“غسل الأدمغة” وسيلة… فكرٌ آخر وسلاحٌ آخر: ظاهرة “التبرّؤ العائلي”

هو زمنٌ ليس كسواه، القتل فيه مباح، و”تكبير الرأس” فيه متاح، وشطبُ “المختلف” جائز تحت عنوان: نحنُ منه براء. التبرّؤ من أفرادٍ -من بيئاتٍ معيّنة غالبًا- ظاهرة باتت تتسّع وتتمدّد أفقيًّا وعموديًّا وبندها “أ”: ما بيشبهونا. في قلب البيئة الواحدة أفراد ما عادوا يشبهون عائلاتهم وآباءهم وعشائرهم وأحزابهم فحوربوا بالتبرّؤ منهم حتّى “يوم القيامة”. ظاهرة تستحقّ أن توضع على مشرحة وطنٍ يعوم على تناقضات.
لين حرفوش، المرأة اللبنانية الشيعيّة الحرّة، التي وقفت في مجلس الأمن في الأمم المتحدة وقالت كلامًا سياسيًّا وإنسانيًّا، متحدثةً عن هيمنة “حزب” حوّل حياة المواطنين إلى أداةٍ لخدمة مشروعه التوسّعي وربطه بالمشروع الإيراني في المنطقة، لفتت الأنظار، لامست الواقع، و”طنّ” كلامها قويًّا في الآذان حتّى الصمّاء. قالت لين ما قالته. وبرزت بسرعةٍ بأسلوبها. ومَن يبرز في بيئة ما، مختلفًا معها، يصبح مطلوبًا تصفيته -على الأقلّ- معنويًا. أمراء آل الحرفوش من بعلبك أصدروا بيانًا دانوا فيه لين التي “خرجت من بيئتها وتنصّلت من انتمائها متخذةً موقفًا عدائيًّا تجاه أبناء عائلتها الذين قدّموا آلاف الشهداء على مذبح التشيّع الوطني”. وذهبوا أبعد باعتبارها “تدّعي أنها بعلبكية وهي لم تشرب من مياه عزّة المدينة (…) واختارت أن تصطفّ في مواجهة المقاومة بدل أن تكون جزءًا من نسيجها الداعم”. بيان طويل عريض انتهوا فيه إلى “إنّنا عائلة آل الحرفوش بعلبك ولبنان نعبّر عن رفضنا لتصرفاتها”. هو تخلٍّ وتنصّلٍ وتبرّؤٍ من امرأة تعرف ما تريد.
ما حصل مع لين، حصل مع الكثيرين تجرّأوا و”حكّوا رؤوسهم” بدل الخضوع إلى من يعملون على “غسلها” وخرجوا بمواقف مرفوضة حتمًا مِمّن نصّبوا أنفسهم “أولياء” على كل من ولدوا صدفةً من طائفة معيّنة في جغرافيا معيّنة. الصحافي محمد بركات، ابن رب تلاتين، نال “عقابًا”، بشكلِ بيانٍ، نُسب إلى بيت بركات تضمن: “نحن أبناء رب تلاتين الجنوبية نؤكّد تبرّؤنا من محمد بركات ورفضنا ربط اسمه باسم عائلتنا الكريمة”. فهل هكذا بيان له مفاعيل؟ ألم يقهقه محمد كثيرًا لدى سماعه؟ أليس هو من تبرّأ من أفعال يرتكبها أشخاص من عيل كثيرة محسوبة على “الحزب”؟
ومثل محمد ولين، راغب علامة تبرّأت منه عائلته. نعم، راغب – الفنّان الكبير -بات بمنطق بيان من آل علامة- التي استوطنت الضاحية الجنوبية – “نكرة”: “المدعو راغب علامة ليس من أبنائنا. نتبرّأ منه إلى يوم الدّين”. لماذا هذا السخط؟ ببساطة، لأنه -بمفهوم الجماعة نفسها التي تبرّأت من محمد وتنصّلت من لين- رأت في مواقف راغب “إساءةً لرموز المقاومة التي تؤمن بأنّها ليست مجرّد خيار، بل هي واجب ديني وأخلاقي”. نسي هؤلاء -أو بالأصح تناسوا- أنّ أقوى المبادئ في الحياة توجد في الحقّ بالاختيار وليس في وهم خيار أن لا يختاروا إلّا ما اختير لهم.
