لبنان في استراتيجية أميركا لمكافحة الإرهاب

في استراتيجية مكافحة الإرهاب الأميركية التي أصدرتها إدارة ترامب في السادس من أيار، لم يعد الشرق الأوسط يُوصف بأنه المنطقة التي لا غنى عنها للازدهار الأميركي، ولكنه لا يزال ساحة رئيسية لشعار “السلام من خلال القوة”. قد لا يكمن أهم تداعيات هذه الاستراتيجية في الممرات المائية أو في الحملة ضد الشبكات الجهادية العابرة للحدود، بل في لبنان: الدولة التي لطالما نُزعت سيادتها من الداخل من قِبل “حزب الله”، ومن الخارج من قِبل المشروع الإقليمي الإيراني. في رؤية استراتيجية مكافحة الإرهاب الجديدة، لا يُنظر إلى لبنان على أنه كيان سياسي هشّ يجب تثبيته، بل على أنه نقطة ضغط يجب استغلالها في سبيل “إضعاف” خطوط الدعم السرية التي تُمكّن الإرهاب والحرب بالوكالة بشكل كامل.
تضع الوثيقة منطقًا تشغيليًا بسيطًا: تحديد المؤامرات، وقطع التمويل والإمدادات، و”القضاء في نهاية المطاف على الجماعات الإرهابية القائمة”، ثم تُسقط هذا المنطق على رعاية الدول للإرهاب. الدولة المحرّكة هي إيران، التي تُوصف بأنها “أكبر تهديد” ينبع من المنطقة، سواء بشكل مباشر عبر برامجها النووية والصاروخية، أو بشكل غير مباشر عبر “مليارات الدولارات” التي تُحوّلها إلى وكلائها بما في ذلك “حزب الله”. وتركّز الاستراتيجية الجديدة على العقوبات، وعمليات الاعتراض، بما في ذلك اعتراض ناقلات النفط التابعة للأسطول الخفي Shadow Fleet، والعمليات السرية، والهجمات الإلكترونية لفرض تكاليف باهظة على الأنظمة التي تدعم جهات فاعلة غير حكومية. وإذا ما أُخذ الأمر بظاهره، يصبح لبنان مسرحًا طبيعيًا له: فـ “حزب الله” فاعل سياسي عسكري محلي، وهو، وفقًا للمعايير الأميركية، وكيل إيراني متغلغل في دولة ذات سيادة.
إحدى أوضح الإشارات العملياتية في هذه الاستراتيجية هي إجرائية، إذ تنص على أن الرئيس أعطى توجيهاته بالعودة إلى قواعد الاشتباك الخاصة بمكافحة الإرهاب التي كانت سارية في ولايته الأولى، وفوّض المزيد من صلاحيات توجيه الضربات إلى قادة العمليات. ويكتسب هذا التغيير البيروقراطي أهمية في لبنان، حتى وإن لم يتوقع أحد غارات جوية أميركية على بيروت. فهو يشير إلى دورة اتخاذ قرارات أسرع وميل نحو الضغط العسكري حيث ترى واشنطن أن التهديدات وشيكة، أو حيث يُنظر إلى الوكلاء على أنهم امتداد لقدرات إيران. بالنسبة إلى “حزب الله”، الذي ينمو على معايير من الغموض المتعمّد، من خلال العمل من دون تخطي العتبات التي تُثير ردًا انتقاميًا كبيرًا، فإن الموقف الأميركي الذي يُظهر السرعة والمرونة للقادة العسكريين يُضيّق هامش هذا التواصل. كما أنه يُضيّق هامش “ادعاء” المسؤولين في لبنان بإمكانية فصل نفوذ “حزب الله” الإقليمي عن مصالح الدولة.
هذه هي المعضلة اللبنانية في أشدّ صورها. فقوة “حزب الله” لا تكمن فقط في امتلاكه صواريخ أو كوادر منضبطة، بل في كونه جزءًا لا يتجزأ من النظام السياسي اللبناني، مع احتفاظه ببنية عسكرية واستخباراتية مستقلة. إن الاستراتيجية الأميركية التي تُعرّف النجاح بـ”تدمير” الجماعات التهديدية الكبرى و”إضعاف” خطوط الدعم السرية بشكل كامل، تتجاهل، بحكم تصميمها، التسويات الداخلية التي سمحت للمؤسسات اللبنانية بالصمود. عندما تتعامل واشنطن مع “حزب الله” كحلقة وصل في شبكة إيرانية، تصبح السياسة اللبنانية أقل تأثيرًا في النتائج، وأكثر عائقًا، أو في أحسن الأحوال، متغيّرًا يُمكن التلاعب به من خلال الضغط على التمويل واللوجستيات والتسهيلات المرتبطة بالدولة.
