خاص- …هكذا تبدأ الحرب الأهلية!

الكاتب: ايلين زغيب عيسى
27 نيسان 2026

إذا كانت الحرب الأهليّة التي يخشاها الجميع ستشتعل، فإنّ الإشكال الذي جرى في منطقة ساقية الجنزير ثم الإشكال الآخر في اليوم عينه في منطقة الرويسات – الجديْدة كافيان لذلك. فحرب العام 1975 انطلقت شرارتها من حادثة بوسطة عين الرمّانة بين عناصر من الكتائب ومنظمة التحرير الفلسطينية. وإذا كانت الأرض مهيّأة للحرب، وكانت هناك أطراف إقليمية ودولية تسعّر النزاع، فإنّ حادثة واحدة تكون كفيلة بإشعال الفتيل.

فهل الأرض اللبنانية مهيّأة الآن، كما في سبعينات القرن الماضي، لاندلاع حرب بين اللبنانيين؟

قد يرى كثيرون أنّ الاحتقان بين الأطراف اللبنانيين من جهة و”حزب الله” من جهة أخرى قد بلغ حدوداً مرتفعة، بعد سنوات من الهيمنة التي مارسها “الحزب” واحتكاره للقرارات، وبعد ماضٍ مثقل بالاغتيالات وأعمال الاستقواء. وجاءت اليوم الحرب الإسرائيلية، بعد الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة، لتزيد الاحتقان الداخلي ضدّ “الحزب”، لما تسبّبت به قراراته وأعماله من خراب ودمار وحروب.

وهيّأت موجة النزوح الواسعة من المناطق الشيعية الجنوبية وإقامة النازحين في بيئات أخرى، من مسيحية وسنّية، الأرض لوقوع احتكاكات، تسبّب في بعضها الخوف من الاستهدافات على خلفية وجود عناصر حزبية بين النازحين، وهذا ما حصل في عملية عين سعادة، وقبلها ما حصل في القليعة وسواها.

ثمّ أتت الحادثتان في منطقة ساقية الجنزير السنّية، وفي حيّ العمّارية المسيحي الملاصق للرويسات الشيعية في الجديدة – المتن، ليبلغ الاحتقان الذروة. ففي هذين الحادثين استفزار مباشر للبيئتين السنّية والمسيحية، ما جعل الطرفين يرفعان الصوت ويستعدّان للمواجهة، لو لم تتمّ لملمة الموضوع، حتّى الساعة.

وأصبحت فزّاعة “الحرب الأهلية” هي الراية التي يرفعها “الحزب” لتخويف الدولة والأفرقاء الآخرين في مواجهة القرارات المتّخذة بنزع السلاح. وهذا التخويف هو الذي منع الحكومة حتّى الآن من تطبيق قرار سحب السلاح، وجعلَ الجيش يتردّد في التنفيذ أيضاً.

ولكن تبيّن بالوقائع أنّ كلّ محاولات “الحزب” الاستفزازية، بدءاً بالاحتجاجات ضدّ الحكومة والمطالبة بإسقاطها وصولاً إلى اليوم، لم تنفع في وقف القرارات المتعلّقة بسحب السلاح، إنّما تمكّنت من شلّ تطبيقها. ولم تنفع أيضاً في منع بدء مسار التفاوض المباشر مع إسرائيل، وإن كان التعويل على النتائج ما زال بعيد المنال.

وقد بدا حتّى الآن أن المقارنة بين أجواء العام 1975 واليوم ليست منطقيّة. فكل الظروف الإقليمية والدولية اختلفت، حتّى وإن كان هناك بعض الجهات التي قد تصبّ أيُّ حرب أو فوضى في لبنان لمصلحتها، وعلى رأسها إسرائيل، التي يناسبها ربّما أن يهتزّ الوضع في لبنان، إذا لم تتمكّن الدولة من سحب السلاح، أو لم تنجح المفاوضات في التوصّل إلى اتّفاق قابل للتطبيق. لكن ، حتّى تلّ أبيب، تعطي “فرصة” للحكومة اللبنانية بضغط من واشنطن، في سبيل الإفساح في المجال أمام سير التفاوض الذي سيبدأ قريباً في الدخول في التفاصيل بعد جلستين تمهيديتين في واشنطن، وكانت الثانية برعاية الرئيس دونالد ترامب وحضوره شخصيّاً في البيت الأبيض. لذلك، ما زالت إسرائيل تمتنع عن استهداف العاصمة بيروت أو ضاحيتها الجنوبية، مع أنّها صعّدت عمليّاتها في اليومين الماضيين في الجنوب.

أمّا بالنسبة إلى “حزب الله”، الذي يهوّل بالحرب الأهلية، فهو في الواقع المتضرّر الأوّل من حرب كهذه، لأنّها ستسهم في إضعافه أكثر فأكثر، وستسحب من يده السيطرة، وتحوّله إلى فريق في مستنقع الفوضى. كما أنّ إيران نفسها لا تريد للحزب أن يتورّط في حرب داخلية قد تؤدّي في النهاية إلى قلب الأوراق رأساً على عقب.

أمّا الجهة الأساسية التي تعمل اليوم لمنع أيّ اقتتال داخلي، فهي المملكة السعودية التي استنفرت اتصالاتها بعدما شعرت بتهديد يطاول الحكومة اللبنانية ورئيسها. فوضعت خطّاً أحمر على هذا الاحتمال، بعد الزيارة التي قام بها لبيروت وزير الخارجية فيصل بن فرحان، حيث التقى طيفاً واسعاً من المسؤولين اللبنانيين، ومهّد للقاء بين رؤساء الجمهورية والمجلس والحكومة الأربعاء المقبل.

كما أنّ سوريا التي لم تبدِ أي تجاوب مع الضغوط لدخولها الحرب ضد “الحزب” انطلاقاً من البقاع، تحرص على البقاء على الحياد قدر الإمكان والحفاظ على القدر الممكن من الاستقرار، تمهيداً لإعادة إطلاق الاقتصاد السوري المنهار.

وعلى الصعيد الدولي، تعمل واشنطن على إرساء مسار من السلام بين لبنان وإسرائيل، باهتمام خاص من الرئيس ترامب الذي يدفع في اتّجاه التوصّل إلى اتّفاق وعقد لقاء في البيت الأبيض بين الرئيس جوزف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ولذا، فإنّ الإدارة الأميركية لن تسمح في الوقت الحاضر بزعزعة الاستقرار في الداخل اللبناني، وتركّز على إنجاح المفاوضات.

وعليه، فإنّ المرحلة الآن هي للتفاوض، مع كلّ ما تحمله من مخاطر وتحدّيات للحكومة ولرئيس الجمهورية. فلبنان يريد وقف العمليّات الإسرائيلية واستعادة الأرض. وإسرائيل تريد نزع السلاح بالكامل. وبين هذه المطالب وتلك طريق طويل من المطبّات والمفاجآت، وحرب في الأفق واحتلال قد لا ينتهي.

خاص- …هكذا تبدأ الحرب الأهلية!

الكاتب: ايلين زغيب عيسى
27 نيسان 2026

إذا كانت الحرب الأهليّة التي يخشاها الجميع ستشتعل، فإنّ الإشكال الذي جرى في منطقة ساقية الجنزير ثم الإشكال الآخر في اليوم عينه في منطقة الرويسات – الجديْدة كافيان لذلك. فحرب العام 1975 انطلقت شرارتها من حادثة بوسطة عين الرمّانة بين عناصر من الكتائب ومنظمة التحرير الفلسطينية. وإذا كانت الأرض مهيّأة للحرب، وكانت هناك أطراف إقليمية ودولية تسعّر النزاع، فإنّ حادثة واحدة تكون كفيلة بإشعال الفتيل.

فهل الأرض اللبنانية مهيّأة الآن، كما في سبعينات القرن الماضي، لاندلاع حرب بين اللبنانيين؟

قد يرى كثيرون أنّ الاحتقان بين الأطراف اللبنانيين من جهة و”حزب الله” من جهة أخرى قد بلغ حدوداً مرتفعة، بعد سنوات من الهيمنة التي مارسها “الحزب” واحتكاره للقرارات، وبعد ماضٍ مثقل بالاغتيالات وأعمال الاستقواء. وجاءت اليوم الحرب الإسرائيلية، بعد الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة، لتزيد الاحتقان الداخلي ضدّ “الحزب”، لما تسبّبت به قراراته وأعماله من خراب ودمار وحروب.

وهيّأت موجة النزوح الواسعة من المناطق الشيعية الجنوبية وإقامة النازحين في بيئات أخرى، من مسيحية وسنّية، الأرض لوقوع احتكاكات، تسبّب في بعضها الخوف من الاستهدافات على خلفية وجود عناصر حزبية بين النازحين، وهذا ما حصل في عملية عين سعادة، وقبلها ما حصل في القليعة وسواها.

ثمّ أتت الحادثتان في منطقة ساقية الجنزير السنّية، وفي حيّ العمّارية المسيحي الملاصق للرويسات الشيعية في الجديدة – المتن، ليبلغ الاحتقان الذروة. ففي هذين الحادثين استفزار مباشر للبيئتين السنّية والمسيحية، ما جعل الطرفين يرفعان الصوت ويستعدّان للمواجهة، لو لم تتمّ لملمة الموضوع، حتّى الساعة.