تكرّ سبحة “التبرؤ”. أهالي بلدة حبوش -مسقط رأس الوزير فادي مكي- نشروا قبل حين “نعلن تبرّؤنا الكامل من المواقف والتصرّفات الصادرة عنه. فادي مكي لا يمثّلنا”. والحجة؟ مساومة في السياسة تتناقض مع منهجية “الحزب”.
نراجع المحطات، نقلب في الصفحات، نتوقّف عند أحداث تمرّ عاجلة في البلد فتستوقفنا ظاهرة التبرّؤ من أفراد بشطبة قلمِ حبر باهت وفكر ضيّق. وقد يفهم الناس أن تتبرّأ جماعة من قاتل أو فاسد، لكن أن تفعل ذلك لقولٍ أو فكرٍ أو خاطرةٍ. هل هناك تفسير لهذه المنهجية – الظّاهرة في علم السياسة والاجتماع وفي مفاهيم المجتمع والقانون والدستور؟
أنطوان مسرّة، الأستاذ الذي لم يتعب -كما لم يملّ في ستين عامًا- من دراسة ظواهر لبنان العصيّة على الفهم مستخلصًا “أنّ مشكلتنا أنّنا لا نتعلّم من التاريخ بل نتعلّم في التاريخ”. ماذا عن ظاهرة التبرّؤ العائلي والجماعي والحزبي والطائفي المتوسّعة في هذه الأيام؟ أيّ درس يمكننا استخلاصه منها؟ يجيب: “إنها ذهنية تقليدية خطيرة جدًّا على الحرية الفردية. المواطن حرّ -أو يفترض أن يكون حرًّا- وليس ضروريًا أن يشبه الابن أباه، ويكون نسخةً طبق الأصل عنه. ها هو صالح المشنوق غير نهاد المشنوق. ولم نسمع استهجانًا من والده. تيمور جنبلاط قد يختلف في التفكير والمنطق والرؤية عن والده وليد وهذا شيء طبيعي لا يحقّ لا لوالده ولا للدروز والمختارة ولا لفاعليّات الجبل أن يقولوا له: أصمت كي لا نتبرّأ منك. لكن، إذا تحدّث باسم الحزب التقدمي الإشتراكي بشكلٍ يتناقض مع الإجماع فيه فهذا يُعدّ تجاوزًا. في هذه الحالة يحقّ للحزب التنصّل ممّا قال لا من كنيته ونسبه. هذا ما هو طبيعي. أمّا ما نصادفه اليوم فهو يتجاوز أي منطق. إنّه خطير. وعلينا أن نرصده بدقّة. لأنه أحد أشكال القمع. هو وسيلة غير مباشرة لإسكات من يُعكّر صفو مشروع قد يكون خبيثًا يُحاك. إسكات الأصوات المختلفة منهجيّة مُخيفة تُعتمد من زمان لكن تصاعدها وتكرارها سيرتّبان تأثيرات سلبية في الانتخابات النيابية المقبلة. ارتداداتها خطيرة. كونها تؤسّس لبرمجة العقل على وجوب الإنضواء في سياسة الأمر الواقع، وأي خروج عنها قد تترتّب عليه خطوات تُصيب حتّى في الأصل والفصل والنسب”.
نعم، وصلنا إلى الدرك الأكثر ظلامة، حيث أيّ رأي آخر هو تسلّلي، ملغوم، متغطرس، مُستهجن، مُسيء، غير أخلاقي، خارج عن النسيج العام، وشكل من أشكال العمالة. هي نذر من فيض توصيفات تصدر في بيانات انبطاحية يُقال عنها “عائلية”.
أنطوان مسرّة لا ينفي أنّ الظاهرة هذه موجودة في مناطق كثيرة لكن ما يحدث اليوم أنّها باتت سهلة، يمكن لأيٍّ كان اعتمادها سلاحًا بدل أن تكون وسيلةً حسنةً لإعادة تصويب أمور اجتماعية. ويستطرد مسرّة بالقول: “تعكسُ هذه الظاهرة أنانية بعض الجماعات على حساب مفهوم الشأن العام”. هنا، قبل أن ننهي حديثنا مع “الأستاذ” يهمس لنا بأنّ هذه الظاهرة، نفسها، حدثت معه، من قِبل جماعة من بيت مسرة لم تعجبها أفكاره.
لا أحد معصوم طبعًا عن الخطأ. لكن، مَن يتجرّؤون ويتبرّأون -تكرارًا- من أفراد لسببٍ ما في نفس يعقوب، سواءً من خلال الترهيب أو الترغيب، خطيرين. يفترض أن لا يملك أحد الفانوس السحري الذي يمكنه أن يُجرّد أيّ كان من كنيته ونسبه وانتمائه لسببٍ سياسي ديني طائفي.
“حزب الله” يتشاطر على ناسه. يُساومهم في “أصولهم” ويشكّك في “انتمائهم” ويبعث لهم برسائل واضحة عبر عائلاتهم معنوة بكلمتَيْن: نتبرّأ منكم. هذه السياسة التي اعتمدت في الانتخابات النيابية الماضية قمعًا للصوت المنتفض تُستخدم اليوم أولويةً لدى “الحزب” الذي يعتبر نفسه في حربٍ وجوديةٍ ممنوع أن يكون فيها أي صوتٍ غير صوت مَن يظن أنّه يحارب بسلاح الله ويتفوّه بلسان الله ويملك سطوة الله.
ظاهرة “التبرّؤ العائلي” لطالما كانت وصفة صالحة تعتمدها العشائر كإجراءٍ عرفي تلجأ إليه للتخلّي عن مسؤولية فرد ارتكب أفعالًا تسيء لسمعتها وقيمها ومبادئها. كان زعيم العشيرة يتخلّى عن مرتكب ليحمي العشيرة من تبعات أعماله. كان عقابًا يردع عن ارتكاب المنكرات. العشائر تتشدّد في معاقبة مَن يرتكب إثمًا لا مَن له نظرة تحليلية مختلفة. العشائر اليوم تنفتح في مقابل تشدّدٍ إضافيٍّ تعتمده -بحسب أحد أبناء عشيرة عربية- أحزاب شمولية تنغلق أكثر فأكثر على نفسها.
نقلب بين الأحداث والأسماء. التبرّؤ يتمدّد. أحزابٌ تتبرّأ من منتسبين. رجل يتهم ابنه بالكفر ويتبرّأ منه حتّى يهديه الله. عائلة “عقلة” تتبرّأ من ابنها. عائلة “مخدّر” تتبرّأ من ابنها. عائلة فياض تتبرّأ من ابنها. شقيقة هيفاء وهبي تتبرّأ منها. عشيرة آل جعفر تبرّأت من الشيخ جابر سعد الله جعفر… تتعدّد الاسباب، لكن أكثرها التي تشكل ظاهرة هذا الزمان هي الأسباب السياسية. و”حزب الله” يستحقّ المرتبة الأولى فيها.
في علم الاجتماع، تُعرف هذه الظاهرة عائليًّا بالقطيعة الأسرية، تسقط معها الحماية العاطفية التي يتلقّاها الفرد داخل بنيته العائلية. والعائلة، بخطوتها هذه، تستخدم هذا “الترند” لحماية نفسها. هذا ما تخاله. سياسيًّا، التبرّؤ وسيلة أخرى تُستخدم لتنقية البيئات من مفكّرين يستنتجون ما يختلف عن كل الآخرين، مفكّرون لم تنجح عملية غسل أدمغتهم، ويتفوّهون بما يرونه صائبًا لا ما يخدم المرجعية الحزبية ويعزّز بطشها.
لن نطيل الكلام. نحن في زحمة أحداث فيها “طقّ رقاب” فلننتظر توسعة ظاهرة: نحن براء منكم حتى يوم القيامة! التي لو استبدلها -مَن يستخدمونها بكثرة- بعبارة “ما بيشبهونا” -التي اعترضوا أنفسهم عليها- لكان أهون.
“غسل الأدمغة” وسيلة… فكرٌ آخر وسلاحٌ آخر: ظاهرة “التبرّؤ العائلي”

هو زمنٌ ليس كسواه، القتل فيه مباح، و”تكبير الرأس” فيه متاح، وشطبُ “المختلف” جائز تحت عنوان: نحنُ منه براء. التبرّؤ من أفرادٍ -من بيئاتٍ معيّنة غالبًا- ظاهرة باتت تتسّع وتتمدّد أفقيًّا وعموديًّا وبندها “أ”: ما بيشبهونا. في قلب البيئة الواحدة أفراد ما عادوا يشبهون عائلاتهم وآباءهم وعشائرهم وأحزابهم فحوربوا بالتبرّؤ منهم حتّى “يوم القيامة”. ظاهرة تستحقّ أن توضع على مشرحة وطنٍ يعوم على تناقضات.
لين حرفوش، المرأة اللبنانية الشيعيّة الحرّة، التي وقفت في مجلس الأمن في الأمم المتحدة وقالت كلامًا سياسيًّا وإنسانيًّا، متحدثةً عن هيمنة “حزب” حوّل حياة المواطنين إلى أداةٍ لخدمة مشروعه التوسّعي وربطه بالمشروع الإيراني في المنطقة، لفتت الأنظار، لامست الواقع، و”طنّ” كلامها قويًّا في الآذان حتّى الصمّاء. قالت لين ما قالته. وبرزت بسرعةٍ بأسلوبها. ومَن يبرز في بيئة ما، مختلفًا معها، يصبح مطلوبًا تصفيته -على الأقلّ- معنويًا. أمراء آل الحرفوش من بعلبك أصدروا بيانًا دانوا فيه لين التي “خرجت من بيئتها وتنصّلت من انتمائها متخذةً موقفًا عدائيًّا تجاه أبناء عائلتها الذين قدّموا آلاف الشهداء على مذبح التشيّع الوطني”. وذهبوا أبعد باعتبارها “تدّعي أنها بعلبكية وهي لم تشرب من مياه عزّة المدينة (…) واختارت أن تصطفّ في مواجهة المقاومة بدل أن تكون جزءًا من نسيجها الداعم”. بيان طويل عريض انتهوا فيه إلى “إنّنا عائلة آل الحرفوش بعلبك ولبنان نعبّر عن رفضنا لتصرفاتها”. هو تخلٍّ وتنصّلٍ وتبرّؤٍ من امرأة تعرف ما تريد.
ما حصل مع لين، حصل مع الكثيرين تجرّأوا و”حكّوا رؤوسهم” بدل الخضوع إلى من يعملون على “غسلها” وخرجوا بمواقف مرفوضة حتمًا مِمّن نصّبوا أنفسهم “أولياء” على كل من ولدوا صدفةً من طائفة معيّنة في جغرافيا معيّنة. الصحافي محمد بركات، ابن رب تلاتين، نال “عقابًا”، بشكلِ بيانٍ، نُسب إلى بيت بركات تضمن: “نحن أبناء رب تلاتين الجنوبية نؤكّد تبرّؤنا من محمد بركات ورفضنا ربط اسمه باسم عائلتنا الكريمة”. فهل هكذا بيان له مفاعيل؟ ألم يقهقه محمد كثيرًا لدى سماعه؟ أليس هو من تبرّأ من أفعال يرتكبها أشخاص من عيل كثيرة محسوبة على “الحزب”؟
ومثل محمد ولين، راغب علامة تبرّأت منه عائلته. نعم، راغب – الفنّان الكبير -بات بمنطق بيان من آل علامة- التي استوطنت الضاحية الجنوبية – “نكرة”: “المدعو راغب علامة ليس من أبنائنا. نتبرّأ منه إلى يوم الدّين”. لماذا هذا السخط؟ ببساطة، لأنه -بمفهوم الجماعة نفسها التي تبرّأت من محمد وتنصّلت من لين- رأت في مواقف راغب “إساءةً لرموز المقاومة التي تؤمن بأنّها ليست مجرّد خيار، بل هي واجب ديني وأخلاقي”. نسي هؤلاء -أو بالأصح تناسوا- أنّ أقوى المبادئ في الحياة توجد في الحقّ بالاختيار وليس في وهم خيار أن لا يختاروا إلّا ما اختير لهم.
تكرّ سبحة “التبرؤ”. أهالي بلدة حبوش -مسقط رأس الوزير فادي مكي- نشروا قبل حين “نعلن تبرّؤنا الكامل من المواقف والتصرّفات الصادرة عنه. فادي مكي لا يمثّلنا”. والحجة؟ مساومة في السياسة تتناقض مع منهجية “الحزب”.
نراجع المحطات، نقلب في الصفحات، نتوقّف عند أحداث تمرّ عاجلة في البلد فتستوقفنا ظاهرة التبرّؤ من أفراد بشطبة قلمِ حبر باهت وفكر ضيّق. وقد يفهم الناس أن تتبرّأ جماعة من قاتل أو فاسد، لكن أن تفعل ذلك لقولٍ أو فكرٍ أو خاطرةٍ. هل هناك تفسير لهذه المنهجية – الظّاهرة في علم السياسة والاجتماع وفي مفاهيم المجتمع والقانون والدستور؟
أنطوان مسرّة، الأستاذ الذي لم يتعب -كما لم يملّ في ستين عامًا- من دراسة ظواهر لبنان العصيّة على الفهم مستخلصًا “أنّ مشكلتنا أنّنا لا نتعلّم من التاريخ بل نتعلّم في التاريخ”. ماذا عن ظاهرة التبرّؤ العائلي والجماعي والحزبي والطائفي المتوسّعة في هذه الأيام؟ أيّ درس يمكننا استخلاصه منها؟ يجيب: “إنها ذهنية تقليدية خطيرة جدًّا على الحرية الفردية. المواطن حرّ -أو يفترض أن يكون حرًّا- وليس ضروريًا أن يشبه الابن أباه، ويكون نسخةً طبق الأصل عنه. ها هو صالح المشنوق غير نهاد المشنوق. ولم نسمع استهجانًا من والده. تيمور جنبلاط قد يختلف في التفكير والمنطق والرؤية عن والده وليد وهذا شيء طبيعي لا يحقّ لا لوالده ولا للدروز والمختارة ولا لفاعليّات الجبل أن يقولوا له: أصمت كي لا نتبرّأ منك. لكن، إذا تحدّث باسم الحزب التقدمي الإشتراكي بشكلٍ يتناقض مع الإجماع فيه فهذا يُعدّ تجاوزًا. في هذه الحالة يحقّ للحزب التنصّل ممّا قال لا من كنيته ونسبه. هذا ما هو طبيعي. أمّا ما نصادفه اليوم فهو يتجاوز أي منطق. إنّه خطير. وعلينا أن نرصده بدقّة. لأنه أحد أشكال القمع. هو وسيلة غير مباشرة لإسكات من يُعكّر صفو مشروع قد يكون خبيثًا يُحاك. إسكات الأصوات المختلفة منهجيّة مُخيفة تُعتمد من زمان لكن تصاعدها وتكرارها سيرتّبان تأثيرات سلبية في الانتخابات النيابية المقبلة. ارتداداتها خطيرة. كونها تؤسّس لبرمجة العقل على وجوب الإنضواء في سياسة الأمر الواقع، وأي خروج عنها قد تترتّب عليه خطوات تُصيب حتّى في الأصل والفصل والنسب”.
نعم، وصلنا إلى الدرك الأكثر ظلامة، حيث أيّ رأي آخر هو تسلّلي، ملغوم، متغطرس، مُستهجن، مُسيء، غير أخلاقي، خارج عن النسيج العام، وشكل من أشكال العمالة. هي نذر من فيض توصيفات تصدر في بيانات انبطاحية يُقال عنها “عائلية”.
أنطوان مسرّة لا ينفي أنّ الظاهرة هذه موجودة في مناطق كثيرة لكن ما يحدث اليوم أنّها باتت سهلة، يمكن لأيٍّ كان اعتمادها سلاحًا بدل أن تكون وسيلةً حسنةً لإعادة تصويب أمور اجتماعية. ويستطرد مسرّة بالقول: “تعكسُ هذه الظاهرة أنانية بعض الجماعات على حساب مفهوم الشأن العام”. هنا، قبل أن ننهي حديثنا مع “الأستاذ” يهمس لنا بأنّ هذه الظاهرة، نفسها، حدثت معه، من قِبل جماعة من بيت مسرة لم تعجبها أفكاره.
لا أحد معصوم طبعًا عن الخطأ. لكن، مَن يتجرّؤون ويتبرّأون -تكرارًا- من أفراد لسببٍ ما في نفس يعقوب، سواءً من خلال الترهيب أو الترغيب، خطيرين. يفترض أن لا يملك أحد الفانوس السحري الذي يمكنه أن يُجرّد أيّ كان من كنيته ونسبه وانتمائه لسببٍ سياسي ديني طائفي.
“حزب الله” يتشاطر على ناسه. يُساومهم في “أصولهم” ويشكّك في “انتمائهم” ويبعث لهم برسائل واضحة عبر عائلاتهم معنوة بكلمتَيْن: نتبرّأ منكم. هذه السياسة التي اعتمدت في الانتخابات النيابية الماضية قمعًا للصوت المنتفض تُستخدم اليوم أولويةً لدى “الحزب” الذي يعتبر نفسه في حربٍ وجوديةٍ ممنوع أن يكون فيها أي صوتٍ غير صوت مَن يظن أنّه يحارب بسلاح الله ويتفوّه بلسان الله ويملك سطوة الله.
ظاهرة “التبرّؤ العائلي” لطالما كانت وصفة صالحة تعتمدها العشائر كإجراءٍ عرفي تلجأ إليه للتخلّي عن مسؤولية فرد ارتكب أفعالًا تسيء لسمعتها وقيمها ومبادئها. كان زعيم العشيرة يتخلّى عن مرتكب ليحمي العشيرة من تبعات أعماله. كان عقابًا يردع عن ارتكاب المنكرات. العشائر تتشدّد في معاقبة مَن يرتكب إثمًا لا مَن له نظرة تحليلية مختلفة. العشائر اليوم تنفتح في مقابل تشدّدٍ إضافيٍّ تعتمده -بحسب أحد أبناء عشيرة عربية- أحزاب شمولية تنغلق أكثر فأكثر على نفسها.
نقلب بين الأحداث والأسماء. التبرّؤ يتمدّد. أحزابٌ تتبرّأ من منتسبين. رجل يتهم ابنه بالكفر ويتبرّأ منه حتّى يهديه الله. عائلة “عقلة” تتبرّأ من ابنها. عائلة “مخدّر” تتبرّأ من ابنها. عائلة فياض تتبرّأ من ابنها. شقيقة هيفاء وهبي تتبرّأ منها. عشيرة آل جعفر تبرّأت من الشيخ جابر سعد الله جعفر… تتعدّد الاسباب، لكن أكثرها التي تشكل ظاهرة هذا الزمان هي الأسباب السياسية. و”حزب الله” يستحقّ المرتبة الأولى فيها.
في علم الاجتماع، تُعرف هذه الظاهرة عائليًّا بالقطيعة الأسرية، تسقط معها الحماية العاطفية التي يتلقّاها الفرد داخل بنيته العائلية. والعائلة، بخطوتها هذه، تستخدم هذا “الترند” لحماية نفسها. هذا ما تخاله. سياسيًّا، التبرّؤ وسيلة أخرى تُستخدم لتنقية البيئات من مفكّرين يستنتجون ما يختلف عن كل الآخرين، مفكّرون لم تنجح عملية غسل أدمغتهم، ويتفوّهون بما يرونه صائبًا لا ما يخدم المرجعية الحزبية ويعزّز بطشها.
لن نطيل الكلام. نحن في زحمة أحداث فيها “طقّ رقاب” فلننتظر توسعة ظاهرة: نحن براء منكم حتى يوم القيامة! التي لو استبدلها -مَن يستخدمونها بكثرة- بعبارة “ما بيشبهونا” -التي اعترضوا أنفسهم عليها- لكان أهون.








