لماذا نجت منطقة العرقوب من مصير جبل عامل؟

الكاتب: محمد أبي سمرا | المصدر: المدن
9 أيار 2026

فيما تُغرِق إسرائيل جبلَ عامل وضاحية بيروت الجنوبية وبعض مناطق البقاع، وأحيانًا بيروت كلها، بالدم والدمار والتشرّد والضياع منذ سنتين ونيف، يحارُ المرء كيف يعرض تمكًن أهالي منطقة العرقوب المتاخمة لجبل عامل، في أقصى جنوب لبنان الشرقي على مثلث الحدود اللبنانية السورية والفلسطينية (الإسرائيلية)، من النجاة -موقتًا ربما- من مصير الجنوب الأسود، ومن تخبط لبنان كله وتشظيه مناطق وجماعات متضاربة التطلعات والإرادات في حرب إقليمية دولية يخوضها حزبُ جماعة من جماعاته ضد إسرائيل، وتُعارض الجماعات الأخرى خوضها وتعتبرها تضحية خالصة بلبنان ومصيرة على مذبح المصالح الإيرانية.

العرقوب وجبل عامل

وكانت حدود العرقوب، أسوة بحدود لبنان كله، قد صُنعت -قبل نشوء الدولة الصهيونية في فلسطين- بإرادات قوى دولية استعمارية عظمى متنازعة، وأخرى محلية، أهلية قلقة ومضطربة ومتنازَعة الإرادات والخيارات، وظلت “تتعايش” على قلقٍ وتتربص كل جماعة منها بالأخرى. وسالت بين أهلها دماء غزيرة في حروب أهلية إقليمية، لا تزال حتى الساعة تتناسل وتتكرر بقوىً وأشكال وظروف كثيرة متقلِّبة.

وتمتد منطقة العرقوب -الناجية موقتًا من المصير الأسود لجبل عامل الذي يتاخمها-من مزارع شبعا المحتلة (من يتذكر اليوم أنها تحوّلت فجأة جوهرة مقاومة “حزب الله”، وذريعة استمرارها، بعد جلاء الاحتلال الإسرائيلي عن شريط البلدات والقرى الحدودية الجنوبية في العام 2000؟)، حتى بلدة عين عطا على سفوح جبل الشيخ الغربية، وهبوطًا منها حتى مجرى نهر الحاصباني في وادي التيم، الذي تطل عليه من الغرب بلدة مشغرة على جبل الريحان، كما تطل بلدة العيشية على مدينة مرجعيون، ويفصل بينهما مجرى نهر الليطاني في وادي برغز العميق المتصل بوادي الخردلي، الممتد حتى دير ميماس أسفل قلعة الشقيف.

وعلى ضفتي سهل فسيح يمتد حتى شمال فلسطين، تربض مرجعيون والخيام متقابلتين ومرتفعتين قليلًا في مشهد بانورامي أخاذ يملأه النسيم ونور الشمس. والمشهد وسماع رجع أجراس كنائس مرجعيون في الخيام، حملا الشاعرَ حسن عبدالله على القول في قصيدة له عن بلدته (الخيام): “والياس والأجراس سالت على آحاد مرجعيون”. وإلياس هو الشاعر إلياس لحود من مرجعيون وصديق حسن عبدالله، وكانت حرب السنتين الأهلية (1975- 1976) قد باعدت بين الصديقين الشاعرين على ضفتي السهل الفسيح.  

وتضم منطقة العرقوب بلدات وقرى ومزارع يتخالط ويتجاور فيها سنّة ودروز ومسيحيون، على تخوم جبل عامل الشيعي الممتد من غرب مدينة الخيام إلى الناقورة على شاطئ المتوسط. وتنتشر بلدات العرقوب على سفوح جبل الشيخ الغربية: من إبل السقي (المسيحية-الدرزية) في جنوب سهل مرجعيون- الخيام، إلى كوكبا (المسيحية) على تلة تطل على نبع الوزاني القريب. فإلى الهبارية (السنّية) والفرديس (الدرزية) في بداية وادٍ عميق موحش، يمتد إلى شبعا (السنّية-المسيحية، قبل هجرة مسيحييها وخلوّها منهم). وعلى هضاب مرتفعة قليلًا بين أجمات من أشجار صنوبر يندر في الجنوب كله، تربض كفرحمام (السنية) وراشيا الفخار (المسيحية)، وفي الأعالي كفرشوبا (السنّية)، مشرفة على مرجعيون والخيام والسهل الفسيح بينهما. 

أما حاصبيا المدينة (الدرزية-المسيحية-السنّية) الوحيدة في العرقوب ومركزه الإداري، فتشرف على واديها ومجرى نهرها، وتجاورها أبو قمحة (المسيحية المهجورة تقريبًا) والخلوات وشويا وعين قنيا (الدرزية)، وصولًا إلى ميمس والكفير (الدرزيّتين-المسيحيتين) في جنوب البقاع الغربي. وفي المنخفضات على تخوم سهل مرجعيون-الخيام الشرقية، نشأت مزارع عدة لإشتاء قطعان الماعز، قبل تحوّلها إلى قرى مستقرة السكان: الغجر وعين عرب (السنيتين)، المجيدية (الدرزية، نسبة إلى الأمير مجيد أرسلان) وحلتا (السنية) التابعة لكفرشوبا، والمارية (الدرزية)…

والعرقوب منطقة غنية بالينابيع: نبعا شبعا اللذان جُرّت من أحدهما في الثلاثينات مياه الشرب إلى قرى جبل عامل الشرقية. ثم نبع الوزاني في منخفض سوق الخان التقليدي القديم أسفل الفرديس والهبارية في الوادي. أما نبع الحاصباني فهو الأكبر والأغزر في المنطقة. وهذه الينابيع مع نبع اللّدان في شمال سهل الحولة، ونبع بيت جن على أسفل المقلب الشرقي السوري لجبل الشيخ، تشكّل مجتمعة روافد نهر الأردن الذي يجري بين الضفة الغربية الفلسطينية والداخل الأردني.

ومثل جبل عامل وجنوب لبنان ولبنان كله، تميّزت منطقة العرقوب بتاريخها الاجتماعي السياسي القلق والمضطرب، أقله منذ نشأة دولة لبنان الكبير في العام 1920.

لكن هل في المشرق العربي من دولة ومنطقة وجماعة خلا تاريخها من الحيرة والارتجاج، قبل استيلاءُ الصهاينة اليهود على فلسطين في العام 1948، وبعده؟ غير أن ذاك الحدث الكبير انعطف بالدول المشرقية وجماعاتها منعطفًا أدخلها مع مصر في متاهة من الخيارات الإقليمية والدولية الصعبة والعسيرة، ومن الحروب الخاسرة مع الدولة الاستعمارية الاستيطانية في فلسطين. وهي الحروب التي ارتدّت حروبًا أهلية إقليمية مشرقية، دفعتها إيران الخمينية إلى أقاصيها، بعدما اختارت، بطموحها الإمبراطوري المستجد، أن تتسلل إلى الصدوع الأهلية الطائفية المشرقية، فوسّعتها وسعّرت حروبها، حتى غرقت هي أخيرًا في متاهة الحروب الإقليمية الدولية، وجعلت شيعة لبنان درّة تاجها في الشرق الأوسط.

مجندو “سرايا المقاومة” السُّنّة

وبعد أن ابتهج “حزب الله” بتحرير شريط البلدات الحدودية جوب لبنان في العام 2000، وبعد حرب تموز 2006 بينه وبين إسرائيل وحتى حرب “إسناده غزة” في 8 أكتوبر 2023، تمكّن حزب المقاومة الإسلامية الشيعي -حسب شهادات كثرة من مخاتير ورؤساء بلديات ورجال دين وناشطين اجتماعيين مدنيين ونواب سابقين في بلدات العرقوب- من تجنيد مجموعات شابة ومتوسطة الأعمار من أهل الضعف والعزلة الجغرافية والاجتماعية والسياسية في بلدات العرقوب السُّنية تحديدًا (شبعا، كفرشوبا، كفرحمام، والهبارية) في ما يسميه الحزب إياه “سرايا المقاومة”.

والتجنيد هذا يتغذى من سوابق تاريخية وعوامل اجتماعية واقتصادية كثيرة:

– إقامة منظمات المقاومة الفلسطينية قواعدها العسكرية في العرقوب منذ أواخر ستينيات القرن العشرين حتى العام 1982. ولا يختلف العرقوب في هذا عن قرى جبل عامل الحدودية.

– نشوء ما سمّي “الإدارة المدنية” بإمرة الاحتلال الإسرائيلي في بلدات الشريط الجنوبي الحدودي وقراه، حتى تحريرها في العام 2000.

– هامشية العرقوب وجبل عامل الاقتصادية وغياب التنمية فيهما، منذ نشأة دولة لبنان الكبير في العام 1920. واشتداد الهامشية وغياب التنمية وتداخلهما مع الهجرة إلى المدن، بعد نكبة فلسطين (1948) وهزيمة حزيران 1967، وإقامة منظمات المقاومة الفلسطينية في الجنوب.

أما العوامل الأقرب زمنًا والأكثر فاعلية في تجنيد “سرايا المقاومة” في قرى العرقوب السنّية، فهي: 

– هامشيتها الاقتصادية والاجتماعية القصوى بعد تحرير العام 2000، وعزلة أهلها هناك في أقصى جنوب لبنان الشرقي، على خلاف نهضة الجنوب العاملي الشيعي عمرانيًا واقتصاديًا وسياسيًا بقيادة الثنائي “حزب الله” و”أمل” وسيطرتهما على مفاصل الحكم والإدارة والقرار في الدولة اللبنانية حتى العام 2024. 

– وجود مناصرين من أهالي تلك القرى لـِ “السرايا”، أمثال “الجماعة الإسلامية” التي عمل “حزب الله” على شقِّها واستتباع جناح كبير منها وتمويله. وهذا بعدما كانت توالي زعامة رفيق الحريري قبل اغتياله في العام 2005. وهناك أيضًا “هيئة أبناء العرقوب” الناصرية التأسيس في شبعا، قبل موالاتها نظام حافظ وبشار الأسد السوري، و”حزب الله” في لبنان. وكان ناشط في “الجماعة الإسلامية” يدير مستوصفًا صحيًا في شبعا قد اغتيل فيها، أثناء قتال “حزب الله” في سوريا إلى جانب نظام الأسد، ولجوء كثرة من العائلات والثوار والجرحى السوريين إلى شبعا، مجتازين جبل الشيخ. وبعد ذاك الاغتيال بدأ أنصار “الجماعة الإسلامية” يوالون “حزب الله” ويستفيدون من مساعداته المالية.

– وكان العوز والفقر الدافع المباشر لانخراط مجنّدين سنّة من العرقوب في “السرايا”. فكثرة من أبناء شبعا كانوا يعتاشون على عمليات التهريب الحدودي على البغال بين لبنان وسوريا عبر مرتفعات جبل الشيخ الوعرة. والمجنّد في “السرايا” يتقاضى 150- 200 دولار شهريًا ويحصل على بندقية، لقاء ولائه لـ”حزب الله” وتنفيذه بعض مهام هامشية وتقديمه معلومات عن أهالي البلدات وميولهم السياسية. وهذا ما يمنح المجنّد نفوذًا وتصدّرًا بين الأهالي، ويغذي الانقسامات العائلية في تلك البلدات.

لكن التجنيد امتنع تمامًا على “حزب الله” في البلدات غير السنّية، أي المسيحية والدرزية والسنّية المختلطة: إبل السقي، كوكبا، راشيا الفخار، الفرديس، حاصبيا، عين قنيا، شويا، وميمس.

وروى الناشط والصحافي جاد شحرور، ابن بلدة كفر حمام، أن المجنّدين السنّة في “السرايا” تشيّعوا اجتماعيًا وسياسيًا وثقافيًا، وصاروا يشاركون في الشعائر والطقوس الحزبية الدينية التي يقيمها “حزب الله” وجمهوره. لكنهم كانوا يقصرون إحياءها على بيوتهم، من دون الأماكن العامة في القرى التي تظهر فيها بيارق وأعلام الحزب وشعاراته.

فرار “السرايا” وتدمير القرى

وروى الناشط والكاتب زياد ضاهر، ابن بلدة شبعا، أن مجنّدي “سرايا المقاومة” في بلدات العرقوب السنّية، سرعان ما تحركوا في مهات عسكرية في بلداتهم ما أن بدأت حرب “إسناد غزة” في 8 أكتوبر 2023. ويُجمع أهالي البلدات على أن تلك التحركات لا تسند ولا تنصر أحدًا، ولا غاية لها سوى ضرب مجندي “السرايا” بسيف من تقاضوا منه مخصصات مالية، ولا تؤدي ضرباتهم إلا إلى خراب بلداتهم وتهجير أهلها منها.

وهذا ما حدث فعلًا بالتمام والكمال، بعدما أنجزت إسرائيل عملها التدميري والإبادي في غزة، وباشرته في جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية في الشهرين الأخيرين من العام 2024، وحتى اتفاق وقف إطلاق النار الذي اقتصر على “حزب الله” وحده، فيما استمرت إسرائيل في اغتيالات منهجية لعناصر وقادة الحزب طوال العام 2025. وبعد سقوط نظام الأسد في سوريا قبيل نهاية العام الذي سبقه، باشرت أيضًا توغلاتها في الأراضي السورية وقصفها أهدافًا كثيرة فيها، من دون أن يتوقف النظام السوري الجديد عن طلبه إجراء مفاوضات أمنية مع الحكومة الإسرائيلية.

وفي شهري الحرب المدمرة في نهاية العام 2024، فرّ أهالي قرى العرقوب السنّية (شبعا، كفرشوبا، الهبارية وكفرحمام) ونزحوا جميعًا منها، وسرعان ما فرَّ منها أيضًا معظم مجندي “سرايا المقاومة”، ليبادر “حزب الله” إلى بعض أعمال عسكرية فيها، انطلاقًا من بيوتها المهجورة التي عمل الجيش الإسرائيلي على قصفها وتدمير كثرة منها: عشرات البيوت في كل من تلك القرى.

ولما عاد أهالي تلك البلدات إلى بيوتهم فيها بعد وقف إطلاق نار “حرب إسناد غزة”، وجدوا تحت ركامها بقايا قطع أسلحة محطمة وجثث قتلى من “حزب الله”، فدُفنت كودائع في انتظار التعرف عليها ونقلها لدفنها في البلدات التي يتحدرون منها. وكان مفتي العرقوب الشيخ حسن دلّة قد رافق مواكب أهالي تلك القرى العائدين. ولما حاول الجيش اللبناني منعهم من الدخول إلى قراهم، اتصل المفتي بقائد الجيش محتجًا وطالبًا منه أن يمكث الجيش في القرى إلى جانب الأهلي العائدين. وهذا ما حصل فعلًا.

انقلاب الأهالي على “حزب الله”

وطوال سنة 2025، وحتى مباشرة “حزب الله” حرب “إسناد إيران” في 2 شباط 2026، انهمك أهالي قرى العرقوب السنّية في إصلاح بيوتهم المدمّرة والمتصدّعة، مصممين على البقاء والصمود فيها وعدم مغادرتها. تلقوا بعض المساعدات المالية من “جهاد البناء” التابعة لـِ “حزب الله”، حسب شهادة رئيس بلدية كفرشوبا واتحاد بلديات العرقوب قاسم القادري. لكن مالية الحزب سرعان ما نضبت، فتوقف عن دفع المساعدات المالية في معظم المناطق المدمّرة. الهيئات الأهلية والبلدية في سائر بلدات العرقوب وقراه بادرت سريعًا إلى لمِّ شمل الأهالي، مؤازرتهم وجمع التبرعات لمساعدتهم في بناء بيوتهم، وقامت بنشاطات اجتماعية واتصالات سياسية برئاستي الحكومة والجمهورية وقيادة الجيش، معلنةً استقلال قراها عن “مقاومة حزب الله”، وولائها للدولة اللبنانية ومؤسساتها، وعدم السماح لأي جهة مسلحة من دخول المنطقة وقراها وبلداتها، سوى القوى الأمنية والعسكرية والحكومية اللبنانية. ونجم عن تلك النشاطات تضامن أهلي متماسك ومستقل في تلك البلدات والقرى المختلطة طائفيًا. وتعاون الأهالي مع الجيش اللبناني في أعمال المراقبة والحفاظ على الأمن، لمنع مجنّدي “السرايا” وسواهم من عناصر “حزب الله” من العودة إلى العرقوب، ولثبات الأهالي في أرضهم وبيوتهم وعدم مغادرتها.

وقال نائب شبعا السابق في البرلمان، منيف الخطيب: لو استجاب أهالي شبعا دعوتنا إياهم عدم مغادرتهم مزارع شبعا وتركها في مطلع السبعينات، لما كانت إسرائيل احتلتها وضمتها إلى الجولان السوري الذي احتلته في العام 1967. وهو قال ذلك في معرض حديثه عن “المبادرة الصائبة والجريئة” التي أقدم عليها الأهالي وهيئاتهم المحلية في نشاطها المثمر طوال سنة، للتشبث بالبقاء في بلداتهم و”تحرير قراهم من ربقة الالتباسات والتداخلات التي أدت إلى تهميشهم والتلاعب بمصيرهم منذ أواخر ستينات القرن العشرين”.

وكل من أدلى بشهادته من هيئات بلدات العرقوب البلدية وأهاليها، اعتبر أن النشاط العسكري لمجنّدي “سرايا المقاومة” ولعناصر “حزب الله” في بلداتهم ما كان ليؤدي إلا لنزوح الأهالي مجددًا، ولتشجيع إسرائيل على ضم العرقوب إلى المنطقة العازلة المحروقة التي عمل الجيش الإسرائيلي على إقامتها في بلدات جبل عامل جنوب الليطاني، ويعمل على استكمال حرقها وعزلها وإخلائها من السكان وتدمير عمرانها تدميرًا شاملًا. وهذا ما نجت منه بلدات العرقوب في حرب “الإسناد” الثانية لإيران، بعد الأولى لغزة.

وحدث في “الإسناد” الثاني بعض محاولات من بقايا “السرايا” و”حزب الله” لزج العرقوب مجددًا في المحرقة. لكن المحاولات فشلت، على الرغم من تعرّض أطراف بلدات شبعا وكفرحمام والهبارية وراشيا الفخار لقصف إسرائيلي. وصمد الأهالي في بلداتهم وبيوتهم. آزروا الجيش في دوريات غير مسلحة لحماية البلدات من تسلل مسلحين إليها. دمر القصف الإسرائيلي بيوتًا لمجنّدين في “السرايا”: نحو 10 بيوت في شبعا، وأكثر منها في كفرشوبا. واغتالت إسرائيل 9 مجندين من “سرايا” شبعا الذين فروا منها إلى صيدا. قبل اغتيال التسعة في مقهى افتتحه قائدهم في المدينة، كانوا 30 في المقهى الذي غادره 21 منهم قبيل تنفيذ العملية.

أسئلة صعبة

وقال جاد شحرور إن منطقة العرقوب هي “أولى خسائر حزب الله”. وهو يعتبر أن ما حدث فيها طوال سنة وشهرين، يمكن اعتماده كنموذج يُحتذى وقابل للتعميم في المناطق التي يسيطر عليها “حزب الله”. وهذا برأيه يغالط المقولة السائدة عن أن مواجهة الحزب المذكور، ومنع الجيش اللبناني والأهالي عناصرَه من التترس بهم وببيوتهم في عملياته القتالية، يؤدي إلى حرب أهلية. 

نجح هذا (موقتًا؟) في العرقوب وبيئته المختلطة طائفيًا، وهي لا توالي أصلًا “حزب الله”، وحيث يمكن للمجتمع الأهلي المحلي المتماسك والناشط مع هيئاته البلدية أن يعزل ويخنق مجندي “سرايا المقاومة” من غير الشيعة حكمًا، والمتشيعين ثقافيًا وسياسيًا، والمستفيدين ماليًا من مخصصات الحزب الشهرية. 

لكن يبقى السؤال الصعب قائمًا: كيف يمكن للبيئة الشيعية الحاضنة، بل الملتحمة التحامًا وجوديًا بـِ “حزب الله” -أي تربويًا وعقائديًا ودينيًا وسياسيًا، وفي نسيجها الاجتماعي والعمراني والاقتصادي، وإقامة أهلها ونزوحهم وتشرّدهم وحياتهم وموتهم كأبناء رسالة دنيوية وأخروية معًا، أقله منذ 3 عقود وجيلين- كيف يمكن هذا كله أن تنفك عراه ويتلاشى ويزول؟

وهناك أيضًا السؤال الأصعب: ماذا عن إسرائيل الدولة التي أدمنت الحرب والاحتلال والاستيطان الاستعماريين، وسياسة الإبادة والأرض المحروقة، فيما معظم العالم ينظر إليها صامتًا وبين الريبة والإعجاب؟ 

لماذا نجت منطقة العرقوب من مصير جبل عامل؟

الكاتب: محمد أبي سمرا | المصدر: المدن
9 أيار 2026

فيما تُغرِق إسرائيل جبلَ عامل وضاحية بيروت الجنوبية وبعض مناطق البقاع، وأحيانًا بيروت كلها، بالدم والدمار والتشرّد والضياع منذ سنتين ونيف، يحارُ المرء كيف يعرض تمكًن أهالي منطقة العرقوب المتاخمة لجبل عامل، في أقصى جنوب لبنان الشرقي على مثلث الحدود اللبنانية السورية والفلسطينية (الإسرائيلية)، من النجاة -موقتًا ربما- من مصير الجنوب الأسود، ومن تخبط لبنان كله وتشظيه مناطق وجماعات متضاربة التطلعات والإرادات في حرب إقليمية دولية يخوضها حزبُ جماعة من جماعاته ضد إسرائيل، وتُعارض الجماعات الأخرى خوضها وتعتبرها تضحية خالصة بلبنان ومصيرة على مذبح المصالح الإيرانية.

العرقوب وجبل عامل

وكانت حدود العرقوب، أسوة بحدود لبنان كله، قد صُنعت -قبل نشوء الدولة الصهيونية في فلسطين- بإرادات قوى دولية استعمارية عظمى متنازعة، وأخرى محلية، أهلية قلقة ومضطربة ومتنازَعة الإرادات والخيارات، وظلت “تتعايش” على قلقٍ وتتربص كل جماعة منها بالأخرى. وسالت بين أهلها دماء غزيرة في حروب أهلية إقليمية، لا تزال حتى الساعة تتناسل وتتكرر بقوىً وأشكال وظروف كثيرة متقلِّبة.

وتمتد منطقة العرقوب -الناجية موقتًا من المصير الأسود لجبل عامل الذي يتاخمها-من مزارع شبعا المحتلة (من يتذكر اليوم أنها تحوّلت فجأة جوهرة مقاومة “حزب الله”، وذريعة استمرارها، بعد جلاء الاحتلال الإسرائيلي عن شريط البلدات والقرى الحدودية الجنوبية في العام 2000؟)، حتى بلدة عين عطا على سفوح جبل الشيخ الغربية، وهبوطًا منها حتى مجرى نهر الحاصباني في وادي التيم، الذي تطل عليه من الغرب بلدة مشغرة على جبل الريحان، كما تطل بلدة العيشية على مدينة مرجعيون، ويفصل بينهما مجرى نهر الليطاني في وادي برغز العميق المتصل بوادي الخردلي، الممتد حتى دير ميماس أسفل قلعة الشقيف.

وعلى ضفتي سهل فسيح يمتد حتى شمال فلسطين، تربض مرجعيون والخيام متقابلتين ومرتفعتين قليلًا في مشهد بانورامي أخاذ يملأه النسيم ونور الشمس. والمشهد وسماع رجع أجراس كنائس مرجعيون في الخيام، حملا الشاعرَ حسن عبدالله على القول في قصيدة له عن بلدته (الخيام): “والياس والأجراس سالت على آحاد مرجعيون”. وإلياس هو الشاعر إلياس لحود من مرجعيون وصديق حسن عبدالله، وكانت حرب السنتين الأهلية (1975- 1976) قد باعدت بين الصديقين الشاعرين على ضفتي السهل الفسيح.  

وتضم منطقة العرقوب بلدات وقرى ومزارع يتخالط ويتجاور فيها سنّة ودروز ومسيحيون، على تخوم جبل عامل الشيعي الممتد من غرب مدينة الخيام إلى الناقورة على شاطئ المتوسط. وتنتشر بلدات العرقوب على سفوح جبل الشيخ الغربية: من إبل السقي (المسيحية-الدرزية) في جنوب سهل مرجعيون- الخيام، إلى كوكبا (المسيحية) على تلة تطل على نبع الوزاني القريب. فإلى الهبارية (السنّية) والفرديس (الدرزية) في بداية وادٍ عميق موحش، يمتد إلى شبعا (السنّية-المسيحية، قبل هجرة مسيحييها وخلوّها منهم). وعلى هضاب مرتفعة قليلًا بين أجمات من أشجار صنوبر يندر في الجنوب كله، تربض كفرحمام (السنية) وراشيا الفخار (المسيحية)، وفي الأعالي كفرشوبا (السنّية)، مشرفة على مرجعيون والخيام والسهل الفسيح بينهما. 

أما حاصبيا المدينة (الدرزية-المسيحية-السنّية) الوحيدة في العرقوب ومركزه الإداري، فتشرف على واديها ومجرى نهرها، وتجاورها أبو قمحة (المسيحية المهجورة تقريبًا) والخلوات وشويا وعين قنيا (الدرزية)، وصولًا إلى ميمس والكفير (الدرزيّتين-المسيحيتين) في جنوب البقاع الغربي. وفي المنخفضات على تخوم سهل مرجعيون-الخيام الشرقية، نشأت مزارع عدة لإشتاء قطعان الماعز، قبل تحوّلها إلى قرى مستقرة السكان: الغجر وعين عرب (السنيتين)، المجيدية (الدرزية، نسبة إلى الأمير مجيد أرسلان) وحلتا (السنية) التابعة لكفرشوبا، والمارية (الدرزية)…

والعرقوب منطقة غنية بالينابيع: نبعا شبعا اللذان جُرّت من أحدهما في الثلاثينات مياه الشرب إلى قرى جبل عامل الشرقية. ثم نبع الوزاني في منخفض سوق الخان التقليدي القديم أسفل الفرديس والهبارية في الوادي. أما نبع الحاصباني فهو الأكبر والأغزر في المنطقة. وهذه الينابيع مع نبع اللّدان في شمال سهل الحولة، ونبع بيت جن على أسفل المقلب الشرقي السوري لجبل الشيخ، تشكّل مجتمعة روافد نهر الأردن الذي يجري بين الضفة الغربية الفلسطينية والداخل الأردني.

ومثل جبل عامل وجنوب لبنان ولبنان كله، تميّزت منطقة العرقوب بتاريخها الاجتماعي السياسي القلق والمضطرب، أقله منذ نشأة دولة لبنان الكبير في العام 1920.

لكن هل في المشرق العربي من دولة ومنطقة وجماعة خلا تاريخها من الحيرة والارتجاج، قبل استيلاءُ الصهاينة اليهود على فلسطين في العام 1948، وبعده؟ غير أن ذاك الحدث الكبير انعطف بالدول المشرقية وجماعاتها منعطفًا أدخلها مع مصر في متاهة من الخيارات الإقليمية والدولية الصعبة والعسيرة، ومن الحروب الخاسرة مع الدولة الاستعمارية الاستيطانية في فلسطين. وهي الحروب التي ارتدّت حروبًا أهلية إقليمية مشرقية، دفعتها إيران الخمينية إلى أقاصيها، بعدما اختارت، بطموحها الإمبراطوري المستجد، أن تتسلل إلى الصدوع الأهلية الطائفية المشرقية، فوسّعتها وسعّرت حروبها، حتى غرقت هي أخيرًا في متاهة الحروب الإقليمية الدولية، وجعلت شيعة لبنان درّة تاجها في الشرق الأوسط.

مجندو “سرايا المقاومة” السُّنّة

وبعد أن ابتهج “حزب الله” بتحرير شريط البلدات الحدودية جوب لبنان في العام 2000، وبعد حرب تموز 2006 بينه وبين إسرائيل وحتى حرب “إسناده غزة” في 8 أكتوبر 2023، تمكّن حزب المقاومة الإسلامية الشيعي -حسب شهادات كثرة من مخاتير ورؤساء بلديات ورجال دين وناشطين اجتماعيين مدنيين ونواب سابقين في بلدات العرقوب- من تجنيد مجموعات شابة ومتوسطة الأعمار من أهل الضعف والعزلة الجغرافية والاجتماعية والسياسية في بلدات العرقوب السُّنية تحديدًا (شبعا، كفرشوبا، كفرحمام، والهبارية) في ما يسميه الحزب إياه “سرايا المقاومة”.

والتجنيد هذا يتغذى من سوابق تاريخية وعوامل اجتماعية واقتصادية كثيرة:

– إقامة منظمات المقاومة الفلسطينية قواعدها العسكرية في العرقوب منذ أواخر ستينيات القرن العشرين حتى العام 1982. ولا يختلف العرقوب في هذا عن قرى جبل عامل الحدودية.

– نشوء ما سمّي “الإدارة المدنية” بإمرة الاحتلال الإسرائيلي في بلدات الشريط الجنوبي الحدودي وقراه، حتى تحريرها في العام 2000.

– هامشية العرقوب وجبل عامل الاقتصادية وغياب التنمية فيهما، منذ نشأة دولة لبنان الكبير في العام 1920. واشتداد الهامشية وغياب التنمية وتداخلهما مع الهجرة إلى المدن، بعد نكبة فلسطين (1948) وهزيمة حزيران 1967، وإقامة منظمات المقاومة الفلسطينية في الجنوب.

أما العوامل الأقرب زمنًا والأكثر فاعلية في تجنيد “سرايا المقاومة” في قرى العرقوب السنّية، فهي: 

– هامشيتها الاقتصادية والاجتماعية القصوى بعد تحرير العام 2000، وعزلة أهلها هناك في أقصى جنوب لبنان الشرقي، على خلاف نهضة الجنوب العاملي الشيعي عمرانيًا واقتصاديًا وسياسيًا بقيادة الثنائي “حزب الله” و”أمل” وسيطرتهما على مفاصل الحكم والإدارة والقرار في الدولة اللبنانية حتى العام 2024. 

– وجود مناصرين من أهالي تلك القرى لـِ “السرايا”، أمثال “الجماعة الإسلامية” التي عمل “حزب الله” على شقِّها واستتباع جناح كبير منها وتمويله. وهذا بعدما كانت توالي زعامة رفيق الحريري قبل اغتياله في العام 2005. وهناك أيضًا “هيئة أبناء العرقوب” الناصرية التأسيس في شبعا، قبل موالاتها نظام حافظ وبشار الأسد السوري، و”حزب الله” في لبنان. وكان ناشط في “الجماعة الإسلامية” يدير مستوصفًا صحيًا في شبعا قد اغتيل فيها، أثناء قتال “حزب الله” في سوريا إلى جانب نظام الأسد، ولجوء كثرة من العائلات والثوار والجرحى السوريين إلى شبعا، مجتازين جبل الشيخ. وبعد ذاك الاغتيال بدأ أنصار “الجماعة الإسلامية” يوالون “حزب الله” ويستفيدون من مساعداته المالية.

– وكان العوز والفقر الدافع المباشر لانخراط مجنّدين سنّة من العرقوب في “السرايا”. فكثرة من أبناء شبعا كانوا يعتاشون على عمليات التهريب الحدودي على البغال بين لبنان وسوريا عبر مرتفعات جبل الشيخ الوعرة. والمجنّد في “السرايا” يتقاضى 150- 200 دولار شهريًا ويحصل على بندقية، لقاء ولائه لـ”حزب الله” وتنفيذه بعض مهام هامشية وتقديمه معلومات عن أهالي البلدات وميولهم السياسية. وهذا ما يمنح المجنّد نفوذًا وتصدّرًا بين الأهالي، ويغذي الانقسامات العائلية في تلك البلدات.

لكن التجنيد امتنع تمامًا على “حزب الله” في البلدات غير السنّية، أي المسيحية والدرزية والسنّية المختلطة: إبل السقي، كوكبا، راشيا الفخار، الفرديس، حاصبيا، عين قنيا، شويا، وميمس.

وروى الناشط والصحافي جاد شحرور، ابن بلدة كفر حمام، أن المجنّدين السنّة في “السرايا” تشيّعوا اجتماعيًا وسياسيًا وثقافيًا، وصاروا يشاركون في الشعائر والطقوس الحزبية الدينية التي يقيمها “حزب الله” وجمهوره. لكنهم كانوا يقصرون إحياءها على بيوتهم، من دون الأماكن العامة في القرى التي تظهر فيها بيارق وأعلام الحزب وشعاراته.

فرار “السرايا” وتدمير القرى

وروى الناشط والكاتب زياد ضاهر، ابن بلدة شبعا، أن مجنّدي “سرايا المقاومة” في بلدات العرقوب السنّية، سرعان ما تحركوا في مهات عسكرية في بلداتهم ما أن بدأت حرب “إسناد غزة” في 8 أكتوبر 2023. ويُجمع أهالي البلدات على أن تلك التحركات لا تسند ولا تنصر أحدًا، ولا غاية لها سوى ضرب مجندي “السرايا” بسيف من تقاضوا منه مخصصات مالية، ولا تؤدي ضرباتهم إلا إلى خراب بلداتهم وتهجير أهلها منها.

وهذا ما حدث فعلًا بالتمام والكمال، بعدما أنجزت إسرائيل عملها التدميري والإبادي في غزة، وباشرته في جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية في الشهرين الأخيرين من العام 2024، وحتى اتفاق وقف إطلاق النار الذي اقتصر على “حزب الله” وحده، فيما استمرت إسرائيل في اغتيالات منهجية لعناصر وقادة الحزب طوال العام 2025. وبعد سقوط نظام الأسد في سوريا قبيل نهاية العام الذي سبقه، باشرت أيضًا توغلاتها في الأراضي السورية وقصفها أهدافًا كثيرة فيها، من دون أن يتوقف النظام السوري الجديد عن طلبه إجراء مفاوضات أمنية مع الحكومة الإسرائيلية.

وفي شهري الحرب المدمرة في نهاية العام 2024، فرّ أهالي قرى العرقوب السنّية (شبعا، كفرشوبا، الهبارية وكفرحمام) ونزحوا جميعًا منها، وسرعان ما فرَّ منها أيضًا معظم مجندي “سرايا المقاومة”، ليبادر “حزب الله” إلى بعض أعمال عسكرية فيها، انطلاقًا من بيوتها المهجورة التي عمل الجيش الإسرائيلي على قصفها وتدمير كثرة منها: عشرات البيوت في كل من تلك القرى.

ولما عاد أهالي تلك البلدات إلى بيوتهم فيها بعد وقف إطلاق نار “حرب إسناد غزة”، وجدوا تحت ركامها بقايا قطع أسلحة محطمة وجثث قتلى من “حزب الله”، فدُفنت كودائع في انتظار التعرف عليها ونقلها لدفنها في البلدات التي يتحدرون منها. وكان مفتي العرقوب الشيخ حسن دلّة قد رافق مواكب أهالي تلك القرى العائدين. ولما حاول الجيش اللبناني منعهم من الدخول إلى قراهم، اتصل المفتي بقائد الجيش محتجًا وطالبًا منه أن يمكث الجيش في القرى إلى جانب الأهلي العائدين. وهذا ما حصل فعلًا.

انقلاب الأهالي على “حزب الله”

وطوال سنة 2025، وحتى مباشرة “حزب الله” حرب “إسناد إيران” في 2 شباط 2026، انهمك أهالي قرى العرقوب السنّية في إصلاح بيوتهم المدمّرة والمتصدّعة، مصممين على البقاء والصمود فيها وعدم مغادرتها. تلقوا بعض المساعدات المالية من “جهاد البناء” التابعة لـِ “حزب الله”، حسب شهادة رئيس بلدية كفرشوبا واتحاد بلديات العرقوب قاسم القادري. لكن مالية الحزب سرعان ما نضبت، فتوقف عن دفع المساعدات المالية في معظم المناطق المدمّرة. الهيئات الأهلية والبلدية في سائر بلدات العرقوب وقراه بادرت سريعًا إلى لمِّ شمل الأهالي، مؤازرتهم وجمع التبرعات لمساعدتهم في بناء بيوتهم، وقامت بنشاطات اجتماعية واتصالات سياسية برئاستي الحكومة والجمهورية وقيادة الجيش، معلنةً استقلال قراها عن “مقاومة حزب الله”، وولائها للدولة اللبنانية ومؤسساتها، وعدم السماح لأي جهة مسلحة من دخول المنطقة وقراها وبلداتها، سوى القوى الأمنية والعسكرية والحكومية اللبنانية. ونجم عن تلك النشاطات تضامن أهلي متماسك ومستقل في تلك البلدات والقرى المختلطة طائفيًا. وتعاون الأهالي مع الجيش اللبناني في أعمال المراقبة والحفاظ على الأمن، لمنع مجنّدي “السرايا” وسواهم من عناصر “حزب الله” من العودة إلى العرقوب، ولثبات الأهالي في أرضهم وبيوتهم وعدم مغادرتها.

وقال نائب شبعا السابق في البرلمان، منيف الخطيب: لو استجاب أهالي شبعا دعوتنا إياهم عدم مغادرتهم مزارع شبعا وتركها في مطلع السبعينات، لما كانت إسرائيل احتلتها وضمتها إلى الجولان السوري الذي احتلته في العام 1967. وهو قال ذلك في معرض حديثه عن “المبادرة الصائبة والجريئة” التي أقدم عليها الأهالي وهيئاتهم المحلية في نشاطها المثمر طوال سنة، للتشبث بالبقاء في بلداتهم و”تحرير قراهم من ربقة الالتباسات والتداخلات التي أدت إلى تهميشهم والتلاعب بمصيرهم منذ أواخر ستينات القرن العشرين”.

وكل من أدلى بشهادته من هيئات بلدات العرقوب البلدية وأهاليها، اعتبر أن النشاط العسكري لمجنّدي “سرايا المقاومة” ولعناصر “حزب الله” في بلداتهم ما كان ليؤدي إلا لنزوح الأهالي مجددًا، ولتشجيع إسرائيل على ضم العرقوب إلى المنطقة العازلة المحروقة التي عمل الجيش الإسرائيلي على إقامتها في بلدات جبل عامل جنوب الليطاني، ويعمل على استكمال حرقها وعزلها وإخلائها من السكان وتدمير عمرانها تدميرًا شاملًا. وهذا ما نجت منه بلدات العرقوب في حرب “الإسناد” الثانية لإيران، بعد الأولى لغزة.

وحدث في “الإسناد” الثاني بعض محاولات من بقايا “السرايا” و”حزب الله” لزج العرقوب مجددًا في المحرقة. لكن المحاولات فشلت، على الرغم من تعرّض أطراف بلدات شبعا وكفرحمام والهبارية وراشيا الفخار لقصف إسرائيلي. وصمد الأهالي في بلداتهم وبيوتهم. آزروا الجيش في دوريات غير مسلحة لحماية البلدات من تسلل مسلحين إليها. دمر القصف الإسرائيلي بيوتًا لمجنّدين في “السرايا”: نحو 10 بيوت في شبعا، وأكثر منها في كفرشوبا. واغتالت إسرائيل 9 مجندين من “سرايا” شبعا الذين فروا منها إلى صيدا. قبل اغتيال التسعة في مقهى افتتحه قائدهم في المدينة، كانوا 30 في المقهى الذي غادره 21 منهم قبيل تنفيذ العملية.

أسئلة صعبة

وقال جاد شحرور إن منطقة العرقوب هي “أولى خسائر حزب الله”. وهو يعتبر أن ما حدث فيها طوال سنة وشهرين، يمكن اعتماده كنموذج يُحتذى وقابل للتعميم في المناطق التي يسيطر عليها “حزب الله”. وهذا برأيه يغالط المقولة السائدة عن أن مواجهة الحزب المذكور، ومنع الجيش اللبناني والأهالي عناصرَه من التترس بهم وببيوتهم في عملياته القتالية، يؤدي إلى حرب أهلية. 

نجح هذا (موقتًا؟) في العرقوب وبيئته المختلطة طائفيًا، وهي لا توالي أصلًا “حزب الله”، وحيث يمكن للمجتمع الأهلي المحلي المتماسك والناشط مع هيئاته البلدية أن يعزل ويخنق مجندي “سرايا المقاومة” من غير الشيعة حكمًا، والمتشيعين ثقافيًا وسياسيًا، والمستفيدين ماليًا من مخصصات الحزب الشهرية. 

لكن يبقى السؤال الصعب قائمًا: كيف يمكن للبيئة الشيعية الحاضنة، بل الملتحمة التحامًا وجوديًا بـِ “حزب الله” -أي تربويًا وعقائديًا ودينيًا وسياسيًا، وفي نسيجها الاجتماعي والعمراني والاقتصادي، وإقامة أهلها ونزوحهم وتشرّدهم وحياتهم وموتهم كأبناء رسالة دنيوية وأخروية معًا، أقله منذ 3 عقود وجيلين- كيف يمكن هذا كله أن تنفك عراه ويتلاشى ويزول؟

وهناك أيضًا السؤال الأصعب: ماذا عن إسرائيل الدولة التي أدمنت الحرب والاحتلال والاستيطان الاستعماريين، وسياسة الإبادة والأرض المحروقة، فيما معظم العالم ينظر إليها صامتًا وبين الريبة والإعجاب؟ 

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار