عدم رد “حزب الله” عجزٌ؟ أم ماذا؟

لازمة “يحتفظ لنفسه بحق الرد في المكان والزمان المناسبين”، اشتهر باستخدامها النظام السوري السابق في كل مرة كان يتلقى ضربة من إسرائيل.
منذ “تفاهم نيسان” عام 1996، وُضِعت قواعد اشتباك بين إسرائيل و “حزب الله”، مدني في مقابل مدني، وعسكري في مقابل عسكري، بقي هذا التفاهم ساريًا حتى العام 2006، منذ ذلك الحين قام الخطاب الاستراتيجي لــ “حزب الله” على معادلة واضحة: أي استهداف إسرائيلي كبير سيقابله رد، وأي اغتيال لقادة الصف الأول أو استهداف للبنية العسكرية سيؤدي إلى ثمن تدفعه إسرائيل. هذه المعادلة لم تكن مجرد تهديد إعلامي، بل شكلت أساس مفهوم “الردع المتبادل” الذي حكم المواجهة بين إسرائيل و “حزب الله”. إلا أن المشهد الحالي يبدو مختلفًا بصورة جوهرية، خصوصًا بعد سلسلة الاغتيالات التي طالت قيادات ميدانية وعسكرية بارزة، وآخرها اغتيال أحد قادة قوة الرضوان، من دون رد مباشر يوازي حجم الضربة أو يغير قواعد الاشتباك.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط لماذا لا يرد “الحزب”، بل ما إذا كان قادرًا أصلًا على الرد بالشكل الذي كان يفعله سابقًا.
في السابق، كان “الحزب” يمتلك هامش مناورة أوسع. البيئة الإقليمية، الدعم الإيراني، كما إن الجبهة الداخلية اللبنانية، رغم الانقسامات، لم تكن منهكة كما هي اليوم. أما الآن، فلبنان يعيش انهيارًا اقتصاديًا وماليًا غير مسبوق، فيما تتعرض بيئة “الحزب” الاجتماعية لضغوط هائلة. أي حرب واسعة قد تتحول إلى كارثة وجودية على لبنان كله، وليس فقط على “الحزب”. لذلك، فإن قرار الرد لم يعد قرارًا عسكريًا صرفًا، بل بات مرتبطًا بحسابات داخلية وإقليمية شديدة التعقيد.
لكن الامتناع عن الرد لا يمكن تفسيره فقط بالحكمة أو تجنب الحرب. فحين تتكرر الاغتيالات، وتتوسع الضربات الإسرائيلية في العمق اللبناني، من دون تغيير فعلي في قواعد الاشتباك، يصبح الحديث عن تراجع قدرة الردع أمرًا مشروعًا. الردع لا يُقاس فقط بحجم الترسانة العسكرية، بل بقدرة الطرف على إقناع خصمه بأن أي اعتداء ستكون له كلفة مرتفعة. وإذا اقتنعت إسرائيل بأن بإمكانها تنفيذ عمليات نوعية من دون ثمن استراتيجي، فهذا يعني أن ميزان الردع قد اختل بالفعل.
ومع ذلك، فإن القول إن “الحزب” أصبح “أوهن من بيت العنكبوت” هو قول دقيق. هذا التعبير الذي استخدمه السيد حسن نصر الله لوصف إسرائيل، يعود اليوم ليُستخدم ضد “الحزب” نفسه، فالمشكلة ليست في امتلاك القوة فقط، بل في حرية استخدامها. هناك فرق كبير بين القدرة النظرية على الرد، والقدرة السياسية والعملية على اتخاذ قرار المواجهة.
إسرائيل تدرك بدورها أن “الحزب” لا يريد حربًا شاملة، ولذلك ترفع تدريجًا مستوى المخاطرة. إنها تختبر الحدود باستمرار: اغتيالات، ضربات دقيقة، استهداف قادة ومخازن ومراكز، وكل ذلك ضمن قناعة متزايدة بأن الرد سيكون محدودًا أو رمزيًا. وهنا تكمن أخطر التحولات؛ إذ إن الردع يضعف أحيانًا ليس عندما تُهزم عسكريًا، بل عندما يفقد خصمك خوفه منك.
في المقابل، يحاول “الحزب” الحفاظ على صورة “الصبر الاستراتيجي”، أي تجنب الانجرار إلى حرب لا يريدها، مع الاحتفاظ بحق الرد في الوقت والمكان المناسبين. لكن هذا الخطاب يصبح أكثر صعوبة مع تكرار الضربات وتراجع فعالية الردود المحدودة.
عدم رد “حزب الله” عجزٌ؟ أم ماذا؟

لازمة “يحتفظ لنفسه بحق الرد في المكان والزمان المناسبين”، اشتهر باستخدامها النظام السوري السابق في كل مرة كان يتلقى ضربة من إسرائيل.
منذ “تفاهم نيسان” عام 1996، وُضِعت قواعد اشتباك بين إسرائيل و “حزب الله”، مدني في مقابل مدني، وعسكري في مقابل عسكري، بقي هذا التفاهم ساريًا حتى العام 2006، منذ ذلك الحين قام الخطاب الاستراتيجي لــ “حزب الله” على معادلة واضحة: أي استهداف إسرائيلي كبير سيقابله رد، وأي اغتيال لقادة الصف الأول أو استهداف للبنية العسكرية سيؤدي إلى ثمن تدفعه إسرائيل. هذه المعادلة لم تكن مجرد تهديد إعلامي، بل شكلت أساس مفهوم “الردع المتبادل” الذي حكم المواجهة بين إسرائيل و “حزب الله”. إلا أن المشهد الحالي يبدو مختلفًا بصورة جوهرية، خصوصًا بعد سلسلة الاغتيالات التي طالت قيادات ميدانية وعسكرية بارزة، وآخرها اغتيال أحد قادة قوة الرضوان، من دون رد مباشر يوازي حجم الضربة أو يغير قواعد الاشتباك.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط لماذا لا يرد “الحزب”، بل ما إذا كان قادرًا أصلًا على الرد بالشكل الذي كان يفعله سابقًا.
في السابق، كان “الحزب” يمتلك هامش مناورة أوسع. البيئة الإقليمية، الدعم الإيراني، كما إن الجبهة الداخلية اللبنانية، رغم الانقسامات، لم تكن منهكة كما هي اليوم. أما الآن، فلبنان يعيش انهيارًا اقتصاديًا وماليًا غير مسبوق، فيما تتعرض بيئة “الحزب” الاجتماعية لضغوط هائلة. أي حرب واسعة قد تتحول إلى كارثة وجودية على لبنان كله، وليس فقط على “الحزب”. لذلك، فإن قرار الرد لم يعد قرارًا عسكريًا صرفًا، بل بات مرتبطًا بحسابات داخلية وإقليمية شديدة التعقيد.
لكن الامتناع عن الرد لا يمكن تفسيره فقط بالحكمة أو تجنب الحرب. فحين تتكرر الاغتيالات، وتتوسع الضربات الإسرائيلية في العمق اللبناني، من دون تغيير فعلي في قواعد الاشتباك، يصبح الحديث عن تراجع قدرة الردع أمرًا مشروعًا. الردع لا يُقاس فقط بحجم الترسانة العسكرية، بل بقدرة الطرف على إقناع خصمه بأن أي اعتداء ستكون له كلفة مرتفعة. وإذا اقتنعت إسرائيل بأن بإمكانها تنفيذ عمليات نوعية من دون ثمن استراتيجي، فهذا يعني أن ميزان الردع قد اختل بالفعل.
ومع ذلك، فإن القول إن “الحزب” أصبح “أوهن من بيت العنكبوت” هو قول دقيق. هذا التعبير الذي استخدمه السيد حسن نصر الله لوصف إسرائيل، يعود اليوم ليُستخدم ضد “الحزب” نفسه، فالمشكلة ليست في امتلاك القوة فقط، بل في حرية استخدامها. هناك فرق كبير بين القدرة النظرية على الرد، والقدرة السياسية والعملية على اتخاذ قرار المواجهة.
إسرائيل تدرك بدورها أن “الحزب” لا يريد حربًا شاملة، ولذلك ترفع تدريجًا مستوى المخاطرة. إنها تختبر الحدود باستمرار: اغتيالات، ضربات دقيقة، استهداف قادة ومخازن ومراكز، وكل ذلك ضمن قناعة متزايدة بأن الرد سيكون محدودًا أو رمزيًا. وهنا تكمن أخطر التحولات؛ إذ إن الردع يضعف أحيانًا ليس عندما تُهزم عسكريًا، بل عندما يفقد خصمك خوفه منك.
في المقابل، يحاول “الحزب” الحفاظ على صورة “الصبر الاستراتيجي”، أي تجنب الانجرار إلى حرب لا يريدها، مع الاحتفاظ بحق الرد في الوقت والمكان المناسبين. لكن هذا الخطاب يصبح أكثر صعوبة مع تكرار الضربات وتراجع فعالية الردود المحدودة.











