عقدة التفاوض: الدولة بقوة الدبلوماسية.. أم “لاءات” حزب الله؟

انطلق المسار التفاوضي المباشر بين لبنان وإسرائيل من واشنطن، عبر اجتماعين متتاليين، الأول على مستوى السفراء بحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، قبل أن ينتقل الثاني سريعاً إلى البيت الأبيض بحضور رئيس الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترامب. هذا التطور عكس بوضوح أن الملف اللبناني أصبح جزءاً من مقاربة أميركية أوسع لإدارة التوازنات في المنطقة، والدفع باتجاه اتفاقات ابراهيمية جديدة وتسجيل انتصار، ربما لن يبصر النور لكن الأهم أن يتكثف الضغط لعودة قرار الحرب والسلم بيد السلطة الشرعية اللبنانية.
في هذا السياق، يدخل لبنان المفاوضات بحزمة تناقضات بين مطالب الدولة من جهة، و”لاءات” حزب الله الذي يعلن استقلاليته عن الدولة، ولا يعترف بالخطوات الرسمية الني تتخذها، من جهة أخرى. هذه الازدواجية هي التي تقِّوض فعلياً سقف التفاوض، أكثر من أي عامل خارجي.
أوراق بيد الدولة اللبنانية
وفق المسار الذي بدأته السلطة اللبنانية، ترتكز القوة التفاوضية الرسمية على عناصر محددة، أولها الشرعية القانونية الدولية. يستند لبنان إلى القرار 1701، الذي يطالب بوقف الأعمال العدائية، وانسحاب إسرائيل، وعودة النازحين وإعادة الإعمار، وانتشار الجيش اللبناني جنوباً بالتوازي مع قوات ما بعد اليونيفيل تحاول بيروت تحصيلها بالتنسيق مع بعض الدول الأوروبية عامة وفرنسا خاصة.
العنصر الثاني هو سابقة الترسيم البحري عام 2022، التي أثبتت أن لبنان قادر على انتزاع ترتيبات حدودية عبر وساطة أميركية ورعاية أممية، من دون الذهاب بالضرورة إلى تطبيع سياسي شامل. هذه التجربة قد تشكل نموذجاً قابلاً للتكرار في التفاوض الحالي، وتمنح الدولة هامشاً للمناورة ضمن إطار تقني وسياسي.
أما الورقة الثالثة، فهي الجيش اللبناني، بوصفه المؤسسة الوحيدة التي تحظى بشرعية داخلية وخارجية، والقادرة نظرياً على تنفيذ أي ترتيبات ميدانية، من انتشار جنوباً إلى تثبيت وقف إطلاق النار. أهمية هذه الورقة لا تكمن فقط في قدراتها، بل في قبولها دولياً كشريك في أي حل.
إلى جانب ذلك، تملك الدولة رصيداً دولياً بشكل أو بآخر، سواء من الولايات المتحدة أو أوروبا أو الدول العربية. هذا الدعم لا يقتصر على المساعدات، بل يشمل الغطاء السياسي للمفاوضات، ورفع الملف إلى مستويات عليا في الإدارة الأميركية، ما يمنح لبنان قدرة على تحويل قضيته إلى ملف دولي.
وتضاف إلى هذه الأوراق القدرة على توثيق الكلفة الإنسانية للحرب: التهجير، الدمار، ومنع العودة إلى القرى. مع العلم أنها ليست ورقة تفاوض تقليدية، لكنها تتحول إلى عنصر ضغط قانوني وأخلاقي، إذا ما جرى استثمارها بشكل منهجي في المحافل الدولية.
في هذا السياق، يقول عضو كتلة الجمهورية القوية النائب غسان حاصباني لـ”المدن”: “إن الإرادة الدولية والاهتمام الدولي بلبنان في الوقت الحالي يُعدّان من أقوى أوراق التفاوض، فهذا الاهتمام شكّل ضغطاً على إسرائيل لتخفيف وطأة الحرب، كما أن استعداد المجتمع الدولي للضغط عليها من أجل الانسحاب وإعادة الاستقرار في لبنان، يقابله ضمان بوقف الاعتداءات من الأراضي اللبنانية باتجاهها“.
ويضيف حاصباني أن “سلاح حزب الله هو نقطة الضعف الوحيدة في هذه المفاوضات، وليس كما يُصوَّر على أنه ورقة قوة، لأن الدولة اللبنانية حتى الآن لا تستطيع إثبات أن هذا السلاح يمكن حصره بيدها“.
كما يؤكد أنه “إذا قارنا العمليات العسكرية الإسرائيلية اليوم بما كان عليه الحال قبل اتفاق الهدنة، نلحظ فرقاً في حدّتها، لكن رفض حزب الله التعاون مع الدولة اللبنانية، وعملية الانقلاب التي يقوم بها، ستجرّنا إلى مواجهة جديدة. ومع ذلك، لا بد من الوصول إلى وقف إطلاق نار كامل، وحصرية السلاح بيد الدولة، وانسحاب إسرائيلي كامل“.
ويختم حاصباني بالقول: “اليوم لم يعد لدينا خيارات، ولا يمكننا شراء الوقت؛ فإما أن تقوم الدولة اللبنانية بقواها الذاتية بحصر سلاح حزب الله، أو نواجه الشرّ الأكبر الذي قد يأتي من إسرائيل، وهو أمر خطير جداً“.
لكن، رغم هذه العناصر، تبقى قوة الدولة مشروطة بعامل أساسي: قدرتها على احتكار القرار. وهنا تحديداً تبدأ المشكلة.
ورقة حزب الله خارج التفاوض
في المقابل، يطرح حزب الله نفسه بوصفه مصدر القوة الأساسية في مواجهة إسرائيل وفي أي مفاوضات. إلا أن هذه القوة، كما يعرّفها الحزب، لا تدخل ضمن إطار هذا التفاوض. فالسلاح، الذي يعتبره أساس هذه القوة، مُستثنى مسبقاً من أي نقاش، ويعتبره الحرب حقا غير قابل للمساومة.
بهذا المعنى، تتحول “ورقة القوة” إلى عنصر خارج التفاوض. فالدولة لا تملك استخدام هذا السلاح كورقة ضغط، والحزب لا يقبل طرحه على الطاولة. النتيجة أن أحد أبرز “عناصر القوة” المفترضة للبنان يصبح غير متاح في العملية التفاوضية.
وفي هذا السياق، يقول عضو كتلة الإنماء والإعمار النائب قاسم هاشم لـ “المدن”: “اليوم لا تملك الدولة اللبنانية أوراق قوة، فأهم هذه الأوراق هي وحدة الموقف الداخلي غير الموجود، خاصة فيما يخص شكل المفاوضات.”
ويضيف “المواجهات في الجنوب وباعتراف العدو لا تزال قائمة وقوية، وهذا يجعل من المقاومة ورقة مفاوضات قوية ويجب استثمارها.” وعن سلاح الحزب، يقول” سلاح المقاومة هو شأن داخلي، وتشكيل استراتيجية أمن وطني يعد ورقة قوة في أي مفاوضات”.
الأبعد من ذلك، أن الحزب لا يكتفي بإخراج سلاحه من التفاوض، بل يعيد ربط الملف اللبناني بسياق إقليمي أوسع. في هذا الإطار، تبرز محاولاته لطرح لبنان ضمن مسارات تفاوضية أوسع، من بينها المسار الذي طُرح عبر قناة إسلام آباد، بما يعكس توجهاً لربط الساحة اللبنانية بأي تفاهمات أميركية – إيرانية.
هذا الربط يعيد إنتاج معادلة “وحدة الساحات”، لكن هذه المرة على طاولة التفاوض، كما في الميدان. أي أن لبنان لا يعود طرفاً مستقلاً، ليبقى ورقة تمسك بها إيران ضمن توازنات إقليمية، تُستخدم في مفاوضات تتجاوز حدوده.
يعتبر هاشم هنا “أن مفاوضات اسلام اباد متشابكة وتجري على مستوى الإقليم شئنا ام أبينا، بغض النظر عن رأي الداخل، لذا يجب الاستفادة والاستثمار فيها، وهذا لا يعني أن يكون غيرنا من يفاوض عنا.”
التفاوض بين مسارين
هذا الواقع يخلق مسارين يصعب أن يلتقيا: مسار رسمي تقوده الدولة، يقوم على القانون والشرعية والدعم الدولي، ومسار غير رسمي يقوده الحزب، يقوم على “الردع العسكري” وربط الجبهة اللبنانية بالسياق الإقليمي.
وهنا تكمن المشكلة، فبينما تسعى الدولة إلى تثبيت وقف النار والانسحاب وعودة النازحين و الأسرى، يضع الحزب سقفاً مختلفاً: لا مساس بالسلاح، ولا فصل للبنان عن المعادلة الإقليمية. عملياً، هذا يعني أن ما يفاوض عليه الجانب اللبناني الرسمي لا يشكل التزاماً جامعاً، وهذا ما أوضحه موقف الشيخ نعيم قاسم الأخير حيث أعلن أن “هذه المفاوضات المباشرة ومخرجاتها كأنها غير موجودة بالنسبة الينا، ولا تعنينا لا من قريب ولا من بعيد”.
هذا التناقض ينعكس مباشرة على النتائج. فبالرغم من امتلاك لبنان أوراقاً قانونية ودبلوماسية واضحة، لم تتحول حتى الآن إلى مكاسب ميدانية حاسمة. في المقابل، لم تؤدِ “القوة العسكرية” إلى تحسين موقع الدولة التفاوضي، بل فتحت الباب أمام ضغوطٍ إضافية، خصوصاً فيما يتعلق بسلاح الحزب الذي يشكل أساس هذه المفاوضات.
بين الدولة والساحة
في ضوء ذلك، تتحدد المعضلة اللبنانية بشكل واضح، الدولة تملك أوراق قوة فعلية، لكنها غير مكتملة بسبب الانقسام الداخلي. والحزب يمتلك قوة عسكرية، لكنه لا يضعها في خدمة التفاوض الرسمي، بل يصر على أنه غير معني بدولته، ليبقي قرار الحرب والسلم في إطار معادلة إقليمية تصادر السيادة اللبنانية لمصلحة إيران.
النتيجة أن لبنان لا يدخل المفاوضات كطرف موحد، بل ككيان مزدوج. جزء منه يفاوض على أساس واضح، وجزء آخر يخون السلطة الشرعية ويحدد لها شكل وماهية التفاوض، على أساس انتصارات في ميدان غير موجودة على أرض الواقع الجنوبية. وبين الاثنين، يتراجع هامش المناورة، ويتقدم خطر تعميق الأزمة اللبنانية الداخلية من جهة والخارجية من جهة أخرى.
في الخلاصة، لا تكمن المشكلة في غياب أوراق القوة، بل في كيفية استخدامها. الدولة تملك القانون، الجيش، والدعم الدولي، لكن بغياب وحدة موقف تقوضه لاءات حزب الله، تبقى هذه الأوراق غير كافية. في المقابل، يملك حزب الله قوة فعلية، لكنها بقيت حتى اللحظة عاجزة عن تغيير المعادلات الميدانية، تؤثر على تفعيل مسار اللبناني المستقل للتفاوض ويربطه بمسارات إقليمية. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال مفتوحاً، هل سيفاوض لبنان كدولة، أم سيُبقونه ساحة؟
عقدة التفاوض: الدولة بقوة الدبلوماسية.. أم “لاءات” حزب الله؟

انطلق المسار التفاوضي المباشر بين لبنان وإسرائيل من واشنطن، عبر اجتماعين متتاليين، الأول على مستوى السفراء بحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، قبل أن ينتقل الثاني سريعاً إلى البيت الأبيض بحضور رئيس الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترامب. هذا التطور عكس بوضوح أن الملف اللبناني أصبح جزءاً من مقاربة أميركية أوسع لإدارة التوازنات في المنطقة، والدفع باتجاه اتفاقات ابراهيمية جديدة وتسجيل انتصار، ربما لن يبصر النور لكن الأهم أن يتكثف الضغط لعودة قرار الحرب والسلم بيد السلطة الشرعية اللبنانية.
في هذا السياق، يدخل لبنان المفاوضات بحزمة تناقضات بين مطالب الدولة من جهة، و”لاءات” حزب الله الذي يعلن استقلاليته عن الدولة، ولا يعترف بالخطوات الرسمية الني تتخذها، من جهة أخرى. هذه الازدواجية هي التي تقِّوض فعلياً سقف التفاوض، أكثر من أي عامل خارجي.
أوراق بيد الدولة اللبنانية
وفق المسار الذي بدأته السلطة اللبنانية، ترتكز القوة التفاوضية الرسمية على عناصر محددة، أولها الشرعية القانونية الدولية. يستند لبنان إلى القرار 1701، الذي يطالب بوقف الأعمال العدائية، وانسحاب إسرائيل، وعودة النازحين وإعادة الإعمار، وانتشار الجيش اللبناني جنوباً بالتوازي مع قوات ما بعد اليونيفيل تحاول بيروت تحصيلها بالتنسيق مع بعض الدول الأوروبية عامة وفرنسا خاصة.
العنصر الثاني هو سابقة الترسيم البحري عام 2022، التي أثبتت أن لبنان قادر على انتزاع ترتيبات حدودية عبر وساطة أميركية ورعاية أممية، من دون الذهاب بالضرورة إلى تطبيع سياسي شامل. هذه التجربة قد تشكل نموذجاً قابلاً للتكرار في التفاوض الحالي، وتمنح الدولة هامشاً للمناورة ضمن إطار تقني وسياسي.
أما الورقة الثالثة، فهي الجيش اللبناني، بوصفه المؤسسة الوحيدة التي تحظى بشرعية داخلية وخارجية، والقادرة نظرياً على تنفيذ أي ترتيبات ميدانية، من انتشار جنوباً إلى تثبيت وقف إطلاق النار. أهمية هذه الورقة لا تكمن فقط في قدراتها، بل في قبولها دولياً كشريك في أي حل.
إلى جانب ذلك، تملك الدولة رصيداً دولياً بشكل أو بآخر، سواء من الولايات المتحدة أو أوروبا أو الدول العربية. هذا الدعم لا يقتصر على المساعدات، بل يشمل الغطاء السياسي للمفاوضات، ورفع الملف إلى مستويات عليا في الإدارة الأميركية، ما يمنح لبنان قدرة على تحويل قضيته إلى ملف دولي.
وتضاف إلى هذه الأوراق القدرة على توثيق الكلفة الإنسانية للحرب: التهجير، الدمار، ومنع العودة إلى القرى. مع العلم أنها ليست ورقة تفاوض تقليدية، لكنها تتحول إلى عنصر ضغط قانوني وأخلاقي، إذا ما جرى استثمارها بشكل منهجي في المحافل الدولية.
في هذا السياق، يقول عضو كتلة الجمهورية القوية النائب غسان حاصباني لـ”المدن”: “إن الإرادة الدولية والاهتمام الدولي بلبنان في الوقت الحالي يُعدّان من أقوى أوراق التفاوض، فهذا الاهتمام شكّل ضغطاً على إسرائيل لتخفيف وطأة الحرب، كما أن استعداد المجتمع الدولي للضغط عليها من أجل الانسحاب وإعادة الاستقرار في لبنان، يقابله ضمان بوقف الاعتداءات من الأراضي اللبنانية باتجاهها“.
ويضيف حاصباني أن “سلاح حزب الله هو نقطة الضعف الوحيدة في هذه المفاوضات، وليس كما يُصوَّر على أنه ورقة قوة، لأن الدولة اللبنانية حتى الآن لا تستطيع إثبات أن هذا السلاح يمكن حصره بيدها“.
كما يؤكد أنه “إذا قارنا العمليات العسكرية الإسرائيلية اليوم بما كان عليه الحال قبل اتفاق الهدنة، نلحظ فرقاً في حدّتها، لكن رفض حزب الله التعاون مع الدولة اللبنانية، وعملية الانقلاب التي يقوم بها، ستجرّنا إلى مواجهة جديدة. ومع ذلك، لا بد من الوصول إلى وقف إطلاق نار كامل، وحصرية السلاح بيد الدولة، وانسحاب إسرائيلي كامل“.
ويختم حاصباني بالقول: “اليوم لم يعد لدينا خيارات، ولا يمكننا شراء الوقت؛ فإما أن تقوم الدولة اللبنانية بقواها الذاتية بحصر سلاح حزب الله، أو نواجه الشرّ الأكبر الذي قد يأتي من إسرائيل، وهو أمر خطير جداً“.
لكن، رغم هذه العناصر، تبقى قوة الدولة مشروطة بعامل أساسي: قدرتها على احتكار القرار. وهنا تحديداً تبدأ المشكلة.
ورقة حزب الله خارج التفاوض
في المقابل، يطرح حزب الله نفسه بوصفه مصدر القوة الأساسية في مواجهة إسرائيل وفي أي مفاوضات. إلا أن هذه القوة، كما يعرّفها الحزب، لا تدخل ضمن إطار هذا التفاوض. فالسلاح، الذي يعتبره أساس هذه القوة، مُستثنى مسبقاً من أي نقاش، ويعتبره الحرب حقا غير قابل للمساومة.
بهذا المعنى، تتحول “ورقة القوة” إلى عنصر خارج التفاوض. فالدولة لا تملك استخدام هذا السلاح كورقة ضغط، والحزب لا يقبل طرحه على الطاولة. النتيجة أن أحد أبرز “عناصر القوة” المفترضة للبنان يصبح غير متاح في العملية التفاوضية.
وفي هذا السياق، يقول عضو كتلة الإنماء والإعمار النائب قاسم هاشم لـ “المدن”: “اليوم لا تملك الدولة اللبنانية أوراق قوة، فأهم هذه الأوراق هي وحدة الموقف الداخلي غير الموجود، خاصة فيما يخص شكل المفاوضات.”
ويضيف “المواجهات في الجنوب وباعتراف العدو لا تزال قائمة وقوية، وهذا يجعل من المقاومة ورقة مفاوضات قوية ويجب استثمارها.” وعن سلاح الحزب، يقول” سلاح المقاومة هو شأن داخلي، وتشكيل استراتيجية أمن وطني يعد ورقة قوة في أي مفاوضات”.
الأبعد من ذلك، أن الحزب لا يكتفي بإخراج سلاحه من التفاوض، بل يعيد ربط الملف اللبناني بسياق إقليمي أوسع. في هذا الإطار، تبرز محاولاته لطرح لبنان ضمن مسارات تفاوضية أوسع، من بينها المسار الذي طُرح عبر قناة إسلام آباد، بما يعكس توجهاً لربط الساحة اللبنانية بأي تفاهمات أميركية – إيرانية.
هذا الربط يعيد إنتاج معادلة “وحدة الساحات”، لكن هذه المرة على طاولة التفاوض، كما في الميدان. أي أن لبنان لا يعود طرفاً مستقلاً، ليبقى ورقة تمسك بها إيران ضمن توازنات إقليمية، تُستخدم في مفاوضات تتجاوز حدوده.
يعتبر هاشم هنا “أن مفاوضات اسلام اباد متشابكة وتجري على مستوى الإقليم شئنا ام أبينا، بغض النظر عن رأي الداخل، لذا يجب الاستفادة والاستثمار فيها، وهذا لا يعني أن يكون غيرنا من يفاوض عنا.”
التفاوض بين مسارين
هذا الواقع يخلق مسارين يصعب أن يلتقيا: مسار رسمي تقوده الدولة، يقوم على القانون والشرعية والدعم الدولي، ومسار غير رسمي يقوده الحزب، يقوم على “الردع العسكري” وربط الجبهة اللبنانية بالسياق الإقليمي.
وهنا تكمن المشكلة، فبينما تسعى الدولة إلى تثبيت وقف النار والانسحاب وعودة النازحين و الأسرى، يضع الحزب سقفاً مختلفاً: لا مساس بالسلاح، ولا فصل للبنان عن المعادلة الإقليمية. عملياً، هذا يعني أن ما يفاوض عليه الجانب اللبناني الرسمي لا يشكل التزاماً جامعاً، وهذا ما أوضحه موقف الشيخ نعيم قاسم الأخير حيث أعلن أن “هذه المفاوضات المباشرة ومخرجاتها كأنها غير موجودة بالنسبة الينا، ولا تعنينا لا من قريب ولا من بعيد”.
هذا التناقض ينعكس مباشرة على النتائج. فبالرغم من امتلاك لبنان أوراقاً قانونية ودبلوماسية واضحة، لم تتحول حتى الآن إلى مكاسب ميدانية حاسمة. في المقابل، لم تؤدِ “القوة العسكرية” إلى تحسين موقع الدولة التفاوضي، بل فتحت الباب أمام ضغوطٍ إضافية، خصوصاً فيما يتعلق بسلاح الحزب الذي يشكل أساس هذه المفاوضات.
بين الدولة والساحة
في ضوء ذلك، تتحدد المعضلة اللبنانية بشكل واضح، الدولة تملك أوراق قوة فعلية، لكنها غير مكتملة بسبب الانقسام الداخلي. والحزب يمتلك قوة عسكرية، لكنه لا يضعها في خدمة التفاوض الرسمي، بل يصر على أنه غير معني بدولته، ليبقي قرار الحرب والسلم في إطار معادلة إقليمية تصادر السيادة اللبنانية لمصلحة إيران.
النتيجة أن لبنان لا يدخل المفاوضات كطرف موحد، بل ككيان مزدوج. جزء منه يفاوض على أساس واضح، وجزء آخر يخون السلطة الشرعية ويحدد لها شكل وماهية التفاوض، على أساس انتصارات في ميدان غير موجودة على أرض الواقع الجنوبية. وبين الاثنين، يتراجع هامش المناورة، ويتقدم خطر تعميق الأزمة اللبنانية الداخلية من جهة والخارجية من جهة أخرى.
في الخلاصة، لا تكمن المشكلة في غياب أوراق القوة، بل في كيفية استخدامها. الدولة تملك القانون، الجيش، والدعم الدولي، لكن بغياب وحدة موقف تقوضه لاءات حزب الله، تبقى هذه الأوراق غير كافية. في المقابل، يملك حزب الله قوة فعلية، لكنها بقيت حتى اللحظة عاجزة عن تغيير المعادلات الميدانية، تؤثر على تفعيل مسار اللبناني المستقل للتفاوض ويربطه بمسارات إقليمية. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال مفتوحاً، هل سيفاوض لبنان كدولة، أم سيُبقونه ساحة؟