وأصبحت فزّاعة “الحرب الأهلية” هي الراية التي يرفعها “الحزب” لتخويف الدولة والأفرقاء الآخرين في مواجهة القرارات المتّخذة بنزع السلاح. وهذا التخويف هو الذي منع الحكومة حتّى الآن من تطبيق قرار سحب السلاح، وجعلَ الجيش يتردّد في التنفيذ أيضاً.

ولكن تبيّن بالوقائع أنّ كلّ محاولات “الحزب” الاستفزازية، بدءاً بالاحتجاجات ضدّ الحكومة والمطالبة بإسقاطها وصولاً إلى اليوم، لم تنفع في وقف القرارات المتعلّقة بسحب السلاح، إنّما تمكّنت من شلّ تطبيقها. ولم تنفع أيضاً في منع بدء مسار التفاوض المباشر مع إسرائيل، وإن كان التعويل على النتائج ما زال بعيد المنال.

وقد بدا حتّى الآن أن المقارنة بين أجواء العام 1975 واليوم ليست منطقيّة. فكل الظروف الإقليمية والدولية اختلفت، حتّى وإن كان هناك بعض الجهات التي قد تصبّ أيُّ حرب أو فوضى في لبنان لمصلحتها، وعلى رأسها إسرائيل، التي يناسبها ربّما أن يهتزّ الوضع في لبنان، إذا لم تتمكّن الدولة من سحب السلاح، أو لم تنجح المفاوضات في التوصّل إلى اتّفاق قابل للتطبيق. لكن ، حتّى تلّ أبيب، تعطي “فرصة” للحكومة اللبنانية بضغط من واشنطن، في سبيل الإفساح في المجال أمام سير التفاوض الذي سيبدأ قريباً في الدخول في التفاصيل بعد جلستين تمهيديتين في واشنطن، وكانت الثانية برعاية الرئيس دونالد ترامب وحضوره شخصيّاً في البيت الأبيض. لذلك، ما زالت إسرائيل تمتنع عن استهداف العاصمة بيروت أو ضاحيتها الجنوبية، مع أنّها صعّدت عمليّاتها في اليومين الماضيين في الجنوب.

أمّا بالنسبة إلى “حزب الله”، الذي يهوّل بالحرب الأهلية، فهو في الواقع المتضرّر الأوّل من حرب كهذه، لأنّها ستسهم في إضعافه أكثر فأكثر، وستسحب من يده السيطرة، وتحوّله إلى فريق في مستنقع الفوضى. كما أنّ إيران نفسها لا تريد للحزب أن يتورّط في حرب داخلية قد تؤدّي في النهاية إلى قلب الأوراق رأساً على عقب.

أمّا الجهة الأساسية التي تعمل اليوم لمنع أيّ اقتتال داخلي، فهي المملكة السعودية التي استنفرت اتصالاتها بعدما شعرت بتهديد يطاول الحكومة اللبنانية ورئيسها. فوضعت خطّاً أحمر على هذا الاحتمال، بعد الزيارة التي قام بها لبيروت وزير الخارجية فيصل بن فرحان، حيث التقى طيفاً واسعاً من المسؤولين اللبنانيين، ومهّد للقاء بين رؤساء الجمهورية والمجلس والحكومة الأربعاء المقبل.

كما أنّ سوريا التي لم تبدِ أي تجاوب مع الضغوط لدخولها الحرب ضد “الحزب” انطلاقاً من البقاع، تحرص على البقاء على الحياد قدر الإمكان والحفاظ على القدر الممكن من الاستقرار، تمهيداً لإعادة إطلاق الاقتصاد السوري المنهار.

وعلى الصعيد الدولي، تعمل واشنطن على إرساء مسار من السلام بين لبنان وإسرائيل، باهتمام خاص من الرئيس ترامب الذي يدفع في اتّجاه التوصّل إلى اتّفاق وعقد لقاء في البيت الأبيض بين الرئيس جوزف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ولذا، فإنّ الإدارة الأميركية لن تسمح في الوقت الحاضر بزعزعة الاستقرار في الداخل اللبناني، وتركّز على إنجاح المفاوضات.

وعليه، فإنّ المرحلة الآن هي للتفاوض، مع كلّ ما تحمله من مخاطر وتحدّيات للحكومة ولرئيس الجمهورية. فلبنان يريد وقف العمليّات الإسرائيلية واستعادة الأرض. وإسرائيل تريد نزع السلاح بالكامل. وبين هذه المطالب وتلك طريق طويل من المطبّات والمفاجآت، وحرب في الأفق واحتلال قد لا ينتهي.

مزيد من الأخبار