مفتاح “الطائف” هو إنهاء السلاح

الكاتب: سامر زريق | المصدر: نداء الوطن
28 نيسان 2026

من الملاحظ أنه ثمة بعض الحملات الناعمة التي انطلقت بالتزامن مع زيارة الأمير يزيد بن فرحان إلى بيروت، وعملت على استثمار المناخ المشحون أساسًا في هذه المرحلة الحسّاسة من تاريخ البلاد، من أجل بث تأويلات وتسريبات عن مخرجات الزيارة تتسم بالكثير من المبالغة والافتعال العاري من أي سياق جديّ. من جملة هذه التسريبات المفخخة كان ترويج أن من أهداف الزيارة الرئيسية كبح اندفاعة رئيس الجمهورية في المفاوضات مع إسرائيل، وإعادة ربط لبنان بالإجماع العربي.

هذه الأجواء التي عملت على ضخها أطراف لبنانية ثقيلة الوزن، بالإضافة إلى الآلة الإعلامية الممانعة، أسهمت في دهن زيت على خبز تسريبات من خارج الحدود، راحت تضرم المخاوف من نشوء تحالف إسلامي جديد يريد نسف المفاوضات. واستندت إلى الاحتفاء “المباغت” من “حزب اللّه” بالأمير يزيد، ومواقف الرئيس برّي، للإيحاء بأن المملكة في صدد دعم تسوية تميز فيها حلفاء “الحزب” ومحور الممانعة على حساب قيامة الدولة.

كل هذه الحملات التقت حول عنوان “الطائف” إنما بسياقات شديدة التعارض. فيما الأصل أن المطالبة بتطبيق “الطائف” بحذافيره، والذي كان العنصر الرئيس في زيارة الأمير يزيد، أوّل ما يعنيه هو إنهاء زمن السلاح، لكونه المدخل الأساسي لتحرير قرار الدولة، ومفتاح تطبيق بنود الاتفاق، وإصلاح ما اعوجّ تطبيقه في الحقبة السالفة.

والسياسة السعودية ثابتة في هذا الإطار، وسبق أن أرست معادلة واضحة خلال السنوات الماضية بأنه لا دعم بلا إصلاحات، ولا إصلاحات تحت ظلال السلاح، بما ينسجم مع الدور السعودي التاريخي في لبنان الذي كان دومًا داعمًا للاستقرار والشرعية، ومن رحم هذا الدور ولدت لحظة “الطائف”.

والحال أن المملكة تعمل على توظيف حاجة إيران إليها في المحنة الوجودية التي يكابدها نظامها من أجل تثبيت فصل المسارين اللبناني – الإيراني، وتدعيم حضور الدولة عبر سياسة احتواء متدرّجة لحلفاء “الحزب”، الذين كان يتدثر بهم لحماية سلاحه وتوسيع هيمنته. وضمن هذا المسار، يندرج التعاون مع الرئيس نبيه بري لضبط إيقاع الساحة الداخلية، الوطنية والشيعية.

أمّا القول بأن السعودية تريد إفشال المفاوضات من خلال ربطها بإجماع عربي مفقود فلا سند له ويتناقض مع الوقائع، حيث يرتكز صناع القرار في لبنان على دعم المملكة لتقوية موقف الدولة على طاولة المفاوضات. فهي من عملت على تذليل العقبات التي نشأت بين الحربين، وتغيير الصورة السلبية في واشنطن إزاء السلطة في لبنان، ما أفضى إلى إعادة ترتيب زيارة لقائد الجيش.

عمليًا، أتت زيارة الأمير يزيد لتترجم المحادثات السعودية – الإيرانية الأخيرة، حيث تعمل المملكة على تحصين الاستقرار الداخلي، ومنع حصول أيّ انقلاب أو فوضى، ودعم المفاوضات التي تخوضها الدولة، إنما عبر استراتيجية متدرّجة على طريقة المستشار النمساوي الشهير مترنيخ في ترويض نابليون وطموحاته “السياسة تشبه تمثيلية ذات فصول متعدّدة لا يمكن إيقاف تسلسلها بعد أن يرفع الستار، إذ يستحيل القول بعد ذلك بأن العرض لن يتمّ”.

في حين يعقّب هنري كسينجر على مقولة مترنيخ بأن “الفنان الأصيل حينما يكون في وضع لا يمكنه كشف خطته الموجهة كاملة، فإنه يقاوم بعناد أولئك الذين يريدونه أن يتعجّل”. وفي حالتنا الستار رفع، والمشروعية الجماهيرية موجودة وتتعزز، لكن الخطة لم تكشف كاملة بعد، حيث ثمة مقاومة جوهرية للحؤول دون حرق المراحل لحسابات متداخلة إقليمية ودولية قد تفضي إلى نتائج سلبية.

غاية الأمر أن السعودية تدعم التوصّل إلى اتفاق متين يقود في نهاية المطاف إلى خروج لبنان من دائرة الصراع، وإلى انسحاب إسرائيلي يحفظ السيادة اللبنانية، لتكون هذه الحرب هي الأخيرة، بما يعبّد الطريق أمام التعافي الاقتصادي المنشود. المؤشر الأوضح على دعم المملكة المفاوضات التي تخوضها الدولة يتمثل في موقف المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى، وموقف مفتي الجمهورية في جمعية المقاصد الإسلامية… “وإذا وُجِدَ الماء بطُل التيمّم”.

مفتاح “الطائف” هو إنهاء السلاح

الكاتب: سامر زريق | المصدر: نداء الوطن
28 نيسان 2026

من الملاحظ أنه ثمة بعض الحملات الناعمة التي انطلقت بالتزامن مع زيارة الأمير يزيد بن فرحان إلى بيروت، وعملت على استثمار المناخ المشحون أساسًا في هذه المرحلة الحسّاسة من تاريخ البلاد، من أجل بث تأويلات وتسريبات عن مخرجات الزيارة تتسم بالكثير من المبالغة والافتعال العاري من أي سياق جديّ. من جملة هذه التسريبات المفخخة كان ترويج أن من أهداف الزيارة الرئيسية كبح اندفاعة رئيس الجمهورية في المفاوضات مع إسرائيل، وإعادة ربط لبنان بالإجماع العربي.

هذه الأجواء التي عملت على ضخها أطراف لبنانية ثقيلة الوزن، بالإضافة إلى الآلة الإعلامية الممانعة، أسهمت في دهن زيت على خبز تسريبات من خارج الحدود، راحت تضرم المخاوف من نشوء تحالف إسلامي جديد يريد نسف المفاوضات. واستندت إلى الاحتفاء “المباغت” من “حزب اللّه” بالأمير يزيد، ومواقف الرئيس برّي، للإيحاء بأن المملكة في صدد دعم تسوية تميز فيها حلفاء “الحزب” ومحور الممانعة على حساب قيامة الدولة.

كل هذه الحملات التقت حول عنوان “الطائف” إنما بسياقات شديدة التعارض. فيما الأصل أن المطالبة بتطبيق “الطائف” بحذافيره، والذي كان العنصر الرئيس في زيارة الأمير يزيد، أوّل ما يعنيه هو إنهاء زمن السلاح، لكونه المدخل الأساسي لتحرير قرار الدولة، ومفتاح تطبيق بنود الاتفاق، وإصلاح ما اعوجّ تطبيقه في الحقبة السالفة.

والسياسة السعودية ثابتة في هذا الإطار، وسبق أن أرست معادلة واضحة خلال السنوات الماضية بأنه لا دعم بلا إصلاحات، ولا إصلاحات تحت ظلال السلاح، بما ينسجم مع الدور السعودي التاريخي في لبنان الذي كان دومًا داعمًا للاستقرار والشرعية، ومن رحم هذا الدور ولدت لحظة “الطائف”.

والحال أن المملكة تعمل على توظيف حاجة إيران إليها في المحنة الوجودية التي يكابدها نظامها من أجل تثبيت فصل المسارين اللبناني – الإيراني، وتدعيم حضور الدولة عبر سياسة احتواء متدرّجة لحلفاء “الحزب”، الذين كان يتدثر بهم لحماية سلاحه وتوسيع هيمنته. وضمن هذا المسار، يندرج التعاون مع الرئيس نبيه بري لضبط إيقاع الساحة الداخلية، الوطنية والشيعية.

أمّا القول بأن السعودية تريد إفشال المفاوضات من خلال ربطها بإجماع عربي مفقود فلا سند له ويتناقض مع الوقائع، حيث يرتكز صناع القرار في لبنان على دعم المملكة لتقوية موقف الدولة على طاولة المفاوضات. فهي من عملت على تذليل العقبات التي نشأت بين الحربين، وتغيير الصورة السلبية في واشنطن إزاء السلطة في لبنان، ما أفضى إلى إعادة ترتيب زيارة لقائد الجيش.

عمليًا، أتت زيارة الأمير يزيد لتترجم المحادثات السعودية – الإيرانية الأخيرة، حيث تعمل المملكة على تحصين الاستقرار الداخلي، ومنع حصول أيّ انقلاب أو فوضى، ودعم المفاوضات التي تخوضها الدولة، إنما عبر استراتيجية متدرّجة على طريقة المستشار النمساوي الشهير مترنيخ في ترويض نابليون وطموحاته “السياسة تشبه تمثيلية ذات فصول متعدّدة لا يمكن إيقاف تسلسلها بعد أن يرفع الستار، إذ يستحيل القول بعد ذلك بأن العرض لن يتمّ”.

في حين يعقّب هنري كسينجر على مقولة مترنيخ بأن “الفنان الأصيل حينما يكون في وضع لا يمكنه كشف خطته الموجهة كاملة، فإنه يقاوم بعناد أولئك الذين يريدونه أن يتعجّل”. وفي حالتنا الستار رفع، والمشروعية الجماهيرية موجودة وتتعزز، لكن الخطة لم تكشف كاملة بعد، حيث ثمة مقاومة جوهرية للحؤول دون حرق المراحل لحسابات متداخلة إقليمية ودولية قد تفضي إلى نتائج سلبية.

غاية الأمر أن السعودية تدعم التوصّل إلى اتفاق متين يقود في نهاية المطاف إلى خروج لبنان من دائرة الصراع، وإلى انسحاب إسرائيلي يحفظ السيادة اللبنانية، لتكون هذه الحرب هي الأخيرة، بما يعبّد الطريق أمام التعافي الاقتصادي المنشود. المؤشر الأوضح على دعم المملكة المفاوضات التي تخوضها الدولة يتمثل في موقف المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى، وموقف مفتي الجمهورية في جمعية المقاصد الإسلامية… “وإذا وُجِدَ الماء بطُل التيمّم”.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار