الدولة حين تعتذر

تتزامن ذكرى “غزوة” 7 أيار هذا العام مع احتدام النقاشات السياسية والنيابية إزاء قانون العفو العام، وظهور موقف سنّي صلب يترجم ضغط المزاج الشعبي، بعدم قبول استثناء من أُطلق عليهم مصطلح “الإسلاميين” ضمن الهيمنة الاحتلالية لـ”حزب الله” على الحيز العام، في لحظة تتقاطع مع أفول مشروع الأخير وتصدّع صورته معنويًا وسياسيًا.
شكّلت 7 أيار اللحظة التي ركعت فيها الدولة أمام “الحزب”، فسلّمته مفاتيح القرار وتحكّم بمفاصلها “من فوق إلى تحت”. وكانت أيضًا محطة التأسيس الثانية لـ”البازار الكبير” المسمى “الإرهاب السنّي” بوصفه علامة تجارية سياسية وأمنية ذات رواج دولي، كرّست انتقال الوصاية من نظام بشار الأسد إلى نظام الملالي، بعدما أتقن الأول لعبة الاستثمار في هذا الملف قبل أن تنقلب عليه.
بيد أن 7 أيار كانت أيضًا لحظة صعود “الحزب” إلى الهاوية. فمنذ اجتياح بيروت، فقد ما تبقّى له من تعاطف وطني. وعلى أنقاض تلك المرحلة بُني نظام أدمن صناعة الإرهاب واستخدامها كأداة لإخضاع فئة محددة وخنقها سياسيًا واجتماعيًا. الحقيقة التي جرى طمسها أن السنّة تحوّلوا مذّاك إلى مدانين دائمين. فكل من أوقفته الأجهزة الأمنية إبّان لحظة العار تلك، حتى ولو كان يحمل سلاحًا فرديًا دفاعًا عن منزله أو رزقه في مواجهة الاجتياح الميليشياوي، وُضعت على سجلّه إشارة تمنعه من التوظف في مؤسسات الدولة، ولو كعامل بسيط. وهذا سابق لظهور الشيخ أحمد الأسير، وتفجّر الثورة السورية، وأحداث طرابلس وعرسال وما تلاها.
لذلك، فالقضية اليوم ليست في عدد المطلوب شمولهم بالعفو، وبالمناسبة هم أقل من 100 لبناني، بل في طبيعة المحاكمات وما أنتجته من أحكام مشبوهة، في ظل قضاء من قماشة العميد منير شحادة، معزّز بدعاية مكثفة ومروّعة عبثت بهوية أبناء المناطق السنّية، ورسّخت تعريفًا يختزن كل معاني التمييز: كل سنّي إرهابي محتمل.
وهنا بالضبط تكمن أهمية العفو رغم كونه أداة استثنائية، حيث يمثّل اعتذارًا معنويًا وأخلاقيًا متأخرًا من الدولة، يمهّد لفتح صفحة جديدة في العقد الاجتماعي، ويعيد دمج فئة كاملة عوملت كجماعة مشبوهة، أسوة بما يُقدّم لجلادي “الحزب” من عروض احتواء وتسويات، كي يشعر الجميع حقًا أن الدولة ضمانة لجميع مواطنيها. كما يشكّل خطوة مهمة لتفكيك ما يُعرف بـ”وثائق الاتصال” و”لوائح الإخضاع” التي تحوّلت إلى أدوات عقاب سياسي.
أما محاولات استدعاء دماء العسكريين كإطار قانوني وأخلاقي لحرف النقاش عن موضعه، فتتجاهل حقيقة أساسية: “الحزب” يتحمّل، معنويًا على الأقل، مسؤولية سقوط شهداء من الجيش نتيجة رفضه التعاون في تفكيك ترسانته الصاروخية. كما أن العدالة العوراء نفسها كانت أحد الأسباب الرئيسية في بروز الشيخ أحمد الأسير وآخرين كظواهر تجسّد آليات دفاع تقليدية لدى الجماعات التي تشعر بالاضطهاد والاستهداف.
في المقابل، يعيش سليم عياش ورفاقه القتلة المدانون باغتيال رفيق الحريري أحرارًا. وملفات قضايا الاغتيال، من سمير قصير إلى لقمان سليم وجو بجاني وما بينها، خاوية. والعنصر الذي قتل عسكريًا إيرلنديًا في “اليونيفيل” خرج من المحكمة العسكرية ملوّحًا بيديه بعد إفراج صحي. وحتى اليوم لا يزال مقاتلو “الحزب” يحظون بمحاكمات شكلية تنتهي بكفالات هزلية. حتى إن فرنسا اعترضت على غياب الجدية في التحقيق بقتل اثنين من عناصرها.
بالمنطق البسيط: السنّة نالوا عقابًا جماعيًا بسبب مناصرتهم الثورة السورية، رغم أنهم وقفوا إلى الجانب الصحيح من التاريخ، بينما لم يُحاسب “حزب الله”، ومن والاه، يومًا على سجله الإجرامي الممتد من اغتيال رفيق الحريري و7 أيار، إلى اعتقال قرار الدولة وإقحام لبنان في حروب مع إسرائيل وصراعات عبثية مع الدول العربية.
وعليه، يُفترض أن يكون قانون العفو نقطة النهاية للنظام الناشئ على أنقاض غزوة العار، وليس وسيلة لتبييض سجلات بارونات المخدرات وتجديد المعادلات التي تتحكم بالاقتصاد الأسود، بينما يُترك من عوقبوا بلا رحمة على موقفهم السياسي أو هويتهم الدينية أسرى وصمة أبدية.
الدولة حين تعتذر

تتزامن ذكرى “غزوة” 7 أيار هذا العام مع احتدام النقاشات السياسية والنيابية إزاء قانون العفو العام، وظهور موقف سنّي صلب يترجم ضغط المزاج الشعبي، بعدم قبول استثناء من أُطلق عليهم مصطلح “الإسلاميين” ضمن الهيمنة الاحتلالية لـ”حزب الله” على الحيز العام، في لحظة تتقاطع مع أفول مشروع الأخير وتصدّع صورته معنويًا وسياسيًا.
شكّلت 7 أيار اللحظة التي ركعت فيها الدولة أمام “الحزب”، فسلّمته مفاتيح القرار وتحكّم بمفاصلها “من فوق إلى تحت”. وكانت أيضًا محطة التأسيس الثانية لـ”البازار الكبير” المسمى “الإرهاب السنّي” بوصفه علامة تجارية سياسية وأمنية ذات رواج دولي، كرّست انتقال الوصاية من نظام بشار الأسد إلى نظام الملالي، بعدما أتقن الأول لعبة الاستثمار في هذا الملف قبل أن تنقلب عليه.
بيد أن 7 أيار كانت أيضًا لحظة صعود “الحزب” إلى الهاوية. فمنذ اجتياح بيروت، فقد ما تبقّى له من تعاطف وطني. وعلى أنقاض تلك المرحلة بُني نظام أدمن صناعة الإرهاب واستخدامها كأداة لإخضاع فئة محددة وخنقها سياسيًا واجتماعيًا. الحقيقة التي جرى طمسها أن السنّة تحوّلوا مذّاك إلى مدانين دائمين. فكل من أوقفته الأجهزة الأمنية إبّان لحظة العار تلك، حتى ولو كان يحمل سلاحًا فرديًا دفاعًا عن منزله أو رزقه في مواجهة الاجتياح الميليشياوي، وُضعت على سجلّه إشارة تمنعه من التوظف في مؤسسات الدولة، ولو كعامل بسيط. وهذا سابق لظهور الشيخ أحمد الأسير، وتفجّر الثورة السورية، وأحداث طرابلس وعرسال وما تلاها.
لذلك، فالقضية اليوم ليست في عدد المطلوب شمولهم بالعفو، وبالمناسبة هم أقل من 100 لبناني، بل في طبيعة المحاكمات وما أنتجته من أحكام مشبوهة، في ظل قضاء من قماشة العميد منير شحادة، معزّز بدعاية مكثفة ومروّعة عبثت بهوية أبناء المناطق السنّية، ورسّخت تعريفًا يختزن كل معاني التمييز: كل سنّي إرهابي محتمل.
وهنا بالضبط تكمن أهمية العفو رغم كونه أداة استثنائية، حيث يمثّل اعتذارًا معنويًا وأخلاقيًا متأخرًا من الدولة، يمهّد لفتح صفحة جديدة في العقد الاجتماعي، ويعيد دمج فئة كاملة عوملت كجماعة مشبوهة، أسوة بما يُقدّم لجلادي “الحزب” من عروض احتواء وتسويات، كي يشعر الجميع حقًا أن الدولة ضمانة لجميع مواطنيها. كما يشكّل خطوة مهمة لتفكيك ما يُعرف بـ”وثائق الاتصال” و”لوائح الإخضاع” التي تحوّلت إلى أدوات عقاب سياسي.
أما محاولات استدعاء دماء العسكريين كإطار قانوني وأخلاقي لحرف النقاش عن موضعه، فتتجاهل حقيقة أساسية: “الحزب” يتحمّل، معنويًا على الأقل، مسؤولية سقوط شهداء من الجيش نتيجة رفضه التعاون في تفكيك ترسانته الصاروخية. كما أن العدالة العوراء نفسها كانت أحد الأسباب الرئيسية في بروز الشيخ أحمد الأسير وآخرين كظواهر تجسّد آليات دفاع تقليدية لدى الجماعات التي تشعر بالاضطهاد والاستهداف.
في المقابل، يعيش سليم عياش ورفاقه القتلة المدانون باغتيال رفيق الحريري أحرارًا. وملفات قضايا الاغتيال، من سمير قصير إلى لقمان سليم وجو بجاني وما بينها، خاوية. والعنصر الذي قتل عسكريًا إيرلنديًا في “اليونيفيل” خرج من المحكمة العسكرية ملوّحًا بيديه بعد إفراج صحي. وحتى اليوم لا يزال مقاتلو “الحزب” يحظون بمحاكمات شكلية تنتهي بكفالات هزلية. حتى إن فرنسا اعترضت على غياب الجدية في التحقيق بقتل اثنين من عناصرها.
بالمنطق البسيط: السنّة نالوا عقابًا جماعيًا بسبب مناصرتهم الثورة السورية، رغم أنهم وقفوا إلى الجانب الصحيح من التاريخ، بينما لم يُحاسب “حزب الله”، ومن والاه، يومًا على سجله الإجرامي الممتد من اغتيال رفيق الحريري و7 أيار، إلى اعتقال قرار الدولة وإقحام لبنان في حروب مع إسرائيل وصراعات عبثية مع الدول العربية.
وعليه، يُفترض أن يكون قانون العفو نقطة النهاية للنظام الناشئ على أنقاض غزوة العار، وليس وسيلة لتبييض سجلات بارونات المخدرات وتجديد المعادلات التي تتحكم بالاقتصاد الأسود، بينما يُترك من عوقبوا بلا رحمة على موقفهم السياسي أو هويتهم الدينية أسرى وصمة أبدية.






