً واضحاً لتحديد خطوتها التالية“.

هكذا تبدو حركة العودة اليوم: ليست موجةً واحدة، بل مسارات متوازية. عودة بحذر، وبقاء بحذر، وانتظار بحذر. بين بيت تُفتح أبوابه نصف فتحة، وغرفة صف ما تزال تحتفظ بأصحابها خوفاً من المجهول. هنا، القرار ليس جغرافياً فقط. هو قرار نجاة.

هواجس العودة من الشمال

من طرابلس، ومن الكورة وزغرتا والبترون، عاد جزء من النازحين عند إعلان وقف إطلاق النار منذ عشرة أيام. بلغت نسبة العائدين حينها نحو 39 بالمئة بحسب مصادر في غرفة إدارة الكوارث على مستوى المحافظة. لكن العديد منهم (نحو 24 بالمئة) عادوا أدراجهم إلى مراكز الإيواء، بعدما تبين أن الهدنة هشّة، ما جعل نسبة العائدين تقتصر على نحو 15 بالمئة. أما اليوم ورغم أن قرار تمديد مهلة وقف إطلاق النار يمتد لثلاثة أسابيع، فما زال النازحون في الشمال يتريثون. البعض عاد عودة مؤقتة، حمل فيها النازحون القليل من الأمتعة الخفيفة تقتصر على الضرورات. 

لم يحمل العائدون إلى ديارهم مجرد أمتعة، بل حملوا ذكريات قصيرة لكن عميقة ولدت في خضم الوجع؛ تركوا خلفهم جيراناً تحولوا إلى “أصدقاء الشدة”. ويقول أحد العائدين إلى الجنوب وفي صوته رنين الحنين: “طوال فترة نزوحي لم تغب عن بالي أرضي، وشجرات الزيتون، وسؤال واحد يؤرقني: هل احترقت؟”. نازح آخر من أهل الضاحية، حيث هدم العدوان الحجر وبعثر أحلام سكانها، يقول: “منزلي تدمّر جزئياً، لكنني متلهفٌ للعودة لترميمه، أريد للبهجة أن تطرق باب عائلتي وأطفالي الصغار من جديد”.

عودة نهائية مؤجّلة

حزم عدد من النازحين آمالهم وانطلقوا في رحلة الرجوع. هم العائدون إلى الأرض التي سكنتهم قبل أن يسكنوها، إلى ملاعب رزقهم، وإلى بيوتٍ تركوها في مهبّ القصف، يحدوهم أملٌ بأن تكون قد صمدت في وجه آلة الخراب الاسرائيلية.

غير أن تلك الوجوه التي غسلها فرح العودة، لم تخلُ من “غصّة” وسعادة منقوصة، شابتها تساؤلات قلقة تقضُّ مضاجع تفكيرهم. في العيون تزدحم الأسئلة الصعبة: ماذا لو لم يجدوا ضالّتهم وسط الرّكام؟ وكيف ستكون المواجهة الأولى مع الهدم والخراب؟ وما الذي ينتظرهم فعلياً خلف سحب الغبار التي لم تهدأ بعد؟

وتبرز أيضاً هواجس الاستقرار، فالسؤال عن صمود وقف إطلاق النار يبقى الهاجس الأكبر: هل تضع الحرب أوزارها حقاً هذه المرة؟ أم أن الاتفاق سيكون هشّاً تحت وطأة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.

ما زال النازحون يتريثون في قرار العودة النهائية في انتظار تطمينات أكثر. ومرد التريّث اتضاح الصورة. ويلخص أحد النازحين استراتيجيته الحذرة قائلاً: “لن أغامر بعائلتي الآن، سأترك زوجتي وأولادي هنا، وأذهب وحدي لتفقد الأرض، فإذا كان المنزل صامداً، سأعود لاصطحابهم، وإلا فالبقاء هنا أهون من التشرد مرتين.

أما النازحون من قرى الجنوب الحدودية فعودتهم مؤجلة. إحدى النازحات تقول بحرقة: “نريد العودة، لكن هناك أخبار وردتنا أن بيتنا قد سوّي بالأرض، فإلى أين نعود؟”

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار