خراب وأضرار والأهالي صامدون رغم التحدّيات.. إبل السقي بلدة جريحة

إبل السقي
الكاتب: روجيه نهرا | المصدر: نداء الوطن
28 نيسان 2026

يدفع أهالي بلدة إبل السقي فاتورة حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، فُرضت عليهم فالموقع الجغرافي للبلدة، وهي جارة الخيام المنكوبة جعلها في قلب تداعيات المواجهات الأخيرة التي وقعت على أطرافها الشمالية المقابلة لبلدة الخيام.

وقد دفعت البلدة ثمنًا باهظًا لهذه الحرب، فقد تعرّضت الممتلكات الخاصة، ولا سيّما الأبنية السكنية، لأضرار جسيمة، كما تضرّرت البنى التحتية، فيما كانت الخسارة الأبرز في القطاع الزراعي، الذي يشكّل العمود الفقري للاقتصاد المحلّي، ولا سيّما زراعة الزيتون إذ باتت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، تُقدّر بالآلاف من الدونمات، خارج متناول أصحابها بسبب استمرار الوجود الإسرائيلي فيها.

في إبل السقي، لا تختصر المعاناة بالأرقام، بل تتجسّد في يوميّات أهالٍ وجدوا أنفسهم فجأة أمام واقع قاسٍ فرضته حرب لم يختاروها، لكنها غيّرت ملامح حياتهم بشكل جذريّ.

ولا يقتصر المشهد على الخسائر الماديّة، بل يتعدّاه إلى حالة من القلق وعدم الاستقرار، في ظلّ استمرار المخاوف الأمنية في بعض المناطق، الأمر الذي يعرقل عودة الحياة إلى طبيعتها ويؤخّر جهود إعادة الإعمار.

ورغم قساوة الواقع، يواصل الأهالي تمسّكهم بأرضهم، في صورة تعكس إرادة صلبة وصمودًا لافتًا، مدعومين بمبادرات فردية ومساهمات من المغتربين وبعض الجهات الداعمة، في محاولة للتخفيف من وطأة الأزمة وإعادة نبض الحياة إلى البلدة.

مختار البلدة 

يقول مختار إبل السقي سليمان غبار: “مش عارفين على أي مخدة بدنا ننام”، في ظلّ الغموض الذي يحيط بمصير المنطقة. لكنه أكّد خلال جولة لنا في البلدة، تمسّكه بالأرض والبقاء وعدم المغادرة حفاظًا على بلدته وأهله.

ولفت إلى أن الأهالي يعيشون حالة من القلق وعدم الاستقرار، ناقلاً وجع الناس بصراحة مؤلمة تختصر سنوات طويلة من المعاناة التي عاشها أبناء البلدة بين حربٍ وأخرى، وبين تهجيرٍ وعودة، وكأن القدر يكرّر المشهد ذاته في كلّ مرة.

وقال: “أهالي البلدة شبعوا حروبًا”، بعد أن تهجّروا عام 1976 حيث دُمّرت البلدة بشكل شبه كامل، ثم عادوا ليُهجّروا مجدّدًا خلال حرب تموز 2006، ولم تكد تمرّ سنوات حتى عاد شبح النزوح ليلاحقهم من جديد خلال الأحداث الأخيرة.

وأضاف أن إقفال البيوت ومغادرتها لم يعد مجرّد إجراء احترازي، بل تحوّل إلى لحظة خوف حقيقية، حيث يخرج الناس من منازلهم من دون أن يعرفوا إن كانوا سيعودون إليها قريبًا أم بعد زمن طويل، أو حتى إن كانت ستبقى قائمة.

وشدّد غبار على أن إبل السقي ستبقى نموذجًا في المنطقة، بما تتمتع به من محبة وألفة بين أبنائها، وبفضل الجهود التي تقوم بها البلدية للحفاظ على صمودها رغم كلّ الظروف.

ورسم صورة ميدانية صعبة للوضع في البلدة، مشيرًا إلى أنها تُعتبر “حيًّا من أحياء بلدة الخيام”، نظرًا لقربها الجغرافي، إذ لا يفصلها عنها سوى نحو كيلومتر واحد يُعدّ اليوم “خط نار”.

وأوضح أن غالبية المنازل المواجهة للخيام في الحارة الشمالية للبلدة قد أُخليت، حيث اضطرّ عدد كبير من الأهالي إلى ترك بيوتهم، فيما بقي قسم آخر في البلدة رغم المخاطر، لافتًا إلى تسجيل أضرار واسعة في الممتلكات.

وأضاف أن أبناء البلدة يعيشون حالة حصار فعليّ، فهم “محاصرون من جميع الجهات”، ما يمنعهم من التوجّه إلى أراضيهم أو متابعة أعمالهم الزراعية، مطالبًا الدولة اللبنانية بالتدخل العاجل لمساعدتهم، سواء عبر تأمين الحماية أو تقديم الدعم اللازم.

وأعلن أن مناطق عدّة في إبل السقي أصبحت شبه مهجورة زراعيًا، من بينها “حي الجزيرة”، “بستان محمد”، و “المنطقة الشمالية”، إضافة إلى الأراضي المحيطة بالنبع، وكذلك منطقة الدبين، حيث يتعذّر الوصول إليها أو العمل فيها.

وختم بالدعوة إلى تحرّك سريع لدعم الأهالي، سواء عبر التعويضات أو تأمين سبل العودة الآمنة إلى أراضيهم، لأن استمرار هذا الواقع يعني خسارة موسم كامل ومصدر عيش أساسي لعدد كبير من العائلات.

من جهته، قال الشيخ صلاح غبار، صاحب منزل احترق بفعل القصف الإسرائيلي، إن وضع البلدة صعب للغاية، وإن الأهالي أمام حاجات أساسية ملحّة لا يمكن تأجيلها. وأضاف: “منزل العائلة احترق بالكامل، ونحن غير قادرين على ترميمه. نحن أمام واقع قاسٍ: خسائر زراعية، بنية تحتية تضرّرت كثيرًا، وانقطاع في سبل العيش. الحرب لم تترك جانبًا إلّا وأصابته، وكانت الخسارة شاملة على كل المستويات”.

بدوره، اعتبر رفعت الأشقر، صاحب محل تجاري في إبل السقي، أن خسائره لا تُعوّض من جرّاء حرب لا صلة له فيها، واصفًا إيّاها بـ “حرب الآخرين”، مشيرًا إلى أن آثار الدمار لا تزال واضحة في مختلف أحياء البلدة، مع تضرّر عشرات المنازل بين دمار جزئي وكلي، ما حال دون عودة عدد كبير من الأهالي إلى بيوتهم بشكل طبيعي، وأدّى إلى توقف العجلة الاقتصادية وشلل في حركة البيع والشراء.

وأضاف الأشقر أن القطاع الزراعي تلقى ضربة قاسية، حيث تضرّرت مساحات واسعة من الأراضي، وبات الوصول إلى بعضها متعذرًا، ما أدّى إلى خسائر كبيرة في مواسم أساسية، لا سيّما الزيتون الذي يشكّل مصدر رزق رئيسيًا لأبناء البلدة.

رئيس البلدية

من جهته، أشار رئيس البلدية جورج رحّال إلى أن إبل السقي، “القرية النموذجية”، تعرّضت منذ أكثر من خمسين عامًا لسلسلة من الحروب المتتالية. وقال إنّ البلدة استفاقت اليوم على تدمير ستة منازل بالكامل، واحتراق خمسة منازل، وتضرّر نحو عشرين منزلا.

أما في القطاع الزراعي، فأوضح أنّه أصيب بنكسة كبيرة، حيث تضرّر نحو أربعمئة هكتار من الأشجار المثمرة والحمضيات والأفوكادو، إضافة إلى ثماني مزارع دجاج، ومزرعة للخنازير، وقطاع تربية النحل، وعدد من الخيم الزراعية الحديثة التي تُقدّر كلفة إنتاجها بآلاف الدولارات، والتي أصبحت اليوم في المجهول، ما أدّى إلى خسارة مصدر رزق تعيش منه عائلات البلدة.

وختم قائلاً: “إذا بقي الوضع على حاله، ومُنع الأهالي من الوصول إلى ممتلكاتهم وأرزاقهم، فإن الحياة ستكون صعبة، بل مستحيلة، بسبب فقدان المصدر الرئيسي للرزق لعدد كبير من العائلات التي تعتاش من العمل في القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني”.

