بيان السّفارة: واشنطن تردّ على تعطيل طهران التّفاوض؟

قد تكون إيران نجحت في نقل أولويّة التفاوض الأميركيّ معها من النوويّ إلى أزمة إغلاق مضيق هرمز وضغوطه على الاقتصاد العالميّ. لكنّها وقعت في فخّ إطالة المواجهة معها، بعد فرض دونالد ترامب حصاره المضادّ على المضيق لخنق اقتصادها. قد يكون “حرس الثورة” تمكّن من التضحية بلبنان و”الحزب” لتوسيع المواجهة باستهداف إسرائيل غير آبه بالكارثة التي تسبّب بها للبلد الصغير. يلجأ ترامب إلى نزع ورقة لبنان من طهران مفترضاً أنّ السلطة فيه قادرة على مساعدته، فيما طهران تضغط لتشتيت الجبهة الداخليّة وتعطيل القرار اللبنانيّ.
جاء بيان السفارة الأميركيّة في 30 نيسان الداعي إلى لقاء الرئيس جوزف عون مع بنيامين نتنياهو، بتسهيل من دونالد ترامب، ليزيد الضغوط على لبنان بدل إعانته على خفضها. ربط البيان كلّ ما يطالب به الحكم اللبنانيّ بهذا اللقاء، داعياً إلى التقاط “الفرصة”. حاولت واشنطن إغراء الحكم اللبنانيّ بـ”توفير ضمانات ملموسة لسيادته الكاملة وسلامة أراضيه وضمان حدوده والمساعدات الإنسانيّة وإعادة الإعمار، وترميم سلطة الدولة اللبنانيّة على كلّ بوصة من أراضيها بضمانة من الولايات المتّحدة”، إذا حصل اجتماع عون مع نتنياهو.
واشنطن تبلّغت الرّفض
على الرغم من أنّ واشنطن سبق أن تبلّغت بالقنوات المتاحة باستحالة قبول الرئيس اللبنانيّ لقاء نتنياهو لأنّه بمنزلة وضع العربة أمام الحصان، كرّرت السفارة طلب هذا اللقاء. كان الرئيس اللبنانيّ يعِد نفسه بزيارة واشنطن كي يشرح لترامب ومساعديه دقّة الفسيفساء اللبنانيّة، وتاريخ المواجهات اللبنانيّة الإسرائيليّة وتداخل الوضع الداخليّ الدقيق مع المعادلة الإقليميّة. في إدارة ترامب تبسيط في فهم الصيغة اللبنانيّة وخلفيّات مواقف الزعامات السياسيّة وتأثير المحيط الإقليميّ.
ما كان يأمله المحيطون بالرئيس عون هو أن يكون قبول لبنان بالمفاوضات المباشرة بين البلدين، عن طريق موفد سمّاه عون لتمثيل لبنان فيها، فيكون بمنزلة موفد رئاسيّ، كافياً لفتح باب تسوية مع الدولة العبريّة. يواكب خيار كهذا المفاوضات الأميركيّة الإيرانيّة، ويمكن أن ينتشل لبنان من مخالب إسرائيل وبراثن إيران. كان الموقف اللبنانيّ المبدئيّ يرتكز على القاعدة السياسيّة الدبلوماسيّة القائلة إنّ السلام اللبنانيّ مع إسرائيل يلتحق بالموقف العربيّ التقليدي لقرار قمّة بيروت 2002 ، القائم على الأرض مقابل السلام وقيام دولة فلسطينيّة على أراضي 4 حزيران 1967.
هل جاء إصرار إدارة ترامب على هذا الاجتماع ليرفع سقف المطالب الأميركيّة مجدّداً، ردّاً على محاولة طهران منع لبنان حتّى من التفاوض المباشر ولو على مستوى السفراء؟
حملة التّخوين
صدر بيان السفارة غداة جملة من الوقائع:
1- تأجيل اجتماع عون ورئيسَي البرلمان نبيه برّي والحكومة نوّاف سلام، الذي كان مقرّراً الأربعاء الماضي لطيّ صفحة الالتباسات في التوافق الرسميّ المطلوب على مبدأ التفاوض المباشر مع إسرائيل، الذي التزمه عون وعيّن لأجله السفير السابق سيمون كرم رئيساً للوفد المفاوض، بتأييد من سلام ومن أكثريّة القوى السياسيّة، فيما اشترط بعضها تحديداً واضحاً للأهداف تحت سقف عدم الذهاب نحو السلام مع الدولة العبريّة والتزام الموقف العربيّ.
2- حملة التخوين التي قادها “الحزب” ضدّ الرئيس عون لقبوله بالتفاوض المباشر. يرفض قادة “الحزب” التسليم بأيّ تفاوض إلّا ذلك الذي تخوضه طهران، إلى درجة القول إنّه لا وقف للنار في لبنان إلّا ذلك الذي تفاوض عليه إيران. ذهب إعلام “الحزب” إلى حدّ تأويل مواقف قوى سياسيّة أيّدت التفاوض بأنّها ترفضه.
3- أبدى برّي ليونة ضمنيّة حيال التفاوض ما دامت أهدافه هي نفسها تلك التي يصرّ عليها. اشترط أن يتمّ وقف النار الذي لم تلتزمه إسرائيل، واقترح أن يحصل عبر لجنة “الميكانيزم” الأميركيّة – الفرنسيّة – اللبنانيّة – الإسرائيليّة، ومعها “اليونيفيل”، التي انبثقت عن اتّفاق 27 تشرين الثاني 2024. فهم البعض من موقفه أنّه لن يقف ضدّ التفاوض إذا كان سيأتي بوقف الحرب واتّفاق على الانسحاب وإعادة النازحين والأسرى.
لكنّ برّي لن يأخذ على نفسه أنّه أيّد التواصل المباشر مع العدوّ، وبالتالي لن يسمّي موظّفاً أو عسكريّاً شيعيّاً في الوفد المفاوض. كان برّي يراعي بذلك موقف “الحزب” وإيران، إلّا أنّ الأخيرة لم تكن تكتفي بهذا الموقف، بل يهمّها منع إدارة ترامب من تعطيل إمساكها بورقة لبنان في حالتَي التفاوض والحرب، فهي ورقة توازي بأهمّيّتها، وفق وجهة النظر الإيرانيّة، ورقة مضيق هرمز التفاوضيّة. إلّا أنّ ما يهمّ طهران هو حجب أيّ غطاء شيعيّ عن التفاوض اللبنانيّ الإسرائيليّ برعاية أميركيّة.
افتقاد “الحرس” لرئيس مطيع
4- تلبّدت العلاقات مع المكوّن الشيعيّ بعد الردّ القويّ للرئيس عون الثلاثاء الماضي، على الحملة التخوينيّة التي أطلقها “الحزب” ضدّه لقبوله التفاوض المباشر. اعتبر عون أنّ الخيانة هي في توريط البلد في حروب لمصالح خارجيّة. في المقابل، لا طهران ولا قادة “الحزب” معتادون أن يعاند سياستهم رئيس للجمهوريّة. لم يستطِع “الحرس” أيضاً التأقلم مع حصيلة المواجهة الكبرى التي يخوضها في لبنان. أبقى رهانه على الإمساك بناصية الحكم فيه، عبر “الحزب”، على الرغم من أنّ الاستحواذ على القرار السياسيّ لبيروت صار من الماضي.
تفتقد عقليّة الهيمنة في طهران رئيساً للجمهوريّة يذعن لما تريد، كما حصل في عهدَي الرئيسين إميل لحّود وميشال عون. توسّع بذلك دائرة النفور المسيحيّ من تحكّمها بالنسيج الاجتماعيّ – الطائفيّ. وتخاطر بصدقيّة برّي عبر فرضها سرديّتها العبثيّة على زعيم يدرك أهميّة البراغماتيّة في التعاطي مع المتغيّرات. بتحدّيها رئيس الوزراء، تغامر بالاستقرار النسبيّ للعلاقات السنّيّة الشيعيّة، بعد سنوات من التوتّر، غير مكترثة بإيقاظها المشاعر العصبيّة.
دفعت العوامل المذكورة وغيرها مراقبين إلى التساؤل: هل رفع السقف الأميركيّ بالإصرار على لقاء عون ونتنياهو محاولةٌ للردّ على سعي طهران إلى مواجهة التعطيل الإيرانيّ للتفاوض المباشر اللبنانيّ الإسرائيليّ؟
بالمقابل يرى المتوجّسون من موقف إدارة ترامب مخاطر إضافيّة على البلد ترفع نسبة التوتّر الداخليّ، وانزلاقاً أميركيّاً إلى لعبة إيران القائمة على البناء على خلافات اللبنانيّين للإبقاء على نفوذها.
بيان السّفارة: واشنطن تردّ على تعطيل طهران التّفاوض؟

قد تكون إيران نجحت في نقل أولويّة التفاوض الأميركيّ معها من النوويّ إلى أزمة إغلاق مضيق هرمز وضغوطه على الاقتصاد العالميّ. لكنّها وقعت في فخّ إطالة المواجهة معها، بعد فرض دونالد ترامب حصاره المضادّ على المضيق لخنق اقتصادها. قد يكون “حرس الثورة” تمكّن من التضحية بلبنان و”الحزب” لتوسيع المواجهة باستهداف إسرائيل غير آبه بالكارثة التي تسبّب بها للبلد الصغير. يلجأ ترامب إلى نزع ورقة لبنان من طهران مفترضاً أنّ السلطة فيه قادرة على مساعدته، فيما طهران تضغط لتشتيت الجبهة الداخليّة وتعطيل القرار اللبنانيّ.
جاء بيان السفارة الأميركيّة في 30 نيسان الداعي إلى لقاء الرئيس جوزف عون مع بنيامين نتنياهو، بتسهيل من دونالد ترامب، ليزيد الضغوط على لبنان بدل إعانته على خفضها. ربط البيان كلّ ما يطالب به الحكم اللبنانيّ بهذا اللقاء، داعياً إلى التقاط “الفرصة”. حاولت واشنطن إغراء الحكم اللبنانيّ بـ”توفير ضمانات ملموسة لسيادته الكاملة وسلامة أراضيه وضمان حدوده والمساعدات الإنسانيّة وإعادة الإعمار، وترميم سلطة الدولة اللبنانيّة على كلّ بوصة من أراضيها بضمانة من الولايات المتّحدة”، إذا حصل اجتماع عون مع نتنياهو.
واشنطن تبلّغت الرّفض
على الرغم من أنّ واشنطن سبق أن تبلّغت بالقنوات المتاحة باستحالة قبول الرئيس اللبنانيّ لقاء نتنياهو لأنّه بمنزلة وضع العربة أمام الحصان، كرّرت السفارة طلب هذا اللقاء. كان الرئيس اللبنانيّ يعِد نفسه بزيارة واشنطن كي يشرح لترامب ومساعديه دقّة الفسيفساء اللبنانيّة، وتاريخ المواجهات اللبنانيّة الإسرائيليّة وتداخل الوضع الداخليّ الدقيق مع المعادلة الإقليميّة. في إدارة ترامب تبسيط في فهم الصيغة اللبنانيّة وخلفيّات مواقف الزعامات السياسيّة وتأثير المحيط الإقليميّ.
ما كان يأمله المحيطون بالرئيس عون هو أن يكون قبول لبنان بالمفاوضات المباشرة بين البلدين، عن طريق موفد سمّاه عون لتمثيل لبنان فيها، فيكون بمنزلة موفد رئاسيّ، كافياً لفتح باب تسوية مع الدولة العبريّة. يواكب خيار كهذا المفاوضات الأميركيّة الإيرانيّة، ويمكن أن ينتشل لبنان من مخالب إسرائيل وبراثن إيران. كان الموقف اللبنانيّ المبدئيّ يرتكز على القاعدة السياسيّة الدبلوماسيّة القائلة إنّ السلام اللبنانيّ مع إسرائيل يلتحق بالموقف العربيّ التقليدي لقرار قمّة بيروت 2002 ، القائم على الأرض مقابل السلام وقيام دولة فلسطينيّة على أراضي 4 حزيران 1967.
هل جاء إصرار إدارة ترامب على هذا الاجتماع ليرفع سقف المطالب الأميركيّة مجدّداً، ردّاً على محاولة طهران منع لبنان حتّى من التفاوض المباشر ولو على مستوى السفراء؟
حملة التّخوين
صدر بيان السفارة غداة جملة من الوقائع:
1- تأجيل اجتماع عون ورئيسَي البرلمان نبيه برّي والحكومة نوّاف سلام، الذي كان مقرّراً الأربعاء الماضي لطيّ صفحة الالتباسات في التوافق الرسميّ المطلوب على مبدأ التفاوض المباشر مع إسرائيل، الذي التزمه عون وعيّن لأجله السفير السابق سيمون كرم رئيساً للوفد المفاوض، بتأييد من سلام ومن أكثريّة القوى السياسيّة، فيما اشترط بعضها تحديداً واضحاً للأهداف تحت سقف عدم الذهاب نحو السلام مع الدولة العبريّة والتزام الموقف العربيّ.
2- حملة التخوين التي قادها “الحزب” ضدّ الرئيس عون لقبوله بالتفاوض المباشر. يرفض قادة “الحزب” التسليم بأيّ تفاوض إلّا ذلك الذي تخوضه طهران، إلى درجة القول إنّه لا وقف للنار في لبنان إلّا ذلك الذي تفاوض عليه إيران. ذهب إعلام “الحزب” إلى حدّ تأويل مواقف قوى سياسيّة أيّدت التفاوض بأنّها ترفضه.
3- أبدى برّي ليونة ضمنيّة حيال التفاوض ما دامت أهدافه هي نفسها تلك التي يصرّ عليها. اشترط أن يتمّ وقف النار الذي لم تلتزمه إسرائيل، واقترح أن يحصل عبر لجنة “الميكانيزم” الأميركيّة – الفرنسيّة – اللبنانيّة – الإسرائيليّة، ومعها “اليونيفيل”، التي انبثقت عن اتّفاق 27 تشرين الثاني 2024. فهم البعض من موقفه أنّه لن يقف ضدّ التفاوض إذا كان سيأتي بوقف الحرب واتّفاق على الانسحاب وإعادة النازحين والأسرى.
لكنّ برّي لن يأخذ على نفسه أنّه أيّد التواصل المباشر مع العدوّ، وبالتالي لن يسمّي موظّفاً أو عسكريّاً شيعيّاً في الوفد المفاوض. كان برّي يراعي بذلك موقف “الحزب” وإيران، إلّا أنّ الأخيرة لم تكن تكتفي بهذا الموقف، بل يهمّها منع إدارة ترامب من تعطيل إمساكها بورقة لبنان في حالتَي التفاوض والحرب، فهي ورقة توازي بأهمّيّتها، وفق وجهة النظر الإيرانيّة، ورقة مضيق هرمز التفاوضيّة. إلّا أنّ ما يهمّ طهران هو حجب أيّ غطاء شيعيّ عن التفاوض اللبنانيّ الإسرائيليّ برعاية أميركيّة.
افتقاد “الحرس” لرئيس مطيع
4- تلبّدت العلاقات مع المكوّن الشيعيّ بعد الردّ القويّ للرئيس عون الثلاثاء الماضي، على الحملة التخوينيّة التي أطلقها “الحزب” ضدّه لقبوله التفاوض المباشر. اعتبر عون أنّ الخيانة هي في توريط البلد في حروب لمصالح خارجيّة. في المقابل، لا طهران ولا قادة “الحزب” معتادون أن يعاند سياستهم رئيس للجمهوريّة. لم يستطِع “الحرس” أيضاً التأقلم مع حصيلة المواجهة الكبرى التي يخوضها في لبنان. أبقى رهانه على الإمساك بناصية الحكم فيه، عبر “الحزب”، على الرغم من أنّ الاستحواذ على القرار السياسيّ لبيروت صار من الماضي.
تفتقد عقليّة الهيمنة في طهران رئيساً للجمهوريّة يذعن لما تريد، كما حصل في عهدَي الرئيسين إميل لحّود وميشال عون. توسّع بذلك دائرة النفور المسيحيّ من تحكّمها بالنسيج الاجتماعيّ – الطائفيّ. وتخاطر بصدقيّة برّي عبر فرضها سرديّتها العبثيّة على زعيم يدرك أهميّة البراغماتيّة في التعاطي مع المتغيّرات. بتحدّيها رئيس الوزراء، تغامر بالاستقرار النسبيّ للعلاقات السنّيّة الشيعيّة، بعد سنوات من التوتّر، غير مكترثة بإيقاظها المشاعر العصبيّة.
دفعت العوامل المذكورة وغيرها مراقبين إلى التساؤل: هل رفع السقف الأميركيّ بالإصرار على لقاء عون ونتنياهو محاولةٌ للردّ على سعي طهران إلى مواجهة التعطيل الإيرانيّ للتفاوض المباشر اللبنانيّ الإسرائيليّ؟
بالمقابل يرى المتوجّسون من موقف إدارة ترامب مخاطر إضافيّة على البلد ترفع نسبة التوتّر الداخليّ، وانزلاقاً أميركيّاً إلى لعبة إيران القائمة على البناء على خلافات اللبنانيّين للإبقاء على نفوذها.











