إسرائيل تفاوض بالنار ولبنان يفاوض على منع الانفجار

في العلن، تبدو السلطة اللبنانية منشغلة بإدارة «التهدئة» ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة. لكن خلف هذا الهدوء السياسي الهش، يجري عمليًا رسم قواعد اشتباك جديدة، لا تقتصر على الجنوب، بل تمتد إلى قلب المعادلة الداخلية اللبنانية نفسها.
المرحلة لم تعد مجرد احتواء للتصعيد، بل تحوّلت إلى صراع مفتوح على شكل التوازن المقبل: ماذا تريد إسرائيل من لبنان؟ وما الذي تستطيع الدولة اللبنانية انتزاعه قبل أن يتحول وقف إطلاق النار إلى مجرد عنوان فارغ؟
ضمن هذا المناخ، اكتسب لقاء رئيس الحكومة نواف سلام مع رئيس مجلس النواب نبيه بري أبعادًا تتجاوز التنسيق الحكومي التقليدي. فالبلاد تقف عند تقاطع حساس بين ضغط أميركي متزايد لدفع مسار التهدئة، وبين واقع داخلي شديد التعقيد تفرضه حسابات “حزب الله” وبيئته السياسية.
يعرف رئيس مجلس النواب أن انخراطًا علنيًا في خطاب التسويات سيُقرأ داخل البيئة الشيعية بوصفه تنازلا سياسيًا تحت النار. لذلك يرفع سقفه السياسي في العلن، فيما تشير القراءة الفعلية للمشهد إلى أن الرجل لا يعارض التفاوض غير المباشر بحد ذاته، طالما أنه يبقى محصورًا بعنوان واحد: منع الحرب، لا صناعة سلام.
في المقابل، يتحرك رئيس الجمهورية جوزاف عون من زاوية مختلفة. الرئاسة تبدو أكثر اقتناعًا بأن لبنان لم يعد يملك ترف الذهاب إلى مواجهة مفتوحة جديدة، لا اقتصاديًا ولا أمنيًا. ومن هنا، تتقدم الاتصالات مع الأميركيين باعتبارها محاولة لتثبيت الحد الأدنى من الاستقرار، ولو تحت سقف هش.
لكن الضربة الإسرائيلية الأخيرة في الضاحية الجنوبية قلبت المشهد دفعة واحدة.
فالعملية لم تكن مجرد اغتيال أمني محدود، بل رسالة سياسية مكتملة: إسرائيل لا تعتبر التهدئة التزامًا متبادلا، بل هامشًا يسمح لها بمواصلة الضرب متى تشاء وأينما تشاء. الجنوب لم يعد وحده ساحة الاشتباك، والضاحية نفسها لم تعد خارج بنك الأهداف.
بهذا المعنى، تحاول تل أبيب فرض معادلة جديدة على اللبنانيين: لا حصانة جغرافية بعد اليوم لأي موقع مرتبط بـ”حزب الله” أو بمحور إيران، حتى في قلب بيروت. وهنا تحديداً تظهر أزمة المسار التفاوضي كله.
كيف يمكن الحديث عن تثبيت تهدئة فيما تحتفظ إسرائيل بحق خرقها في أي لحظة؟ وكيف يمكن للسلطة اللبنانية إقناع الداخل بجدوى الاتصالات السياسية إذا كانت “حرية الاستهداف” الإسرائيلية تشمل الضاحية كما تشمل الجنوب؟
وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية في مسار التهدئة كله: هل يمكن أن تنهار المفاوضات قبل أن تكتمل أصلا، إذا استمرت إسرائيل في اعتماد سياسة الاستهداف المتكرر داخل الضاحية، وربما توسيعها إلى بيروت نفسها عند الحاجة؟
فما جدوى أي تفاوض إذا كانت تل أبيب تحتفظ عملياً بحق خرق التهدئة متى تشاء، تحت عنوان استهداف شخصيات مرتبطة بـ”حزب الله” أو بمحور إيران؟ عندها لا يعود التفاوض مسارًا نحو استقرار فعلي، بل يتحول إلى إدارة موقتة لواقع ميداني تفرضه القوة العسكرية الإسرائيلية.
وفي ظل هذه المعادلة، تبدو التهدئة أقرب إلى هدنة هشة قابلة للكسر في أي لحظة، أكثر منها اتفاقًا ثابتًا يمكن البناء عليه سياسيًا أو أمنيًا.
الأرجح أن المفاوضات لم تسقط بعد. لكن ما جرى كشف حدودها القاسية. فإسرائيل تبدو كأنها تفاوض بالنار قبل السياسة، وتسعى إلى رفع سقف شروطها الميدانية قبل أي تفاهمات لاحقة.
أما لبنان، فيحاول شراء الوقت ومنع الانفجار، فيما يقف فعليًا داخل منطقة رمادية شديدة الخطورة: تهدئة معلنة على الورق، وحرب مؤجلة تتنفس تحت السطح.
إسرائيل تفاوض بالنار ولبنان يفاوض على منع الانفجار

في العلن، تبدو السلطة اللبنانية منشغلة بإدارة «التهدئة» ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة. لكن خلف هذا الهدوء السياسي الهش، يجري عمليًا رسم قواعد اشتباك جديدة، لا تقتصر على الجنوب، بل تمتد إلى قلب المعادلة الداخلية اللبنانية نفسها.
المرحلة لم تعد مجرد احتواء للتصعيد، بل تحوّلت إلى صراع مفتوح على شكل التوازن المقبل: ماذا تريد إسرائيل من لبنان؟ وما الذي تستطيع الدولة اللبنانية انتزاعه قبل أن يتحول وقف إطلاق النار إلى مجرد عنوان فارغ؟
ضمن هذا المناخ، اكتسب لقاء رئيس الحكومة نواف سلام مع رئيس مجلس النواب نبيه بري أبعادًا تتجاوز التنسيق الحكومي التقليدي. فالبلاد تقف عند تقاطع حساس بين ضغط أميركي متزايد لدفع مسار التهدئة، وبين واقع داخلي شديد التعقيد تفرضه حسابات “حزب الله” وبيئته السياسية.
يعرف رئيس مجلس النواب أن انخراطًا علنيًا في خطاب التسويات سيُقرأ داخل البيئة الشيعية بوصفه تنازلا سياسيًا تحت النار. لذلك يرفع سقفه السياسي في العلن، فيما تشير القراءة الفعلية للمشهد إلى أن الرجل لا يعارض التفاوض غير المباشر بحد ذاته، طالما أنه يبقى محصورًا بعنوان واحد: منع الحرب، لا صناعة سلام.
في المقابل، يتحرك رئيس الجمهورية جوزاف عون من زاوية مختلفة. الرئاسة تبدو أكثر اقتناعًا بأن لبنان لم يعد يملك ترف الذهاب إلى مواجهة مفتوحة جديدة، لا اقتصاديًا ولا أمنيًا. ومن هنا، تتقدم الاتصالات مع الأميركيين باعتبارها محاولة لتثبيت الحد الأدنى من الاستقرار، ولو تحت سقف هش.
لكن الضربة الإسرائيلية الأخيرة في الضاحية الجنوبية قلبت المشهد دفعة واحدة.
فالعملية لم تكن مجرد اغتيال أمني محدود، بل رسالة سياسية مكتملة: إسرائيل لا تعتبر التهدئة التزامًا متبادلا، بل هامشًا يسمح لها بمواصلة الضرب متى تشاء وأينما تشاء. الجنوب لم يعد وحده ساحة الاشتباك، والضاحية نفسها لم تعد خارج بنك الأهداف.
بهذا المعنى، تحاول تل أبيب فرض معادلة جديدة على اللبنانيين: لا حصانة جغرافية بعد اليوم لأي موقع مرتبط بـ”حزب الله” أو بمحور إيران، حتى في قلب بيروت. وهنا تحديداً تظهر أزمة المسار التفاوضي كله.
كيف يمكن الحديث عن تثبيت تهدئة فيما تحتفظ إسرائيل بحق خرقها في أي لحظة؟ وكيف يمكن للسلطة اللبنانية إقناع الداخل بجدوى الاتصالات السياسية إذا كانت “حرية الاستهداف” الإسرائيلية تشمل الضاحية كما تشمل الجنوب؟
وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية في مسار التهدئة كله: هل يمكن أن تنهار المفاوضات قبل أن تكتمل أصلا، إذا استمرت إسرائيل في اعتماد سياسة الاستهداف المتكرر داخل الضاحية، وربما توسيعها إلى بيروت نفسها عند الحاجة؟
فما جدوى أي تفاوض إذا كانت تل أبيب تحتفظ عملياً بحق خرق التهدئة متى تشاء، تحت عنوان استهداف شخصيات مرتبطة بـ”حزب الله” أو بمحور إيران؟ عندها لا يعود التفاوض مسارًا نحو استقرار فعلي، بل يتحول إلى إدارة موقتة لواقع ميداني تفرضه القوة العسكرية الإسرائيلية.
وفي ظل هذه المعادلة، تبدو التهدئة أقرب إلى هدنة هشة قابلة للكسر في أي لحظة، أكثر منها اتفاقًا ثابتًا يمكن البناء عليه سياسيًا أو أمنيًا.
الأرجح أن المفاوضات لم تسقط بعد. لكن ما جرى كشف حدودها القاسية. فإسرائيل تبدو كأنها تفاوض بالنار قبل السياسة، وتسعى إلى رفع سقف شروطها الميدانية قبل أي تفاهمات لاحقة.
أما لبنان، فيحاول شراء الوقت ومنع الانفجار، فيما يقف فعليًا داخل منطقة رمادية شديدة الخطورة: تهدئة معلنة على الورق، وحرب مؤجلة تتنفس تحت السطح.








