هاني شاكر وعبد الحليم حافظ… صراع بين الحقيقة والأسطورة

المصدر: النهار
3 أيار 2026

 

برحيل الفنان المصري هاني شاكر، يطوي العالم العربي صفحة استثنائية من تاريخ الغناء الرومانسي، امتدّت لأكثر من خمسة عقود، وبدأت أمام عينيّ عبد الحليم حافظ، فأطرب خلالها “أمير الغناء العربي” قلوب محبّيه بأغنيات حملت مزيجاً من الشجن والعاطفة الصادقة، ولامست وجدان الجمهور بإحساس عال جعله يتربّع على عرش الأغنية العربية في مراحل طويلة.

بدأت رحلة شاكر مبكراً، منذ عام 1966، عندما ظهر للمرة الأولى في عالم الفن من خلال فيلم “سيد درويش” للمخرج أحمد بدرخان، مجسّداً شخصية الراحل في طفولته. ولم يلبث أن اقترب أكثر من عالم الكبار، حين شارك بصوته ضمن كورال أغنية “بالأحضان” في الكورس خلف عبد الحليم حافظ، في لحظة مبكرة ستُمهّد لعلاقة فنية وإنسانية معقّدة، ظلّت موضع جدلٍ طويل.

منذ تلك اللحظة، بدأ الربط الجماهيري بين شاكر و”العندليب الأسمر”، ونسجت الصحافة والجمهور على حد سواء روايات عن منافسة محتدمة، بل وغيرة فنية مفترضة، لتتحوّل العلاقة إلى مادة خصبة للشائعات، التي غالباً ما تجاوزت الحقيقة.

في مطلع سبعينيات القرن الماضي، لمع نجم هاني شاكر بقوة، ونجح بجذب الأنظار إليه، حتى كتب الصحافي نبيل عصمت عبارةً شهيرة أثارت الجدل، مفادها أن عبد الحليم سيتوجّه إلى معهد الموسيقى “ليأخذ الزمّارة من حنجرة هاني شاكر”، ما أثار غضب العندليب بشدّة، ودفع عدداً من أصدقائه الإعلاميين للدفاع عنه، في سجال صبّ في مصلحة شاكر، إذ زاد من حضوره وانتشاره.

الإعلامي الراحل وجدي الحكيم كشف جانباً إنسانياً من العلاقة، حين روى أنه رافق عبد الحليم قبل سفره الأخير للعلاج للقاء هاني شاكر، حيث حاول العندليب إخفاء أيّ انزعاج، واحتضن شاكر قائلاً له: “يا هاني أنا طالع أسمعك… المستقبل لك، فأنا مريض ومستقبل الغناء معك”.

وأوضح الحكيم بأن عبد الحليم حضر حفلاً لشاكر في أعياد الربيع، رغم أنه كان متوجّهاً إلى الموسيقار محمد عبد الوهاب للاستماع إلى لحن “من غير ليه”، التي غنّاها شاكر لاحقاً، ليستمع إليه عن قرب ويعلّق قائلاً: “صوت هاني حلو… لكنه يحتاج إلى كذا وكذا”، في نقد مهنيّ لا يخلو من الاعتراف.

في موازاة ذلك، تحدّث نقّاد عن دعم لافت من كوكب الشرق أم كلثوم لهاني شاكر، بدوافع فسّرها البعض بأنها “نكاية” بعبد الحليم، إذ تواصلت مع الملحن خالد الأمير ليقدّم له أغنية “كده برضه يا قمر”، التي حققت نجاحاً واسعاً. ولم يتوقف دعمها عند هذا الحد، بل طلبت من شادية أن تصطحب شاكر في حفلاتها، وهو ما منح الجمهور فرصة لاكتشاف صوته أمام حضورٍ جماهيري كبير.

المفارقة اللافتة تمثّلت أيضاً في دعم الموسيقار محمد عبد الوهاب لهاني شاكر، إذ كلّف الموسيقار محمد سلطان بتلحين عمل له، في وقت بدا فيه المشهد الفني كأنه ساحة توازنات خفيّة بين الكبار.

وحظي شاكر بدعم عدد من الأسماء، على رأسهم محمد الموجي الذي كانت له دوافعه الخاصة، ولا سيما في ظل خلافه الكبير مع عبد الحليم حافظ، وسعيه لتقديم أصوات جديدة. وكان الموجي أول من قدّم شاكر رسمياً عبر أغنية “حلوة يا دنيا” عام 1972، والتي أثارت التباساً لدى المستمعين الذين ظنّوا، عند بثّها إذاعياً، أنها أغنية جديدة للعندليب.

ورغم كل تلك الروايات، حرص هاني شاكر في أكثر من مناسبة على تفكيك “أسطورة الخلاف”، موضحاً تفاصيل علاقته بعبد الحليم. فقد نقل عنه أنه سمع من العندليب، في بداياته، تعليقاً مفاده أن “هاني شاكر كويس ولكن ليس طموحاً”، مرجّحاً أن يكون هذا الرأي نابعاً من انزعاجٍ عابر.

وأشار شاكر إلى أن الإعلام لعب دوراً كبيراً في تضخيم الصورة، وتصوير ظهوره كأنه “معركة” يقودها الموجي ضد عبد الحليم، مؤكّداً أن ذلك لم يكن حقيقياً، رغم اعترافه بفضل الموجي عليه، إذ تتلمذ على يديه لمدة عامين، قبل أن يقدّم له “حلوة يا دنيا”، التي غنّاها في حفل جمعه بالفنانة فايزة أحمد.

أما لحظة التحوّل الحقيقية، فجاءت عندما حضر عبد الحليم إحدى حفلات شاكر. يروي الأخير أنه تردّد في الصعود إلى المسرح تحت وطأة ما نُشر في الصحف، قبل أن يصرّ على لقاء العندليب في الكواليس. هناك، استعاد ذكرياته كطفلٍ في الكورال خلفه، وقال له: “لو لم أسمع صوتك وأحب أغانيك، لما عرفت الغناء”.

وأضاف متسائلاً: “كيف يُعقل أن يُحاربك الموجي بي؟ أنت هرم رابع”. عندها، احتضنه عبد الحليم وقبّله، مؤكّداً إدراكه للمبالغات الصحافية.

ذلك العناق لم يكن مجرد مصالحة، بل لحظة اعتراف متبادل بين جيلين، عبّر فيها شاكر عن كونه أحد تلامذة العندليب، وعن محبته وإخلاصه له حتى آخر العمر، وهو ما قابله عبد الحليم بابتسامة أنهت كلّ سوء تفاهم.

اليوم، ومع غياب هاني شاكر، تبدو تلك الحكاية أكثر وضوحاً: لم تكن علاقة صراع وفق ما صوّرتها الشائعات، بل حواراً فنياً بين صوتين، أحدهما أسّس لمرحلة، والآخر أكملها بطريقته. وبين عبد الحليم حافظ وهاني شاكر، لم يكن الإرث صراعاً على القمة، بقدر ما كان انتقالاً هادئاً للشعلة، من “العندليب” إلى “الأمير”.

هاني شاكر وعبد الحليم حافظ… صراع بين الحقيقة والأسطورة

 

برحيل الفنان المصري هاني شاكر، يطوي العالم العربي صفحة استثنائية من تاريخ الغناء الرومانسي، امتدّت لأكثر من خمسة عقود، وبدأت أمام عينيّ عبد الحليم حافظ، فأطرب خلالها “أمير الغناء العربي” قلوب محبّيه بأغنيات حملت مزيجاً من الشجن والعاطفة الصادقة، ولامست وجدان الجمهور بإحساس عال جعله يتربّع على عرش الأغنية العربية في مراحل طويلة.

بدأت رحلة شاكر مبكراً، منذ عام 1966، عندما ظهر للمرة الأولى في عالم الفن من خلال فيلم “سيد درويش” للمخرج أحمد بدرخان، مجسّداً شخصية الراحل في طفولته. ولم يلبث أن اقترب أكثر من عالم الكبار، حين شارك بصوته ضمن كورال أغنية “بالأحضان” في الكورس خلف عبد الحليم حافظ، في لحظة مبكرة ستُمهّد لعلاقة فنية وإنسانية معقّدة، ظلّت موضع جدلٍ طويل.

منذ تلك اللحظة، بدأ الربط الجماهيري بين شاكر و”العندليب الأسمر”، ونسجت الصحافة والجمهور على حد سواء روايات عن منافسة محتدمة، بل وغيرة فنية مفترضة، لتتحوّل العلاقة إلى مادة خصبة للشائعات، التي غالباً ما تجاوزت الحقيقة.

في مطلع سبعينيات القرن الماضي، لمع نجم هاني شاكر بقوة، ونجح بجذب الأنظار إليه، حتى كتب الصحافي نبيل عصمت عبارةً شهيرة أثارت الجدل، مفادها أن عبد الحليم سيتوجّه إلى معهد الموسيقى “ليأخذ الزمّارة من حنجرة هاني شاكر”، ما أثار غضب العندليب بشدّة، ودفع عدداً من أصدقائه الإعلاميين للدفاع عنه، في سجال صبّ في مصلحة شاكر، إذ زاد من حضوره وانتشاره.

الإعلامي الراحل وجدي الحكيم كشف جانباً إنسانياً من العلاقة، حين روى أنه رافق عبد الحليم قبل سفره الأخير للعلاج للقاء هاني شاكر، حيث حاول العندليب إخفاء أيّ انزعاج، واحتضن شاكر قائلاً له: “يا هاني أنا طالع أسمعك… المستقبل لك، فأنا مريض ومستقبل الغناء معك”.

وأوضح الحكيم بأن عبد الحليم حضر حفلاً لشاكر في أعياد الربيع، رغم أنه كان متوجّهاً إلى الموسيقار محمد عبد الوهاب للاستماع إلى لحن “من غير ليه”، التي غنّاها شاكر لاحقاً، ليستمع إليه عن قرب ويعلّق قائلاً: “صوت هاني حلو… لكنه يحتاج إلى كذا وكذا”، في نقد مهنيّ لا يخلو من الاعتراف.

في موازاة ذلك، تحدّث نقّاد عن دعم لافت من كوكب الشرق أم كلثوم لهاني شاكر، بدوافع فسّرها البعض بأنها “نكاية” بعبد الحليم، إذ تواصلت مع الملحن خالد الأمير ليقدّم له أغنية “كده برضه يا قمر”، التي حققت نجاحاً واسعاً. ولم يتوقف دعمها عند هذا الحد، بل طلبت من شادية أن تصطحب شاكر في حفلاتها، وهو ما منح الجمهور فرصة لاكتشاف صوته أمام حضورٍ جماهيري كبير.

المفارقة اللافتة تمثّلت أيضاً في دعم الموسيقار محمد عبد الوهاب لهاني شاكر، إذ كلّف الموسيقار محمد سلطان بتلحين عمل له، في وقت بدا فيه المشهد الفني كأنه ساحة توازنات خفيّة بين الكبار.

وحظي شاكر بدعم عدد من الأسماء، على رأسهم محمد الموجي الذي كانت له دوافعه الخاصة، ولا سيما في ظل خلافه الكبير مع عبد الحليم حافظ، وسعيه لتقديم أصوات جديدة. وكان الموجي أول من قدّم شاكر رسمياً عبر أغنية “حلوة يا دنيا” عام 1972، والتي أثارت التباساً لدى المستمعين الذين ظنّوا، عند بثّها إذاعياً، أنها أغنية جديدة للعندليب.

ورغم كل تلك الروايات، حرص هاني شاكر في أكثر من مناسبة على تفكيك “أسطورة الخلاف”، موضحاً تفاصيل علاقته بعبد الحليم. فقد نقل عنه أنه سمع من العندليب، في بداياته، تعليقاً مفاده أن “هاني شاكر كويس ولكن ليس طموحاً”، مرجّحاً أن يكون هذا الرأي نابعاً من انزعاجٍ عابر.

وأشار شاكر إلى أن الإعلام لعب دوراً كبيراً في تضخيم الصورة، وتصوير ظهوره كأنه “معركة” يقودها الموجي ضد عبد الحليم، مؤكّداً أن ذلك لم يكن حقيقياً، رغم اعترافه بفضل الموجي عليه، إذ تتلمذ على يديه لمدة عامين، قبل أن يقدّم له “حلوة يا دنيا”، التي غنّاها في حفل جمعه بالفنانة فايزة أحمد.

أما لحظة التحوّل الحقيقية، فجاءت عندما حضر عبد الحليم إحدى حفلات شاكر. يروي الأخير أنه تردّد في الصعود إلى المسرح تحت وطأة ما نُشر في الصحف، قبل أن يصرّ على لقاء العندليب في الكواليس. هناك، استعاد ذكرياته كطفلٍ في الكورال خلفه، وقال له: “لو لم أسمع صوتك وأحب أغانيك، لما عرفت الغناء”.

وأضاف متسائلاً: “كيف يُعقل أن يُحاربك الموجي بي؟ أنت هرم رابع”. عندها، احتضنه عبد الحليم وقبّله، مؤكّداً إدراكه للمبالغات الصحافية.

ذلك العناق لم يكن مجرد مصالحة، بل لحظة اعتراف متبادل بين جيلين، عبّر فيها شاكر عن كونه أحد تلامذة العندليب، وعن محبته وإخلاصه له حتى آخر العمر، وهو ما قابله عبد الحليم بابتسامة أنهت كلّ سوء تفاهم.

اليوم، ومع غياب هاني شاكر، تبدو تلك الحكاية أكثر وضوحاً: لم تكن علاقة صراع وفق ما صوّرتها الشائعات، بل حواراً فنياً بين صوتين، أحدهما أسّس لمرحلة، والآخر أكملها بطريقته. وبين عبد الحليم حافظ وهاني شاكر، لم يكن الإرث صراعاً على القمة، بقدر ما كان انتقالاً هادئاً للشعلة، من “العندليب” إلى “الأمير”.

المصدر: النهار
3 أيار 2026

مزيد من الأخبار