الشياطين النائمة تستيقظ: الفيديرالية رداً على إلغاء الطائفية

تعكس الآراء الواردة في هذا المقال تعكس توجهات واسعة الانتشار في البيئة السياسية المسيحية اللبنانية، ولا تمثل رأي الكاتب الشخصي:
في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ لبنان، يُحكى عن مسعى لاستكمال تطبيق اتفاق الطائف. لكن ما يُروج له كـ”إصلاح” و”تقدم ديمقراطي”، بعد تنويمهما مدى 36 سنة، يبدو فخاً مدروساً في أعين كثيرين من العاملين في السياسة في الجهة التي يسميها جهاد الزين بـ”المسيحية المقاتلة”، أو على الأقل خطوة خطيرة ستوقظ شياطين نائمة منذ عقود.
الفكرة المطروحة تبدو بسيطة على السطح: البدء بمسار إلغاء الطائفية السياسية عبر قانون انتخابي خارج القيد الطائفي، على أساس المحافظة الموسعة. وبالتوازي، تثبيت وزارة المال للشيعة على غرار رئاسة مجلس النواب إلى أبد الآبدين، بذريعة ضرورة “التوقيع الرابع”، استرضاءً للرئيس نبيه بري، على أمل أن يبتعد تدريجياً عن “حزب الله”.
الطائف ولد في لحظة هزيمة مسيحية
هذا “التوازن” المزعوم ليس بريئاً على الإطلاق. بل هو، في نظر قطاع واسع من “المسيحية المقاتلة”، يفتح الباب على مصراعيه أمام حفلة جنون طائفي حقيقية. لأن إلغاء الطائفية السياسية في ظل التوازنات الديموغرافية والسياسية الحالية، وبدون ضمانات وجودية حقيقية للمسيحيين، لن يكون إلا بداية العد العكسي الجدي لنهاية الحضور المسيحي الحر في لبنان.
اتفاق الطائف نفسه ولد في لحظة هزيمة مسيحية، يقولون، وافقنا عليه ونحن مهزومون، بعدما جرّنا ميشال عون إلى مواجهات غير محسوبة العواقب. ويُقال صراحة في بعض الصالونات قبلنا به لأننا كنا في موقع الضعف، لكن حين يحين الجدّ، لا يمكن أن نستمر في تقديم تنازلات إلى ما لا نهاية. فالديموغرافيا لا تكذب ولا ترحم. عدد المسيحيين يتقلص بسرعة مخيفة بسبب الحروب المتكررة، ونزف الهجرة المستمر، وتناقص معدلات الزيجات والولادات. في المقابل، يشهد “الآخرون” فورة ديموغرافية دائمة . هذا الواقع ليس مجرد إحصاء بارد، بل هو تهديد وجودي مباشر لأي مشروع وطني يدّعي العيش المشترك.
الفدرالية للحفاظ على الوجود
في السياق، أصبحت اللامركزية الموسعة (حتى الإدارية والمالية والأمنية) غير كافية على الإطلاق. المسيحيون، في غالبيتهم الساحقة، يرون أن الفيدرالية أقل ما يمكن أن يُطالبوا به اليوم للحفاظ على وجودهم الحر وكرامتهم. وفي الصالونات الخاصة، يذهب كثيرون أبعد ويطالبون بالتقسيم الصريح.
ويسألون أين كان العرب عندما جُيّر لبنان لسوريا حافظ وبشار الأسد لخمسة وعشرين عاماً؟ أين كان “ضمانهم” لحرياتنا واتفاق الطائف حين كان الجيش السوري يحتل قصورنا ويفرض إرادته؟ لا نريد اليوم أن نُباع مرة أخرى تحت شعار “استكمال الطائف” في محاولة فاشلة أخرى لإقناع “حزب الله” بالتخلي عن سلاحه وولائه لإيران.
والسؤال الذي يُطرح بصوت عالٍ: أين مفتي الجمهورية؟ لماذا لا يصعد إلى قصر بعبدا في هذا الظرف العصيب ليدعم مواقف رئيس الجمهورية وتوجهاته لإنقاذ لبنان من الحرب التي علق فيها؟ لماذا يبقى الصمت أو التحفظ قاعدة عندما يتعلق الأمر بالحياد أو السلام ليبدو الاتفاق، في حال تحقق لاحقاً، اتفاقاً بين المسيحيين وإسرائيل؟
ويضيفون أن لبنان لا يمكن أن يستمر على قاعدة “الطائفة القوية تأكل الضعيفة”. وإذا كان المسعى الخليجي الحالي يرمي إلى تثبيت سيطرة طائفية معينة على “أم الوزارات” (المالية) في موازاة لعبة إلغاء شكلي للطائفية فيما “الآخرون” معبّأون طائفياً، فإن النتيجة ستكون عكسية تماماً: توترات أعمق، وشعور متزايد بالغبن، وتسارع في الهجرة المسيحية.
“شركاء أقل” في وطنهم
المسيحيون لم يعودوا يقبلون أن يكونوا “شركاء أقل” في وطنهم. الفيدرالية اليوم ليست رفاهية أو تطرفاً، يقولون، بل هي الحد الأدنى للبقاء أحراراً في أرضهم. وأي مسار آخر سيكون مجرد تأجيل للخلافات. والوقت لم يعد يسمح بالمراوغة. إما أن نذهب نحو نظام فيدرالي يحمي الجميع ويحفظ خصوصياتهم، أو نستمر في الانهيار التدريجي تحت ستار “إصلاحات”. أمامنا نماذج الحضور المسيحي في سوريا والعراق ومصر ولن نقبل بالانضمام إلى هذه النماذج مهما كلف الأمر. إن المؤمن لا يُلدَغ من الجُحر مئة مرة.
الشياطين النائمة تستيقظ: الفيديرالية رداً على إلغاء الطائفية

تعكس الآراء الواردة في هذا المقال تعكس توجهات واسعة الانتشار في البيئة السياسية المسيحية اللبنانية، ولا تمثل رأي الكاتب الشخصي:
في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ لبنان، يُحكى عن مسعى لاستكمال تطبيق اتفاق الطائف. لكن ما يُروج له كـ”إصلاح” و”تقدم ديمقراطي”، بعد تنويمهما مدى 36 سنة، يبدو فخاً مدروساً في أعين كثيرين من العاملين في السياسة في الجهة التي يسميها جهاد الزين بـ”المسيحية المقاتلة”، أو على الأقل خطوة خطيرة ستوقظ شياطين نائمة منذ عقود.
الفكرة المطروحة تبدو بسيطة على السطح: البدء بمسار إلغاء الطائفية السياسية عبر قانون انتخابي خارج القيد الطائفي، على أساس المحافظة الموسعة. وبالتوازي، تثبيت وزارة المال للشيعة على غرار رئاسة مجلس النواب إلى أبد الآبدين، بذريعة ضرورة “التوقيع الرابع”، استرضاءً للرئيس نبيه بري، على أمل أن يبتعد تدريجياً عن “حزب الله”.
الطائف ولد في لحظة هزيمة مسيحية
هذا “التوازن” المزعوم ليس بريئاً على الإطلاق. بل هو، في نظر قطاع واسع من “المسيحية المقاتلة”، يفتح الباب على مصراعيه أمام حفلة جنون طائفي حقيقية. لأن إلغاء الطائفية السياسية في ظل التوازنات الديموغرافية والسياسية الحالية، وبدون ضمانات وجودية حقيقية للمسيحيين، لن يكون إلا بداية العد العكسي الجدي لنهاية الحضور المسيحي الحر في لبنان.
اتفاق الطائف نفسه ولد في لحظة هزيمة مسيحية، يقولون، وافقنا عليه ونحن مهزومون، بعدما جرّنا ميشال عون إلى مواجهات غير محسوبة العواقب. ويُقال صراحة في بعض الصالونات قبلنا به لأننا كنا في موقع الضعف، لكن حين يحين الجدّ، لا يمكن أن نستمر في تقديم تنازلات إلى ما لا نهاية. فالديموغرافيا لا تكذب ولا ترحم. عدد المسيحيين يتقلص بسرعة مخيفة بسبب الحروب المتكررة، ونزف الهجرة المستمر، وتناقص معدلات الزيجات والولادات. في المقابل، يشهد “الآخرون” فورة ديموغرافية دائمة . هذا الواقع ليس مجرد إحصاء بارد، بل هو تهديد وجودي مباشر لأي مشروع وطني يدّعي العيش المشترك.
الفدرالية للحفاظ على الوجود
في السياق، أصبحت اللامركزية الموسعة (حتى الإدارية والمالية والأمنية) غير كافية على الإطلاق. المسيحيون، في غالبيتهم الساحقة، يرون أن الفيدرالية أقل ما يمكن أن يُطالبوا به اليوم للحفاظ على وجودهم الحر وكرامتهم. وفي الصالونات الخاصة، يذهب كثيرون أبعد ويطالبون بالتقسيم الصريح.
ويسألون أين كان العرب عندما جُيّر لبنان لسوريا حافظ وبشار الأسد لخمسة وعشرين عاماً؟ أين كان “ضمانهم” لحرياتنا واتفاق الطائف حين كان الجيش السوري يحتل قصورنا ويفرض إرادته؟ لا نريد اليوم أن نُباع مرة أخرى تحت شعار “استكمال الطائف” في محاولة فاشلة أخرى لإقناع “حزب الله” بالتخلي عن سلاحه وولائه لإيران.
والسؤال الذي يُطرح بصوت عالٍ: أين مفتي الجمهورية؟ لماذا لا يصعد إلى قصر بعبدا في هذا الظرف العصيب ليدعم مواقف رئيس الجمهورية وتوجهاته لإنقاذ لبنان من الحرب التي علق فيها؟ لماذا يبقى الصمت أو التحفظ قاعدة عندما يتعلق الأمر بالحياد أو السلام ليبدو الاتفاق، في حال تحقق لاحقاً، اتفاقاً بين المسيحيين وإسرائيل؟
ويضيفون أن لبنان لا يمكن أن يستمر على قاعدة “الطائفة القوية تأكل الضعيفة”. وإذا كان المسعى الخليجي الحالي يرمي إلى تثبيت سيطرة طائفية معينة على “أم الوزارات” (المالية) في موازاة لعبة إلغاء شكلي للطائفية فيما “الآخرون” معبّأون طائفياً، فإن النتيجة ستكون عكسية تماماً: توترات أعمق، وشعور متزايد بالغبن، وتسارع في الهجرة المسيحية.
“شركاء أقل” في وطنهم
المسيحيون لم يعودوا يقبلون أن يكونوا “شركاء أقل” في وطنهم. الفيدرالية اليوم ليست رفاهية أو تطرفاً، يقولون، بل هي الحد الأدنى للبقاء أحراراً في أرضهم. وأي مسار آخر سيكون مجرد تأجيل للخلافات. والوقت لم يعد يسمح بالمراوغة. إما أن نذهب نحو نظام فيدرالي يحمي الجميع ويحفظ خصوصياتهم، أو نستمر في الانهيار التدريجي تحت ستار “إصلاحات”. أمامنا نماذج الحضور المسيحي في سوريا والعراق ومصر ولن نقبل بالانضمام إلى هذه النماذج مهما كلف الأمر. إن المؤمن لا يُلدَغ من الجُحر مئة مرة.









