ما هذا النصر يا حسين؟

الكاتب: احمد عياش | المصدر: نداء الوطن
3 أيار 2026

مرّت أمس الذكرى الثانية لحرب الثأر لمقتل المرشد الإيراني علي خامنئي صاخبة جدًا. وشهد الجنوب فصلًا من العنف الذي مارسته إسرائيل على امتداد الجنوب من الحدود حتى منطقة النبطية، ما جعل عداد وزارة الصحة يحصي حتى عصر أمس، ومنذ 2 آذار الماضي، عندما فتح “حزب الله” هذه الحرب وحتى 2 أيار، أي أمس، مصرع 2659 وجرح 8183. لكن ما قاله الحزب في هذه الذكرى لخصته مقدمة النشرة المسائية لقناة “المنار” التلفزيونية التابعة له بقولها: “إنها نيرانُ المقاومينَ التي تحرقُ خياراتِ الصهاينةِ المحتلينَ، ولم يستطيعوا رغمَ عظيمِ التدميرِ والتهجيرِ وارتكابِ المجازرِ بحقِّ المدنيينَ الأبرياءِ من تغييرِ واقعِ الميدانِ الذي تُطبِقُ عليه طيورُ الجنوبِ – من مسيّراتٍ ومُحَلِّقاتٍ مسلّحةٍ بحقِّ لبنانَ بالدفاعِ عن أرضِهِ وسيادتِهِ ودماءِ أبنائِهِ…”

وسط طاحونة الموت والتدمير التي جرّ “حزب الله” لبنان إليها ولا يزال، أطلّ أمس نبأ الاجتماع الاستثنائي الذي عقده قائد الجيش العماد رودولف هيكل ورئيس لجنة الإشراف على اتفاق وقف الأعمال العدائية – الميكانيزم الجنرال الأميركي Joseph Clearfield في قاعدة بيروت الجوية. وأفاد البيان الصادر بعد الاجتماع بأنه جاء “نتيجة زيارة سريعة قام بها كليرفيلد، وتناول الوضع الأمني في لبنان والتطورات على صعيد المنطقة، وسبل الاستفادة القصوى من الميكانيزم وتطوير عملها. وقد تم التأكيد خلاله على أهمية دور الجيش وضرورة دعمه في ظل المرحلة الحالية.”

لماذا يتمتع هذا النبأ بأهمية إستثنائية تماثل ما وصف به اجتماع الجنرالَين اللبناني والأميركي؟

يأتي الجواب من سياق المرحلة التي أتى خلالها الاجتماع، أي فترة وقف إطلاق النار التي بدأت في 27 نيسان الماضي والتي من المقرر أن تستمر 3 أسابيع. وستكون هذه الفترة للتحضير لشيء ما في البيت الأبيض، كعقد قمة بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو برعاية وحضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ويتضمّن التحضير على ما أشار إليه البيان الصادر عن اجتماع هيكل – Clearfield لجهة “سبل الاستفادة القصوى من الميكانيزم وتطوير عملها”. ويمكن من خلال استعادة عمل لجنة الميكانيزم، بعد وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024 ، يتبيّن أن وظيفة اللجنة كانت الإشراف على تطبيق ذلك الوقف للنار على مدى 15 شهرًا في أعقاب حرب إسناد غزة التي فتحها الأمين العام السابق لـ”حزب الله” حسن نصرالله في 8 تشرين الأول 2023. وسيكون عمل اللجنة الآن هو الإشراف على تطبيق وقف النار الحالي والذي أذاعته الخارجية الأميركية في بيان استعاد الفقرة التي منحت في القرار السابق إسرائيل “حرية العمل دفاعًا عن النفس”.

بالطبع، يثير “حزب الله” جدلًا واسعًا حول ما جاء في بيان الخارجية الأميركية. لكن هذا الجدل لا يلغي أهمية أن تعود الولايات المتحدة الأميركية إلى ميدان الأحداث في لبنان كي تعيد إليها سياقا يفضي إلى التطوّر الكبير المرتقب في البيت الأبيض هذا الشهر.