خراب وأضرار والأهالي صامدون رغم التحدّيات.. إبل السقي بلدة جريحة

إبل السقي
الكاتب: روجيه نهرا | المصدر: نداء الوطن
28 نيسان 2026

يدفع أهالي بلدة إبل السقي فاتورة حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، فُرضت عليهم فالموقع الجغرافي للبلدة، وهي جارة الخيام المنكوبة جعلها في قلب تداعيات المواجهات الأخيرة التي وقعت على أطرافها الشمالية المقابلة لبلدة الخيام.

وقد دفعت البلدة ثمنًا باهظًا لهذه الحرب، فقد تعرّضت الممتلكات الخاصة، ولا سيّما الأبنية السكنية، لأضرار جسيمة، كما تضرّرت البنى التحتية، فيما كانت الخسارة الأبرز في القطاع الزراعي، الذي يشكّل العمود الفقري للاقتصاد المحلّي، ولا سيّما زراعة الزيتون إذ باتت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، تُقدّر بالآلاف من الدونمات، خارج متناول أصحابها بسبب استمرار الوجود الإسرائيلي فيها.

في إبل السقي، لا تختصر المعاناة بالأرقام، بل تتجسّد في يوميّات أهالٍ وجدوا أنفسهم فجأة أمام واقع قاسٍ فرضته حرب لم يختاروها، لكنها غيّرت ملامح حياتهم بشكل جذريّ.

ولا يقتصر المشهد على الخسائر الماديّة، بل يتعدّاه إلى حالة من القلق وعدم الاستقرار، في ظلّ استمرار المخاوف الأمنية في بعض المناطق، الأمر الذي يعرقل عودة الحياة إلى طبيعتها ويؤخّر جهود إعادة الإعمار.

ورغم قساوة الواقع، يواصل الأهالي تمسّكهم بأرضهم، في صورة تعكس إرادة صلبة وصمودًا لافتًا، مدعومين بمبادرات فردية ومساهمات من المغتربين وبعض الجهات الداعمة، في محاولة للتخفيف من وطأة الأزمة وإعادة نبض الحياة إلى البلدة.

مختار البلدة 

يقول مختار إبل السقي سليمان غبار: “مش عارفين على أي مخدة بدنا ننام”، في ظلّ الغموض الذي يحيط بمصير المنطقة. لكنه أكّد خلال جولة لنا في البلدة، تمسّكه بالأرض والبقاء وعدم المغادرة حفاظًا على بلدته وأهله.

ولفت إلى أن الأهالي يعيشون حالة من القلق وعدم الاستقرار، ناقلاً وجع الناس بصراحة مؤلمة تختصر سنوات طويلة من المعاناة التي عاشها أبناء البلدة بين حربٍ وأخرى، وبين تهجيرٍ وعودة، وكأن القدر يكرّر المشهد ذاته في كلّ مرة.

وقال: “أهالي البلدة شبعوا حروبًا”، بعد أن تهجّروا عام 1976 حيث دُمّرت البلدة بشكل شبه كامل، ثم عادوا ليُهجّروا مجدّدًا خلال حرب تموز 2006، ولم تكد تمرّ سنوات حتى عاد شبح النزوح ليلاحقهم من جديد خلال الأحداث الأخيرة.

وأضاف أن إقفال البيوت ومغادرتها لم يعد مجرّد إجراء احترازي، بل تحوّل إلى لحظة خوف حقيقية، حيث يخرج الناس من منازلهم من دون أن يعرفوا إن كانوا سيعودون إليها قريبًا أم بعد زمن طويل، أو حتى إن كانت ستبقى قائمة.

وشدّد غبار على أن إبل السقي ستبقى نموذجًا في المنطقة، بما تتمتع به من محبة وألفة بين أبنائها، وبفضل الجهود التي تقوم بها البلدية للحفاظ على صمودها رغم كلّ الظروف.

ورسم صورة ميدانية صعبة للوضع في البلدة، مشيرًا إلى أنها تُعتبر “حيًّا من أحياء بلدة الخيام”، نظرًا لقربها الجغرافي، إذ لا يفصلها عنها سوى نحو كيلومتر واحد يُعدّ اليوم “خط نار”.

وأوضح أن غالبية المنازل المواجهة للخيام في الحارة الشمالية للبلدة قد أُخليت، حيث اضطرّ عدد كبير من الأهالي إلى ترك بيوتهم، فيما بقي قسم آخر في البلدة رغم المخاطر، لافتًا إلى تسجيل أضرار واسعة في الممتلكات.

وأضاف أن أبناء البلدة يعيشون حالة حصار فعليّ، فهم “محاصرون من جميع الجهات”، ما يمنعهم من التوجّه إلى أراضيهم أو متابعة أعمالهم الزراعية، مطالبًا الدولة اللبنانية بالتدخل العاجل لمساعدتهم، سواء عبر تأمين الحماية أو تقديم الدعم اللازم.

وأعلن أن مناطق عدّة في إبل السقي أصبحت شبه مهجورة زراعيًا، من بينها “حي الجزيرة”، “بستان محمد”، و “المنطقة الشمالية”، إضافة إلى الأراضي المحيطة بالنبع، وكذلك منطقة الدبين، حيث يتعذّر الوصول إليها أو العمل فيها.

وختم بالدعوة إلى تحرّك سريع لدعم الأهالي، سواء عبر التعويضات أو تأمين سبل العودة الآمنة إلى أراضيهم، لأن استمرار هذا الواقع يعني خسارة موسم كامل ومصدر عيش أساسي لعدد كبير من العائلات.

من جهته، قال الشيخ صلاح غبار، صاحب منزل احترق بفعل القصف الإسرائيلي، إن وضع البلدة صعب للغاية، وإن الأهالي أمام حاجات أساسية ملحّة لا يمكن تأجيلها. وأضاف: “منزل العائلة احترق بالكامل، ونحن غير قادرين على ترميمه. نحن أمام واقع قاسٍ: خسائر زراعية، بنية تحتية تضرّرت كثيرًا، وانقطاع في سبل العيش. الحرب لم تترك جانبًا إلّا وأصابته، وكانت الخسارة شاملة على كل المستويات”.

بدوره، اعتبر رفعت الأشقر، صاحب محل تجاري في إبل السقي، أن خسائره لا تُعوّض من جرّاء حرب لا صلة له فيها، واصفًا إيّاها بـ “حرب الآخرين”، مشيرًا إلى أن آثار الدمار لا تزال واضحة في مختلف أحياء البلدة، مع تضرّر عشرات المنازل بين دمار جزئي وكلي، ما حال دون عودة عدد كبير من الأهالي إلى بيوتهم بشكل طبيعي، وأدّى إلى توقف العجلة الاقتصادية وشلل في حركة البيع والشراء.

وأضاف الأشقر أن القطاع الزراعي تلقى ضربة قاسية، حيث تضرّرت مساحات واسعة من الأراضي، وبات الوصول إلى بعضها متعذرًا، ما أدّى إلى خسائر كبيرة في مواسم أساسية، لا سيّما الزيتون الذي يشكّل مصدر رزق رئيسيًا لأبناء البلدة.

رئيس البلدية

من جهته، أشار رئيس البلدية جورج رحّال إلى أن إبل السقي، “القرية النموذجية”، تعرّضت منذ أكثر من خمسين عامًا لسلسلة من الحروب المتتالية. وقال إنّ البلدة استفاقت اليوم على تدمير ستة منازل بالكامل، واحتراق خمسة منازل، وتضرّر نحو عشرين منزلا.

أما في القطاع الزراعي، فأوضح أنّه أصيب بنكسة كبيرة، حيث تضرّر نحو أربعمئة هكتار من الأشجار المثمرة والحمضيات والأفوكادو، إضافة إلى ثماني مزارع دجاج، ومزرعة للخنازير، وقطاع تربية النحل، وعدد من الخيم الزراعية الحديثة التي تُقدّر كلفة إنتاجها بآلاف الدولارات، والتي أصبحت اليوم في المجهول، ما أدّى إلى خسارة مصدر رزق تعيش منه عائلات البلدة.

وختم قائلاً: “إذا بقي الوضع على حاله، ومُنع الأهالي من الوصول إلى ممتلكاتهم وأرزاقهم، فإن الحياة ستكون صعبة، بل مستحيلة، بسبب فقدان المصدر الرئيسي للرزق لعدد كبير من العائلات التي تعتاش من العمل في القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني”.

مزيد من الأخبار