من هنا تكتسب الأدوات التي تُبرزها الاستراتيجية، أي العقوبات والاعتراض والعمليات السرية والحرب الإلكترونية، أهمية خاصة في لبنان، لأن ضعف البلاد الاقتصادي يحوّل الاحتكاك المالي إلى نفوذ سياسي. ويشير تركيز الوثيقة على جعل “التمويل والرعاية الحكومية مكلفين للغاية” إلى نهج لا يستهدف مصادر تمويل “حزب الله” فحسب، بل يستهدف أيضًا الشبكات التجارية واللوجستية غير الرسمية التي تسمح بتداول التقنيات ذات الاستخدام المزدوج. في لبنان، قد يتداخل ذلك سريعًا مع الاقتصاد الأوسع: فالموانئ والمعابر الحدودية والوسطاء الماليون غير الخاضعين رسميًا لسيطرة “حزب الله” قد يُعاملون كبنية تحتية متساهلة. الخطر واضح! فالضغط الفعّال في تقييد “حزب الله” قد يُسرّع أيضًا التدهور المؤسسي في لبنان، مما يخلق بيئة متساهلة للغاية تستغلها الجهات الفاعلة غير الحكومية.
من الناحية الاستراتيجية، تتعامل الوثيقة مع شبكة إيران بالوكالة كجزء لا يتجزأ من منظومة الردع الإيرانية: فالضغط على “حزب الله” هو ضغط على إيران، والعكس صحيح. وتستشهد الاستراتيجية بعمليات كبرى، “مطرقة منتصف الليل” و”الغضب الملحمي”، كدليل على الاستعداد لضرب القدرات الإيرانية مباشرة. هذا التسلسل مهم بالنسبة إلى لبنان. فإذا اعتقدت واشنطن أنها أعادت بالفعل ترسيخ نفوذ عسكري ذي مصداقية ضد أكثر البرامج الإيرانية حساسية، فإن جدوى الضغط على الوكلاء تزداد. لطالما تضمنت قيمة “حزب الله” بالنسبة إلى طهران القدرة على التهديد بالتصعيد ضد إسرائيل وتعقيد خيارات الولايات المتحدة. إن استراتيجية أميركية تلتزم علنًا بمواصلة العمليات العسكرية والاستخباراتية والإلكترونية ضد “الوكلاء الإرهابيين المدعومين من إيران” تشير ضمنيًا إلى محاولة لتقويض هذا النفوذ، مما قد يجعل لبنان الساحة التي تُفرض فيها التكاليف الإيرانية بحرب أو من دون حرب مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران.
كما أن أي مقاربة لمكافحة الإرهاب تتمحور حول لبنان ستصطدم مباشرة بالمعادلة القائمة بين إسرائيل و “حزب الله”. إذ تنص الاستراتيجية على أن “الحفاظ على أمن إسرائيل” يمثل مصلحة أميركية جوهرية، وتؤطر مجموعة المشكلات التي تواجهها المنطقة من منظور نقاط “الاختناق الملاحية وتصدير الإرهاب”، وهي لغة تدفع واشنطن نحو الانخراط في إدارة فعّالة للتصعيد. و”حزب الله”، بحسب الوثيقة، دأب تاريخيًا على معايرة عملياته بدقة لتجنّب الدخول في حرب شاملة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على صورته الذاتية كقوة “مقاومة”. إلا أن تبني سياسة أميركية تضيّق الخناق على خطوط إمداد “الحزب” وموارده المالية قد يؤدي إلى إضعافه بمرور الوقت، غير أنها قد تحفّز أيضًا على الإقدام على المخاطر في المدى القصير، وذلك في سعي من “حزب الله” إلى إعادة ترسيخ قوة الردع لديه أو صرف الأنظار عن الضغوط والتوترات الداخلية التي يعاني منها. بالنسبة إلى لبنان، الذي تتمتع دولته بقدرة محدودة على كبح القرارات العسكرية لـ “حزب الله”، يكمن الخطر في أن ينتهي المطاف باستراتيجية صُممت لـ”زيادة الضغط” إلى تحويل الأراضي اللبنانية إلى طاولة تفاوض للصراعات الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، وبين إسرائيل وإيران.
كما تلمّح هذه الاستراتيجية مرارًا وتكرارًا إلى مبدأ “نقل الأعباء” وإسناد عمليات القمع إلى “حلفاء أو شركاء مؤهلين”. ومن الناحية النظرية، يُعدّ كل من الجيش والأجهزة الأمنية المرشحين البديهيين لتوسيع نطاق الشراكة، نظرًا إلى كونهما من بين المؤسسات الوطنية القليلة التي لا تزال تحظى بشرعية عابرة للطوائف. ومع ذلك، فإن التوجه العام للاستراتيجية، القائم على التشكيك في جدوى بناء المؤسسات والمائل نحو شن حملات قصيرة و”عالية الكثافة”، يوحي بضيق الصدر تجاه العمل البطيء والشاق المتمثل في تعزيز أركان الدولة في ظل وجود ميليشيا راسخة النفوذ. وهذا الأمر يخلق مفارقة: إذا ما اختزلت واشنطن لبنان في مجرد “مشكلة حزب الله”، فقد تقلّص استثماراتها في الدولة اللبنانية. ولكن إذا استمرت الدولة اللبنانية في الوهن والضعف، فلن تزداد قوة “حزب الله” النسبية ومعها حرية إيران في التحرك إلا رسوخًا واتساعًا. وعليه، فإن أي استراتيجية لمكافحة الإرهاب تهدف إلى قطع شرايين الدعم عن القوى الوكيلة ستظل تواجه التساؤل الجوهري المتعلق بلبنان: ما الذي سيحل محل الدور الوظيفي الذي يضطلع به “حزب الله” في مجالي الردع وتقديم الخدمات، في ظل عدم جاهزية الدولة لسد هذا الفراغ؟
لبنان في استراتيجية أميركا لمكافحة الإرهاب

في استراتيجية مكافحة الإرهاب الأميركية التي أصدرتها إدارة ترامب في السادس من أيار، لم يعد الشرق الأوسط يُوصف بأنه المنطقة التي لا غنى عنها للازدهار الأميركي، ولكنه لا يزال ساحة رئيسية لشعار “السلام من خلال القوة”. قد لا يكمن أهم تداعيات هذه الاستراتيجية في الممرات المائية أو في الحملة ضد الشبكات الجهادية العابرة للحدود، بل في لبنان: الدولة التي لطالما نُزعت سيادتها من الداخل من قِبل “حزب الله”، ومن الخارج من قِبل المشروع الإقليمي الإيراني. في رؤية استراتيجية مكافحة الإرهاب الجديدة، لا يُنظر إلى لبنان على أنه كيان سياسي هشّ يجب تثبيته، بل على أنه نقطة ضغط يجب استغلالها في سبيل “إضعاف” خطوط الدعم السرية التي تُمكّن الإرهاب والحرب بالوكالة بشكل كامل.
تضع الوثيقة منطقًا تشغيليًا بسيطًا: تحديد المؤامرات، وقطع التمويل والإمدادات، و”القضاء في نهاية المطاف على الجماعات الإرهابية القائمة”، ثم تُسقط هذا المنطق على رعاية الدول للإرهاب. الدولة المحرّكة هي إيران، التي تُوصف بأنها “أكبر تهديد” ينبع من المنطقة، سواء بشكل مباشر عبر برامجها النووية والصاروخية، أو بشكل غير مباشر عبر “مليارات الدولارات” التي تُحوّلها إلى وكلائها بما في ذلك “حزب الله”. وتركّز الاستراتيجية الجديدة على العقوبات، وعمليات الاعتراض، بما في ذلك اعتراض ناقلات النفط التابعة للأسطول الخفي Shadow Fleet، والعمليات السرية، والهجمات الإلكترونية لفرض تكاليف باهظة على الأنظمة التي تدعم جهات فاعلة غير حكومية. وإذا ما أُخذ الأمر بظاهره، يصبح لبنان مسرحًا طبيعيًا له: فـ “حزب الله” فاعل سياسي عسكري محلي، وهو، وفقًا للمعايير الأميركية، وكيل إيراني متغلغل في دولة ذات سيادة.
إحدى أوضح الإشارات العملياتية في هذه الاستراتيجية هي إجرائية، إذ تنص على أن الرئيس أعطى توجيهاته بالعودة إلى قواعد الاشتباك الخاصة بمكافحة الإرهاب التي كانت سارية في ولايته الأولى، وفوّض المزيد من صلاحيات توجيه الضربات إلى قادة العمليات. ويكتسب هذا التغيير البيروقراطي أهمية في لبنان، حتى وإن لم يتوقع أحد غارات جوية أميركية على بيروت. فهو يشير إلى دورة اتخاذ قرارات أسرع وميل نحو الضغط العسكري حيث ترى واشنطن أن التهديدات وشيكة، أو حيث يُنظر إلى الوكلاء على أنهم امتداد لقدرات إيران. بالنسبة إلى “حزب الله”، الذي ينمو على معايير من الغموض المتعمّد، من خلال العمل من دون تخطي العتبات التي تُثير ردًا انتقاميًا كبيرًا، فإن الموقف الأميركي الذي يُظهر السرعة والمرونة للقادة العسكريين يُضيّق هامش هذا التواصل. كما أنه يُضيّق هامش “ادعاء” المسؤولين في لبنان بإمكانية فصل نفوذ “حزب الله” الإقليمي عن مصالح الدولة.
هذه هي المعضلة اللبنانية في أشدّ صورها. فقوة “حزب الله” لا تكمن فقط في امتلاكه صواريخ أو كوادر منضبطة، بل في كونه جزءًا لا يتجزأ من النظام السياسي اللبناني، مع احتفاظه ببنية عسكرية واستخباراتية مستقلة. إن الاستراتيجية الأميركية التي تُعرّف النجاح بـ”تدمير” الجماعات التهديدية الكبرى و”إضعاف” خطوط الدعم السرية بشكل كامل، تتجاهل، بحكم تصميمها، التسويات الداخلية التي سمحت للمؤسسات اللبنانية بالصمود. عندما تتعامل واشنطن مع “حزب الله” كحلقة وصل في شبكة إيرانية، تصبح السياسة اللبنانية أقل تأثيرًا في النتائج، وأكثر عائقًا، أو في أحسن الأحوال، متغيّرًا يُمكن التلاعب به من خلال الضغط على التمويل واللوجستيات والتسهيلات المرتبطة بالدولة.
من هنا تكتسب الأدوات التي تُبرزها الاستراتيجية، أي العقوبات والاعتراض والعمليات السرية والحرب الإلكترونية، أهمية خاصة في لبنان، لأن ضعف البلاد الاقتصادي يحوّل الاحتكاك المالي إلى نفوذ سياسي. ويشير تركيز الوثيقة على جعل “التمويل والرعاية الحكومية مكلفين للغاية” إلى نهج لا يستهدف مصادر تمويل “حزب الله” فحسب، بل يستهدف أيضًا الشبكات التجارية واللوجستية غير الرسمية التي تسمح بتداول التقنيات ذات الاستخدام المزدوج. في لبنان، قد يتداخل ذلك سريعًا مع الاقتصاد الأوسع: فالموانئ والمعابر الحدودية والوسطاء الماليون غير الخاضعين رسميًا لسيطرة “حزب الله” قد يُعاملون كبنية تحتية متساهلة. الخطر واضح! فالضغط الفعّال في تقييد “حزب الله” قد يُسرّع أيضًا التدهور المؤسسي في لبنان، مما يخلق بيئة متساهلة للغاية تستغلها الجهات الفاعلة غير الحكومية.
من الناحية الاستراتيجية، تتعامل الوثيقة مع شبكة إيران بالوكالة كجزء لا يتجزأ من منظومة الردع الإيرانية: فالضغط على “حزب الله” هو ضغط على إيران، والعكس صحيح. وتستشهد الاستراتيجية بعمليات كبرى، “مطرقة منتصف الليل” و”الغضب الملحمي”، كدليل على الاستعداد لضرب القدرات الإيرانية مباشرة. هذا التسلسل مهم بالنسبة إلى لبنان. فإذا اعتقدت واشنطن أنها أعادت بالفعل ترسيخ نفوذ عسكري ذي مصداقية ضد أكثر البرامج الإيرانية حساسية، فإن جدوى الضغط على الوكلاء تزداد. لطالما تضمنت قيمة “حزب الله” بالنسبة إلى طهران القدرة على التهديد بالتصعيد ضد إسرائيل وتعقيد خيارات الولايات المتحدة. إن استراتيجية أميركية تلتزم علنًا بمواصلة العمليات العسكرية والاستخباراتية والإلكترونية ضد “الوكلاء الإرهابيين المدعومين من إيران” تشير ضمنيًا إلى محاولة لتقويض هذا النفوذ، مما قد يجعل لبنان الساحة التي تُفرض فيها التكاليف الإيرانية بحرب أو من دون حرب مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران.
كما أن أي مقاربة لمكافحة الإرهاب تتمحور حول لبنان ستصطدم مباشرة بالمعادلة القائمة بين إسرائيل و “حزب الله”. إذ تنص الاستراتيجية على أن “الحفاظ على أمن إسرائيل” يمثل مصلحة أميركية جوهرية، وتؤطر مجموعة المشكلات التي تواجهها المنطقة من منظور نقاط “الاختناق الملاحية وتصدير الإرهاب”، وهي لغة تدفع واشنطن نحو الانخراط في إدارة فعّالة للتصعيد. و”حزب الله”، بحسب الوثيقة، دأب تاريخيًا على معايرة عملياته بدقة لتجنّب الدخول في حرب شاملة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على صورته الذاتية كقوة “مقاومة”. إلا أن تبني سياسة أميركية تضيّق الخناق على خطوط إمداد “الحزب” وموارده المالية قد يؤدي إلى إضعافه بمرور الوقت، غير أنها قد تحفّز أيضًا على الإقدام على المخاطر في المدى القصير، وذلك في سعي من “حزب الله” إلى إعادة ترسيخ قوة الردع لديه أو صرف الأنظار عن الضغوط والتوترات الداخلية التي يعاني منها. بالنسبة إلى لبنان، الذي تتمتع دولته بقدرة محدودة على كبح القرارات العسكرية لـ “حزب الله”، يكمن الخطر في أن ينتهي المطاف باستراتيجية صُممت لـ”زيادة الضغط” إلى تحويل الأراضي اللبنانية إلى طاولة تفاوض للصراعات الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، وبين إسرائيل وإيران.
كما تلمّح هذه الاستراتيجية مرارًا وتكرارًا إلى مبدأ “نقل الأعباء” وإسناد عمليات القمع إلى “حلفاء أو شركاء مؤهلين”. ومن الناحية النظرية، يُعدّ كل من الجيش والأجهزة الأمنية المرشحين البديهيين لتوسيع نطاق الشراكة، نظرًا إلى كونهما من بين المؤسسات الوطنية القليلة التي لا تزال تحظى بشرعية عابرة للطوائف. ومع ذلك، فإن التوجه العام للاستراتيجية، القائم على التشكيك في جدوى بناء المؤسسات والمائل نحو شن حملات قصيرة و”عالية الكثافة”، يوحي بضيق الصدر تجاه العمل البطيء والشاق المتمثل في تعزيز أركان الدولة في ظل وجود ميليشيا راسخة النفوذ. وهذا الأمر يخلق مفارقة: إذا ما اختزلت واشنطن لبنان في مجرد “مشكلة حزب الله”، فقد تقلّص استثماراتها في الدولة اللبنانية. ولكن إذا استمرت الدولة اللبنانية في الوهن والضعف، فلن تزداد قوة “حزب الله” النسبية ومعها حرية إيران في التحرك إلا رسوخًا واتساعًا. وعليه، فإن أي استراتيجية لمكافحة الإرهاب تهدف إلى قطع شرايين الدعم عن القوى الوكيلة ستظل تواجه التساؤل الجوهري المتعلق بلبنان: ما الذي سيحل محل الدور الوظيفي الذي يضطلع به “حزب الله” في مجالي الردع وتقديم الخدمات، في ظل عدم جاهزية الدولة لسد هذا الفراغ؟