قدمت مجلة الإيكونوميست البريطانية في عددها الأسبوعي يوم الجمعة الماضي قراءة مفيدة لهذه الفترة التي تفصلنا عن المحطة الآتية من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية. وجاء في هذه القراءة تحت عنوان “لبنان ينجو، لا يزدهر” أن “هالة “حزب الله” التي لا تهزم اختفت”، وحلّ مكانها “حزب الله لم يخسر الحرب”. وتضيف: “هذا، على الأقل، هو موقف قادة الميليشيا المدعومة من إيران في لبنان. صحيح أن المجموعة لا تزال موجودة. لديها نواب في بيروت ومقاتلون في الجنوب. لكن البقاء ليس هو نفسه القوة. العديد من قادتها ماتوا. أضعفت الهجمات الأخيرة من إسرائيل هذا التنظيم أكثر. وأي ادعاء بعدم القابلية للهزيمة قد اختفى.”

وتابعت المجلة: “يصرّ حسين الحاج حسن، عضو البرلمان عن “حزب الله”، على أن كل طائفة وكتلة سياسية رئيسية يجب أن توافق على أي اتفاق سلام مع إسرائيل. لبنان هو “ديموقراطية توافقية”، كما يجادل؛ لا يمكن أن تستند قرارات بهذا الحجم إلى أغلبية بسيطة. ومع ذلك، عندما يذكّر السيد حسن بأن “حزب الله” لم يحصل على موافقة أحد قبل أن يجرّ لبنان إلى حرب أخرى، لا يتوقف (كي يعلقّ بل يقول): “كان ذلك قرار “حزب الله”. ينفي السيد حسن وجود أي هدنة حقيقية مع إسرائيل. السيد حسن، نظريا، لا يرفض احتمال نزع سلاح “حزب الله.” لكن شروطه-“تحرير لبنان”، إطلاق سراح أسرى “حزب الله”، إكمال إعادة الإعمار والاتفاق على استراتيجية دفاع وطني-تبدو غير محتملة عمليًا”.

وتخلص الايكونوميست الى القول: “لا تزال المجموعة (“حزب الله”) تملك القدرة على الترهيب. لها تاريخ من الاغتيالات السياسية. وعد المتشددون علنا بتصفية الحسابات. وقد شبّه البعض السيد عون بأنور السادات، الرئيس المصري الذي اغتيل بعد أربع سنوات من زيارته للقدس عام 1977. يقول السيد حسن إن مثل هذه التصريحات “بيان سياسي، وليست تهديدا”. قد لا يقدم تمييزه هذا لقادة لبنان راحة كبيرة”.

لا تطمئن ابدًا مواقف حسين الحاج حسن على الاطلاق. لكن صمت حسين، المقاتل الجنوبي في صفوف “حزب الله” هو ابلغ من نائب الحزب. فقد أوردت نيويورك تايمز في تحقيق نشرته قبل يومين: “في مقبرة في مدينة صور الساحلية، بحثت سهيلة، البالغة من العمر 54 عامًا، عن قبر مؤقت لابنها حسين، وهو مقاتل في “حزب الله” قتل في الحرب. عندما وجدته – معلّما بصورة له مستندًا إلى كتلة خرسانية – انهارت على ركبتيها وبدأت تصفع الأرض الصلبة بكلتا يديها. بالنسبة لها، لم يكن هناك وهم بأن وقف إطلاق النار كان انتصارًا للشيعة اللبنانيين، تم تضمينه من قبل راعي “حزب الله” إيران. صرخت سهيلة، التي ذكرت اسمها الأول فقط، مشيرة إلى أسباب أمنية: “ما هذا الانتصار؟ ما هذا النصر، حسين؟”

أصبح حسين المقاتل في عالم الصمت. لكن حسين النائب ما زال في عالم الكلام الذي يكشف مأزق لبنان الذي يمثله كلام “حزب الله” الذي يندفع الى هاوية الانهيار الكبير، ويجهد ليجرّ لبنان معه، وهو يعلن “الانتصار”!

ما هذا النصر يا حسين؟

الكاتب: احمد عياش | المصدر: نداء الوطن
3 أيار 2026

مرّت أمس الذكرى الثانية لحرب الثأر لمقتل المرشد الإيراني علي خامنئي صاخبة جدًا. وشهد الجنوب فصلًا من العنف الذي مارسته إسرائيل على امتداد الجنوب من الحدود حتى منطقة النبطية، ما جعل عداد وزارة الصحة يحصي حتى عصر أمس، ومنذ 2 آذار الماضي، عندما فتح “حزب الله” هذه الحرب وحتى 2 أيار، أي أمس، مصرع 2659 وجرح 8183. لكن ما قاله الحزب في هذه الذكرى لخصته مقدمة النشرة المسائية لقناة “المنار” التلفزيونية التابعة له بقولها: “إنها نيرانُ المقاومينَ التي تحرقُ خياراتِ الصهاينةِ المحتلينَ، ولم يستطيعوا رغمَ عظيمِ التدميرِ والتهجيرِ وارتكابِ المجازرِ بحقِّ المدنيينَ الأبرياءِ من تغييرِ واقعِ الميدانِ الذي تُطبِقُ عليه طيورُ الجنوبِ – من مسيّراتٍ ومُحَلِّقاتٍ مسلّحةٍ بحقِّ لبنانَ بالدفاعِ عن أرضِهِ وسيادتِهِ ودماءِ أبنائِهِ…”

وسط طاحونة الموت والتدمير التي جرّ “حزب الله” لبنان إليها ولا يزال، أطلّ أمس نبأ الاجتماع الاستثنائي الذي عقده قائد الجيش العماد رودولف هيكل ورئيس لجنة الإشراف على اتفاق وقف الأعمال العدائية – الميكانيزم الجنرال الأميركي Joseph Clearfield في قاعدة بيروت الجوية. وأفاد البيان الصادر بعد الاجتماع بأنه جاء “نتيجة زيارة سريعة قام بها كليرفيلد، وتناول الوضع الأمني في لبنان والتطورات على صعيد المنطقة، وسبل الاستفادة القصوى من الميكانيزم وتطوير عملها. وقد تم التأكيد خلاله على أهمية دور الجيش وضرورة دعمه في ظل المرحلة الحالية.”

لماذا يتمتع هذا النبأ بأهمية إستثنائية تماثل ما وصف به اجتماع الجنرالَين اللبناني والأميركي؟

يأتي الجواب من سياق المرحلة التي أتى خلالها الاجتماع، أي فترة وقف إطلاق النار التي بدأت في 27 نيسان الماضي والتي من المقرر أن تستمر 3 أسابيع. وستكون هذه الفترة للتحضير لشيء ما في البيت الأبيض، كعقد قمة بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو برعاية وحضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ويتضمّن التحضير على ما أشار إليه البيان الصادر عن اجتماع هيكل – Clearfield لجهة “سبل الاستفادة القصوى من الميكانيزم وتطوير عملها”. ويمكن من خلال استعادة عمل لجنة الميكانيزم، بعد وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024 ، يتبيّن أن وظيفة اللجنة كانت الإشراف على تطبيق ذلك الوقف للنار على مدى 15 شهرًا في أعقاب حرب إسناد غزة التي فتحها الأمين العام السابق لـ”حزب الله” حسن نصرالله في 8 تشرين الأول 2023. وسيكون عمل اللجنة الآن هو الإشراف على تطبيق وقف النار الحالي والذي أذاعته الخارجية الأميركية في بيان استعاد الفقرة التي منحت في القرار السابق إسرائيل “حرية العمل دفاعًا عن النفس”.

بالطبع، يثير “حزب الله” جدلًا واسعًا حول ما جاء في بيان الخارجية الأميركية. لكن هذا الجدل لا يلغي أهمية أن تعود الولايات المتحدة الأميركية إلى ميدان الأحداث في لبنان كي تعيد إليها سياقا يفضي إلى التطوّر الكبير المرتقب في البيت الأبيض هذا الشهر.

قدمت مجلة الإيكونوميست البريطانية في عددها الأسبوعي يوم الجمعة الماضي قراءة مفيدة لهذه الفترة التي تفصلنا عن المحطة الآتية من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية. وجاء في هذه القراءة تحت عنوان “لبنان ينجو، لا يزدهر” أن “هالة “حزب الله” التي لا تهزم اختفت”، وحلّ مكانها “حزب الله لم يخسر الحرب”. وتضيف: “هذا، على الأقل، هو موقف قادة الميليشيا المدعومة من إيران في لبنان. صحيح أن المجموعة لا تزال موجودة. لديها نواب في بيروت ومقاتلون في الجنوب. لكن البقاء ليس هو نفسه القوة. العديد من قادتها ماتوا. أضعفت الهجمات الأخيرة من إسرائيل هذا التنظيم أكثر. وأي ادعاء بعدم القابلية للهزيمة قد اختفى.”

وتابعت المجلة: “يصرّ حسين الحاج حسن، عضو البرلمان عن “حزب الله”، على أن كل طائفة وكتلة سياسية رئيسية يجب أن توافق على أي اتفاق سلام مع إسرائيل. لبنان هو “ديموقراطية توافقية”، كما يجادل؛ لا يمكن أن تستند قرارات بهذا الحجم إلى أغلبية بسيطة. ومع ذلك، عندما يذكّر السيد حسن بأن “حزب الله” لم يحصل على موافقة أحد قبل أن يجرّ لبنان إلى حرب أخرى، لا يتوقف (كي يعلقّ بل يقول): “كان ذلك قرار “حزب الله”. ينفي السيد حسن وجود أي هدنة حقيقية مع إسرائيل. السيد حسن، نظريا، لا يرفض احتمال نزع سلاح “حزب الله.” لكن شروطه-“تحرير لبنان”، إطلاق سراح أسرى “حزب الله”، إكمال إعادة الإعمار والاتفاق على استراتيجية دفاع وطني-تبدو غير محتملة عمليًا”.

وتخلص الايكونوميست الى القول: “لا تزال المجموعة (“حزب الله”) تملك القدرة على الترهيب. لها تاريخ من الاغتيالات السياسية. وعد المتشددون علنا بتصفية الحسابات. وقد شبّه البعض السيد عون بأنور السادات، الرئيس المصري الذي اغتيل بعد أربع سنوات من زيارته للقدس عام 1977. يقول السيد حسن إن مثل هذه التصريحات “بيان سياسي، وليست تهديدا”. قد لا يقدم تمييزه هذا لقادة لبنان راحة كبيرة”.

لا تطمئن ابدًا مواقف حسين الحاج حسن على الاطلاق. لكن صمت حسين، المقاتل الجنوبي في صفوف “حزب الله” هو ابلغ من نائب الحزب. فقد أوردت نيويورك تايمز في تحقيق نشرته قبل يومين: “في مقبرة في مدينة صور الساحلية، بحثت سهيلة، البالغة من العمر 54 عامًا، عن قبر مؤقت لابنها حسين، وهو مقاتل في “حزب الله” قتل في الحرب. عندما وجدته – معلّما بصورة له مستندًا إلى كتلة خرسانية – انهارت على ركبتيها وبدأت تصفع الأرض الصلبة بكلتا يديها. بالنسبة لها، لم يكن هناك وهم بأن وقف إطلاق النار كان انتصارًا للشيعة اللبنانيين، تم تضمينه من قبل راعي “حزب الله” إيران. صرخت سهيلة، التي ذكرت اسمها الأول فقط، مشيرة إلى أسباب أمنية: “ما هذا الانتصار؟ ما هذا النصر، حسين؟”

أصبح حسين المقاتل في عالم الصمت. لكن حسين النائب ما زال في عالم الكلام الذي يكشف مأزق لبنان الذي يمثله كلام “حزب الله” الذي يندفع الى هاوية الانهيار الكبير، ويجهد ليجرّ لبنان معه، وهو يعلن “الانتصار”!

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار