خاص: الرئيس عون ومأزق التفاوض!

لا يمكن الوثوق بالأميركيين كما لا يمكن الخروج من دائرة ضغوطهم. ربّما هذا هو لسان حال الدول التي تتعامل مع الولايات المتّحدة، سواء تلك الحليفة لها أو التي هي على خصام معها. وفي عهد الرئيس دونالد ترامب، تصبح هذه المقولة أكثر دقّة من أيّ وقت مضى.
فإذا راجعنا ما وعد به ترامب وما تكلّم عليه منذ بدء ولايته حتّى الآن، لوجدنا الكثير من الكلام والقليل من الأفعال، بدءاً من أوكرانيا التي توعّدها وهدّدها بالسيطرة على معادنها النادرة ما لم تعقد صلحاً مع روسيا، فيما لا تزال الحرب مستمرّة، مروراً بالقرارات الجمركية التي تراجع عنها مراراً، وصولاً إلى الموضوع الإيراني الذي بات الآن يبحث عن طريقة للانسحاب منه. وقد نستثني الملف الفنزويللي الذي نجح ببساطة لأسباب كثيرة.
واليوم، ليس مؤكداً أنّ ترامب يريد الاستمرار في الحرب على إيران. فقد تراجع ولو تكتيكياً عن تهديداته التي بدأت بـ “محو الحضارة الإيرانية“، وانتهت حتّى دون الحصول على أيّ تنازل نووي على الأقلّ. ومن يدري ربّما يتراجع عن قرار الحصار البحري إذا رأى ضرورة لفتح مضيق هرمز. فالدول الكبرى لا تحسب الخسارة والربح بالمقياس ذاته الذي تراه الدول الأخرى الواقعة في قلب النزاعات. فحسابات واشنطن قد ترى أن الضربات التي شُنّت على إيران أدّت إلى تأخير البرنامج النووي لسنوات، وهذا يُعتبر كافياً في الوقت الراهن، إذ لا تريد الولايات المتّحدة دفع أثمان باهظة والخوض في حرب برّية وتهديد أوضاع دول الخليج وأسعار النفط من أجل إطاحة النظام، بل قد يكون لديها الوقت الكافي لتحقيق مزيد من الأهداف. فالحرب ليست معركة واحدة، إنّما مجموعة معارك طويلة الأمد.
بالنسبة إلى لبنان، مارست واشنطن أقصى الضغوط على الرئيس جوزف عون، بالتوازي مع الغارات الإسرائيلية المجنونة على العاصمة ومناطق أخرى في ما عرف بـ “الأربعاء الأسود” في 8 نيسان، كي يعلن رئيس الجمهورية عن التفاوض المباشر مع إسرائيل عبر السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوّض، ثمّ تُعقد جلستان في هذا الإطار: الأولى في وزارة الخارجية الأميركية، والثانية في البيت الأبيض بحضور الرئيس ترامب.
وذهب الرئيس عون بعيداً حين أعلن تحت وطأة الضغط الأميركي الاستعداد للذهاب إلى أي مكان في العالم من أجل خلاص لبنان، في إشارة فُهمت في حينه لدى البعض على أنها استعداد ربّما للقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ولكن الرئيس عون حافظ على حذره، رافضاً التحدّث عبر الهاتف في اتّصال هاتفي ثلاثي مع ترامب ونتنياهو، خصوصاً بعد التشاور مع أركان الحكم. كما أعلن الاستعداد لزيارة واشنطن، وأنّه في انتظار “تحديد موعد من قبل الولايات المتحدة لبدء المفاوضات“. وشدّد على أن “الملف اللبناني بات اليوم على طاولة الرئيس الأميركي، وهذه فرصة للاستفادة منها والعبور ببلدنا الى شاطئ الأمان والسلام“.
وداخليّاً، سحب رئيس المجلس نبيه برّي يده من كلّ التنسيق السابق مع رئيس الجمهورية، لا بل ردّ عليه بأنّ كلامه على موافقة برّي على المسار التفاوضي والاتفاقات التي طُرحت سابقاً، وتحديداً في العام 2024، غير دقيق، “إن لم نقُل غير ذلك“. واقترن هذا الكلام بتأجيل اللقاء الثلاثي الذي كان مزمعاً عقده في قصر بعبدا، لأنّ برّي لا يريد تغطية مسار التفاوض المباشر، بعد ضغط تعرّض له من جانب “حزب الله“.
وفي المقابل، بدا رئيس الوزراء الإسرائيلي بدوره غير متحمّس للمفاوضات مع لبنان، على أساس أنّه يعتبر أنّها لن تؤدّي عمليّاً إلى سحب سلاح “الحزب” لاقتناعه بعدم قدرة الجيش اللبناني على القيام بذلك. وهو يكتفي الآن باتّفاق أمني، يتيح له البقاء جنوب “الخطّ الأصفر” الذي أنشأه، والاستمرار في مهاجمة أهداف تابعة للحزب،عندما يرى أن هناك تهديداً لبلاده.
وبما أنّ حسم الملفّ الإيراني دخل في لعبة الوقت، فإن الملفّ اللبناني أيضاً بالنسبة إلى إسرائيل سيأخذ وقتاً طويلاً. وباتت تلّ أبيب تدرك أنّ نزع سلاح “الحزب” على كلّ الأراضي اللبنانية مهمّة غير واقعية، ما لم تقترن بسقوط النظام الإيراني، وهو الأمر الذي لم يحدث حتى الآن.
لذا، فإنّ عمليّة التفاوض بحدّ ذاتها، التي تحمَّس لها ترامب، لن تؤدّي النتائج التي تريدها إسرائيل، كما النتائج التي يبتغيها لبنان أي انسحاب القوّات الإسرائيلية من المناطق التي احتلّتها. وإذا ما تمّ التوصّل إلى اتّفاق، فمن المرجّح أن يبقى حبراً على ورق في ظلّ التوازنات الحالية التي ما زالت قائمة.
خاص: الرئيس عون ومأزق التفاوض!

لا يمكن الوثوق بالأميركيين كما لا يمكن الخروج من دائرة ضغوطهم. ربّما هذا هو لسان حال الدول التي تتعامل مع الولايات المتّحدة، سواء تلك الحليفة لها أو التي هي على خصام معها. وفي عهد الرئيس دونالد ترامب، تصبح هذه المقولة أكثر دقّة من أيّ وقت مضى.
فإذا راجعنا ما وعد به ترامب وما تكلّم عليه منذ بدء ولايته حتّى الآن، لوجدنا الكثير من الكلام والقليل من الأفعال، بدءاً من أوكرانيا التي توعّدها وهدّدها بالسيطرة على معادنها النادرة ما لم تعقد صلحاً مع روسيا، فيما لا تزال الحرب مستمرّة، مروراً بالقرارات الجمركية التي تراجع عنها مراراً، وصولاً إلى الموضوع الإيراني الذي بات الآن يبحث عن طريقة للانسحاب منه. وقد نستثني الملف الفنزويللي الذي نجح ببساطة لأسباب كثيرة.
واليوم، ليس مؤكداً أنّ ترامب يريد الاستمرار في الحرب على إيران. فقد تراجع ولو تكتيكياً عن تهديداته التي بدأت بـ “محو الحضارة الإيرانية“، وانتهت حتّى دون الحصول على أيّ تنازل نووي على الأقلّ. ومن يدري ربّما يتراجع عن قرار الحصار البحري إذا رأى ضرورة لفتح مضيق هرمز. فالدول الكبرى لا تحسب الخسارة والربح بالمقياس ذاته الذي تراه الدول الأخرى الواقعة في قلب النزاعات. فحسابات واشنطن قد ترى أن الضربات التي شُنّت على إيران أدّت إلى تأخير البرنامج النووي لسنوات، وهذا يُعتبر كافياً في الوقت الراهن، إذ لا تريد الولايات المتّحدة دفع أثمان باهظة والخوض في حرب برّية وتهديد أوضاع دول الخليج وأسعار النفط من أجل إطاحة النظام، بل قد يكون لديها الوقت الكافي لتحقيق مزيد من الأهداف. فالحرب ليست معركة واحدة، إنّما مجموعة معارك طويلة الأمد.
بالنسبة إلى لبنان، مارست واشنطن أقصى الضغوط على الرئيس جوزف عون، بالتوازي مع الغارات الإسرائيلية المجنونة على العاصمة ومناطق أخرى في ما عرف بـ “الأربعاء الأسود” في 8 نيسان، كي يعلن رئيس الجمهورية عن التفاوض المباشر مع إسرائيل عبر السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوّض، ثمّ تُعقد جلستان في هذا الإطار: الأولى في وزارة الخارجية الأميركية، والثانية في البيت الأبيض بحضور الرئيس ترامب.
وذهب الرئيس عون بعيداً حين أعلن تحت وطأة الضغط الأميركي الاستعداد للذهاب إلى أي مكان في العالم من أجل خلاص لبنان، في إشارة فُهمت في حينه لدى البعض على أنها استعداد ربّما للقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ولكن الرئيس عون حافظ على حذره، رافضاً التحدّث عبر الهاتف في اتّصال هاتفي ثلاثي مع ترامب ونتنياهو، خصوصاً بعد التشاور مع أركان الحكم. كما أعلن الاستعداد لزيارة واشنطن، وأنّه في انتظار “تحديد موعد من قبل الولايات المتحدة لبدء المفاوضات“. وشدّد على أن “الملف اللبناني بات اليوم على طاولة الرئيس الأميركي، وهذه فرصة للاستفادة منها والعبور ببلدنا الى شاطئ الأمان والسلام“.
وداخليّاً، سحب رئيس المجلس نبيه برّي يده من كلّ التنسيق السابق مع رئيس الجمهورية، لا بل ردّ عليه بأنّ كلامه على موافقة برّي على المسار التفاوضي والاتفاقات التي طُرحت سابقاً، وتحديداً في العام 2024، غير دقيق، “إن لم نقُل غير ذلك“. واقترن هذا الكلام بتأجيل اللقاء الثلاثي الذي كان مزمعاً عقده في قصر بعبدا، لأنّ برّي لا يريد تغطية مسار التفاوض المباشر، بعد ضغط تعرّض له من جانب “حزب الله“.
وفي المقابل، بدا رئيس الوزراء الإسرائيلي بدوره غير متحمّس للمفاوضات مع لبنان، على أساس أنّه يعتبر أنّها لن تؤدّي عمليّاً إلى سحب سلاح “الحزب” لاقتناعه بعدم قدرة الجيش اللبناني على القيام بذلك. وهو يكتفي الآن باتّفاق أمني، يتيح له البقاء جنوب “الخطّ الأصفر” الذي أنشأه، والاستمرار في مهاجمة أهداف تابعة للحزب،عندما يرى أن هناك تهديداً لبلاده.
وبما أنّ حسم الملفّ الإيراني دخل في لعبة الوقت، فإن الملفّ اللبناني أيضاً بالنسبة إلى إسرائيل سيأخذ وقتاً طويلاً. وباتت تلّ أبيب تدرك أنّ نزع سلاح “الحزب” على كلّ الأراضي اللبنانية مهمّة غير واقعية، ما لم تقترن بسقوط النظام الإيراني، وهو الأمر الذي لم يحدث حتى الآن.
لذا، فإنّ عمليّة التفاوض بحدّ ذاتها، التي تحمَّس لها ترامب، لن تؤدّي النتائج التي تريدها إسرائيل، كما النتائج التي يبتغيها لبنان أي انسحاب القوّات الإسرائيلية من المناطق التي احتلّتها. وإذا ما تمّ التوصّل إلى اتّفاق، فمن المرجّح أن يبقى حبراً على ورق في ظلّ التوازنات الحالية التي ما زالت قائمة.








