المرض أخطر من القصف… أزمة الاستشفاء تخنق قرى جنوب لبنان المحاصرة

سكان قرى عدة قرروا البقاء صامدين على رغم التحديات والواقع الإنساني الصعب
في الأسابيع الأخيرة، وفي ظل الهدنة الهشة في جنوب لبنان، لا يبدو أن حدة العمليات القتالية قد خفت، لكن تؤكد شهادات مواطنين صمدوا في قرى جنوبية عدة أن الخطر الأكبر لم يعد في الصواريخ والقصف، بل إن الواقع الإنساني يرتبط بتحد أكبر يواجهه من أصبحوا في قرى تخضع إلى حصار فعلي.
يكتب المواطنون الذين تمسكوا بأرضهم ومنازلهم في الجنوب، بانتماءاتهم السياسية والحزبية المختلفة، أجمل القصص التي تعكس كل معاني الصمود والثبات، عشق الأرض بالنسبة إلى هؤلاء لم يزعزعه خوف، وبشجاعة صعبة الوصف استطاعوا أن يقفوا في وجه كل التحديات ومشاريع التهجير التي وضعت. يحكى باستمرار عن مساعدات عينية تصل إليهم بصعوبة كبرى، نظراً إلى الحصار الذي يعيشونه، لكنها صعوبة لا تقارن بالتحديات اليومية التي يعيشونها في ظل قصف مستمر، وفي محيط فقدت فيه مقومات العيش الأساسية بعد أن حرقت الأراضي والبلدات التي تحيط بهم بالكامل. وإذا كان الخوف لا يعرف سبيلاً إلى قلوبهم لتمسكم بمبدأ الصمود في الأرض أياً كانت العواقب والتحديات، إلا أن المستقبل يبدو قاتماً لهم في ظل ما خلفته الحرب من دمار وتهجير، فيترقبون ما يمكن أن تقدمه لهم الأيام المقبلة لينهضوا في منطقة تحولت إلى رماد.
التحدي ليس في أخطار القصف
في الأسابيع الأخيرة، وفي ظل الهدنة الهشة في جنوب لبنان، لا يبدو أن حدة العمليات القتالية قد خفت، لكن تؤكد شهادات مواطنين صمدوا في قرى جنوبية عدة أن الخطر الأكبر لم يعد في الصواريخ والقصف، بل إن الواقع الإنساني يرتبط بتحد أكبر يواجهه من أصبحوا في قرى تخضع إلى حصار فعلي.
في حديثه عن الوضع الإنساني في بلدة رميش الجنوبية التي صمد أهلها ورفضوا مغادرتها على رغم التحديات، أوضح كاهن البلدة نجيب العميل أن الوضع مستقر حالياً، لأن العمليات القتالية تخطت البلدة وأصبحت بعيدة منها لمسافة كيلومترين أو ثلاثة وأصبح ما يسمعونه من قصف بعيداً بالمقارنة مع السابق.
ما يشكل هاجساً حقيقياً لأهالي البلدة هم الاستشفاء، لأن المستشفى الأقرب إلى البلدة يقع في مدينة صيدا التي تبعد مسافة لا تقل عن 75 كيلومتراً، فيما الطرقات مقفلة وهم في حال حصار، ما يزيد من صعوبة الوصول إليها. لذلك في حال حصول حالات مرضية طارئة أو إصابات، هناك مسار طويل وإجراءات لا بد منها، بدءاً من التواصل مع الجيش ليتواصل بدوره مع الصليب الأحمر فيتواصل مع “الميكانيزم” (لجنة الإشراف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار) للحصول على موافقة إسرائيلية لنقل المصاب. هذه الإجراءات قد تطلب يومين أحياناً في عملية معقدة، في ما لا يكون الوقت لصالح المريض بل يهدد حياة كثيرين بالخطر.
في ما عدا ذلك، أصبح الغذاء وبقية الاحتياجات مؤمنة بدعم من الهيئات الدينية والجمعيات والمنظمات التي بذلت كل الجهود لتوفير مساعدات عينية كثيرة وأدوية بحسب كاهن البلدة. وفي البلدة أيضاً مستوصف تتأمن فيه الخدمات الصحية الأساسية والأدوية، “لذلك تبقى الحاجة الماسة بالنسبة إلى أهالي البلدة، إلى الاستشفاء والدعم المادي الذي يشكل تحدياً أيضاً في هذه الظروف المعيشية الصعبة”.
قرى تحولت إلى رماد
ما أكده نادر مخول (من سكان البلدة)، نزوح عدد قليل من سكان رميش، إذ “سبق أن مر أهالي البلدة بتجربة مماثلة عام 2023”. وقال “على رغم كل الصعوبات، تبقى أرضنا الأهم وأكثر ما يهمنا أنها صمدت. ونحرص باستمرار على تحييدها تجنباً للأخطار، إلا أننا أصبحنا نعرف مختلف أنواع الأسلحة والقنابل بعد كل ما مررنا به، حتى أن المدفعية موجودة على حدود بلدتنا. نحن نعرف أن الخطر موجود ومستمر، لكننا لن نتراجع مهما حصل”، وأوضح مخول أيضاً أن زوجته حامل وستلد بعد ثلاثة أشهر في عملية قيصرية، لكنه لا يعرف بعد في أي مستشفى يمكن أن تلد، أما ما يعرفه فإنه يجد صعوبة في ترك البلدة مهما حصل.
من ناحيته، قال يوسف الحاج من بلدة رميش أيضاً “إنهم في سجن بكل ما للكلمة من معنى، ولو كانوا في بلدتهم. إلا أنه من الممكن لهم زيارة الأهل والأقارب والأصدقاء في القرى المجاورة، مثل دبل وعين إبل بين الساعة التاسعة صباحاً والرابعة بعد الظهر”.
لا يواجه أهل البلدة مشكلة لجهة الاحتياجات الأساسية، لأن المجال أفسح لوصول المساعدات بمعدل مرة في الأسبوع أو اثنتين في مواكب تأمنت الحماية لها.
يعمل الحاج في مجال بناء أسطح القرميد، لكن لا مصدر رزق له من فترة طويلة، وبقي من دون عمل منذ حرب عام 2024. حاله حال معظم أهل البلدة بما أن المصالح متوقفة وخسر معظم أهل البلدة مصدر رزقهم بسبب الحرب، وكان جزء بسيط من الناس قد رمم المنازل بعد الحرب الماضية، لكن فرض عليهم النزوج مجدداً ولم يعد هناك أي مجال لمشاريع وأعمال بناء وترميم في الظروف الحالية.
وأشار الحاج إلى شقيقته التي اضطرت إلى النزوح مجدداً بعد أن دمر منزلها مرة أخرى في الحرب، “إنما يبقى هذا أقل أهمية بالمقارنة مع الخطورة المرتبطة بالاستشفاء، إذ توفي شاب، 45 سنة، الأسبوع الماضي، جراء تعرضه لجلطة. لم يكن من الممكن إنقاذه بسبب طول مدة الإجراءات والحاجة إلى أخذ موافقة لنقله بسيارة الإسعاف الخاصة بالصليب الأحمر، مما يتطلب ساعات، وقد توفي”.
“ما تحتاج إليه هذه البلدات التي اختار أهلها الصمود ولو في مواجهة الأخطار اليومية، تأمين الإسعاف السريع لحالات الطوارئ لنقل المرضى والمصابين”، وفق الحاج.
الحالات الصحية الطارئة
تعتبر الحالات الصحية الطارئة الخطر الأكبر الذي يهدد أهل هذه البلدات الصامدين، أما بالنسبة إلى القصف فأصبح بعيداً من البلدة ولا يشكل خطراً مباشراً عليهم، “نحن نتحمل كل الصعوبات ونواجه تحديات يصعب تحملها حفاظاً على أرضنا وبلدنا، لكن إنقاذ الحالات الطارئة حاجة ماسة بالنسبة إلينا في رحلة الصمود هذه”.
وأكد الحاج أن لا أحد سيعود للمنطقة بعد أن دمرت المباني والمؤسسات والمنازل فيها، وتحولت إلى رماد، “وهم يدركون أنه لو قرر أهل البلدات الصامدة أن يرحلوا لتحولت قراهم أيضاً إلى رماد ومحتها إسرائيل بالكامل، لذلك رفضوا الاستسلام والخضوع ومشروع التهجير. أما بالنسبة إلى بلدات مثل عيتا الشعب ويارون وبنت جبيل المحاذية، فرحل جميع سكانها عنها من بداية الحرب، ودمرت بالكامل. وكان أهل هذه البلدات قد نزحوا عام 2023 وعادوا لاحقاً محاولين ترميم منازلهم، لكنهم هذه المرة، نزحوا من بداية الحرب”.
من ناحيته، تحدث رئيس بلدية عين إبل أيوب خريش عن وضع البلدة، مشيراً إلى أنها تضم نحو 1100 شخص، “ومن غادروا البلدة هم من المسنين ومن يعانون أمراضاً تتطلب دخولهم إلى المستشفى، وأيضاً طلاب الجامعات. لكن البلدة محاصرة، وحتى أن أهلها تجمعوا في قسم منها بوجود الجيش الإسرائيلي”.
ووصف الوضع الإنساني بالصعب، “على رغم المساعدات التي تصل إلى البلدة والأدوية، بقي أهلها من دون مصدر رزق وعمل، وهو تحد صعب في هذه الظروف”.
في ظل كل التحديات، وما واجهه أهل البلدة، أكد خريش “أنهم يدفعون ضريبة حرب لا شأن لهم فيها، وهذا ما يجعلهم في وضع بغاية الصعوبة، وقد خسروا ثلاثة من شبابها الأبرياء الذين لا علاقة لهم بكل ما يحصل بسبب غارة إسرائيلية استهدفتهم أثناء عملهم على إصلاح شبكة إنترنت. لكن بعد نزوحهم سابقاً عام 2023 وما عانوه آنذاك، قرروا هذه المرة ألا يكرروا التجربة وألا يغادروا بلدتهم مرة ثانية. يفضلون الموت في بلدتهم على أن يعيشوا الذل مرة ثانية، بعد أن تذوقوا مرارة النزوح”.
ولفت إلى أنه يمكن تحييد البلدة، ما دام لا وجود لمسلحي “حزب الله” فيها.
عندما يصبح إنقاذ الحياة أكثر صعوبة
في سياق متصل، أوضحت المنسقة الطبية في منظمة “أطباء بلا حدود” في لبنان لونا حماد أن التحدي الأكبر في القرى التي صمد أهلها في أرضهم ورفضوا ترك منازلهم، “هو الوصول إلى العلاج، فهم صمدوا في قراهم لكن على الأرض يعجزون عن التحرك خارج قراهم عند الحاجة في ظل أخطار كبرى يواجهونها على الطرقات، والقصف المستمر، والطرقات المقطوعة والخوف من التنقل. ففي حال وجود فرد يعاني مرضاً مزمناً، أو يواجه حالة صحية طارئة، أو حامل، أو مسن، أو طفل بحاجة إلى علاج، يكون المصاب في خطر مستمر لعدم إمكان الوصول إلى مستشفى في الحالات الطارئة. فالمشكلة ليست في الإصابات الناتجة من الحرب فحسب، بل في أمراض عادية تزيد خطورتها عندما يكون الوصول إلى العلاج أو الخدمة الطبية بهذه الصعوبة. نحن نعجز عن التعويض عن الخدمات التي يقدمها مستشفى، لكن ما نحاول تقديمه للمواطنين الصامدين في قراهم حداً أدنى من الخدمات الصحية التي يحتاجون إليها في الحياة اليومية. كما نحرص على دعم مستشفيات، ومراكز بالأدوية، والمستلزمات، والغاز، والأوكجين، والمحروقات. أيضاً عندما يسمح الوضع الأمني بذلك، نحرص على تأمين عيادات متنقلة لتوفير الرعاية الصحية والخدمات الطبية للمواطنين، فهدفنا أن تبقى الخدمات الطارئة والرعاية الصحية متوافرة على رغم الظروف الصعبة”.
في مثل هذه الظروف الطارئة، تكون التحديات كبرى بالنسبة إلى المواطنين الصامدين في قراهم، إذ لا تتوافر المستشفيات التي يمكن الوصول إليها سريعاً في محيطهم، إلى جانب الطرقات التي ترتفع فيها معدلات الخطر. فتختلف الاستجابة الطبية المتوافرة في هذه المناطق عن تلك التي في مناطق آمنة، بحسب حماد أيضاً “تكون الاستجابة الأولى من المسعفين والدفاع المدني في الحالات الطارئة أو في أقرب مركز متوافر، فتكون هناك إسعافات أولية، ووقف نزف، وتثبيت للحالة، وتكون هناك محاولات لنقل المصاب إلى أقرب مستشفى وفق ما تسمح به الظروف وبعد الحصول على الموافقات المطلوبة من الجهات المعنية. فنقل مصاب أو مريض بحد ذاته يكون محفوفاً بالأخطار، وهو في غاية الصعوبة، خصوصاً بغياب المستشفيات القريبة والمراكز الصحية القادرة على تثبيت الحالات”.
يبدو الوضع الإنساني في القرى الصامدة في غاية القسوة لمن تمسكوا بأرضهم ومنازلهم ورفضوا الاستسلام واختاروا الصمود لا الانجرار في مشروع التهجير، وأشارت حماد “إلى أن من هؤلاء الجنوبيين من مكثوا في قراهم لأنه لا خيار آخر لديهم، إلى جانب من صمدوا تمسكاً بأرضهم. إلا أن هذا لا يمنع أن الوضع الإنساني في غاية الصعوبة في هذه القرى نظراً إلى النقص الكبير في الاحتياجات الأساسية ومقومات العيش، تصل مساعدات إلى هذه القرى إذا سمحت الظروف، إلا أن وصول الأدوية ليس ثابتاً في القرى كافة، وثمة قرى تتوافر فيها، فيما في أخرى يسجل نقص واضح، خصوصاً في أدوية الأمراض المزمنة ومستلزمات الطوارئ. علماً أن توافر الدواء ليس وحده أساسياً، بل إن إيصاله بأمان إلى هذه القرى يبقى التحدي الأكبر، لذلك تحرص أطباء بلا حدود وغيرها من المنظمات الإنسانية على تأمين دعم للمخزون بحسب الإمكانات، لكن هناك قرى صامدة في الجنوب فيها عدد كبير من الأطفال وهم لم يتناولوا فاكهة طوال أسابيع. كما أن وسائل النقل غير متوافرة أيضاً بسبب هذه الظروف التي أدت إلى عزلة يعيش فيها أهالي القرى في أرض حرقت ودمرت بالكامل، فيعيشون وكأنهم وحيدين في هذا العالم، حتى أن الحياة اليومية بذاتها أصبحت تحدياً بالنسبة إليهم”.
الضغوط المرتبطة بالحرب لا تقتصر على المواطنين الصامدين في قراهم فحسب، بل ثمة طواقم صحية في هذه المناطق المستهدفة قررت الاستمرار بتأدية الواجب الإنساني وصمدت معهم في هذه القرى لضمان استمرار توفير الخدمات المنقذة للحياة، وفي الاستجابة للنداءات الطارئة لأعداد كبرى من الإصابات اليومية والمرضى في مناطق ترتفع فيها معدلات الخطورة، وعلى طرقات يكثر فيها الخطر.
وقد سجلت أضرار في المستشفيات وإصابات تعرضت لها الكوادر الصحية، والمسعفين، والفرق الصحية. ونظراً إلى المسؤوليات الملقاة على عاتقهم، من الطبيعي أن تكون ظروف العاملين الصحيين في غاية الصعوبة أيضاً، وأكدت حماد “أن أوضاعهم في غاية الصعوبة، ولديهم عائلات تركوها في مناطق أخرى، وهم في مواجهة الخطر تماماً كبقية المواطنين. ومنهم من يمكثون في المستشفيات أياماً وأسابيع من دون التوجه إلى منازلهم، لأن الطرقات غير آمنة في الجنوب، وعلى رغم التعب النفسي والجسدي، يتميز هؤلاء بالتزام لافت ويستمرون بتأدية الواجب وخدمة المرضى والمصابين، على رغم كل الصعوبات والتحديات. هم يعملون على الاستجابة يومياً لأعداد المصابين والقتلى الذين ينقلون إلى المستشفيات، ومنهم أطفال يصلون وهم قد تعرضوا لإصابات بالغة من نزف أو بتر أو جروح معقدة”.
المرض أخطر من القصف… أزمة الاستشفاء تخنق قرى جنوب لبنان المحاصرة

سكان قرى عدة قرروا البقاء صامدين على رغم التحديات والواقع الإنساني الصعب
في الأسابيع الأخيرة، وفي ظل الهدنة الهشة في جنوب لبنان، لا يبدو أن حدة العمليات القتالية قد خفت، لكن تؤكد شهادات مواطنين صمدوا في قرى جنوبية عدة أن الخطر الأكبر لم يعد في الصواريخ والقصف، بل إن الواقع الإنساني يرتبط بتحد أكبر يواجهه من أصبحوا في قرى تخضع إلى حصار فعلي.
يكتب المواطنون الذين تمسكوا بأرضهم ومنازلهم في الجنوب، بانتماءاتهم السياسية والحزبية المختلفة، أجمل القصص التي تعكس كل معاني الصمود والثبات، عشق الأرض بالنسبة إلى هؤلاء لم يزعزعه خوف، وبشجاعة صعبة الوصف استطاعوا أن يقفوا في وجه كل التحديات ومشاريع التهجير التي وضعت. يحكى باستمرار عن مساعدات عينية تصل إليهم بصعوبة كبرى، نظراً إلى الحصار الذي يعيشونه، لكنها صعوبة لا تقارن بالتحديات اليومية التي يعيشونها في ظل قصف مستمر، وفي محيط فقدت فيه مقومات العيش الأساسية بعد أن حرقت الأراضي والبلدات التي تحيط بهم بالكامل. وإذا كان الخوف لا يعرف سبيلاً إلى قلوبهم لتمسكم بمبدأ الصمود في الأرض أياً كانت العواقب والتحديات، إلا أن المستقبل يبدو قاتماً لهم في ظل ما خلفته الحرب من دمار وتهجير، فيترقبون ما يمكن أن تقدمه لهم الأيام المقبلة لينهضوا في منطقة تحولت إلى رماد.
التحدي ليس في أخطار القصف
في الأسابيع الأخيرة، وفي ظل الهدنة الهشة في جنوب لبنان، لا يبدو أن حدة العمليات القتالية قد خفت، لكن تؤكد شهادات مواطنين صمدوا في قرى جنوبية عدة أن الخطر الأكبر لم يعد في الصواريخ والقصف، بل إن الواقع الإنساني يرتبط بتحد أكبر يواجهه من أصبحوا في قرى تخضع إلى حصار فعلي.
في حديثه عن الوضع الإنساني في بلدة رميش الجنوبية التي صمد أهلها ورفضوا مغادرتها على رغم التحديات، أوضح كاهن البلدة نجيب العميل أن الوضع مستقر حالياً، لأن العمليات القتالية تخطت البلدة وأصبحت بعيدة منها لمسافة كيلومترين أو ثلاثة وأصبح ما يسمعونه من قصف بعيداً بالمقارنة مع السابق.
ما يشكل هاجساً حقيقياً لأهالي البلدة هم الاستشفاء، لأن المستشفى الأقرب إلى البلدة يقع في مدينة صيدا التي تبعد مسافة لا تقل عن 75 كيلومتراً، فيما الطرقات مقفلة وهم في حال حصار، ما يزيد من صعوبة الوصول إليها. لذلك في حال حصول حالات مرضية طارئة أو إصابات، هناك مسار طويل وإجراءات لا بد منها، بدءاً من التواصل مع الجيش ليتواصل بدوره مع الصليب الأحمر فيتواصل مع “الميكانيزم” (لجنة الإشراف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار) للحصول على موافقة إسرائيلية لنقل المصاب. هذه الإجراءات قد تطلب يومين أحياناً في عملية معقدة، في ما لا يكون الوقت لصالح المريض بل يهدد حياة كثيرين بالخطر.
في ما عدا ذلك، أصبح الغذاء وبقية الاحتياجات مؤمنة بدعم من الهيئات الدينية والجمعيات والمنظمات التي بذلت كل الجهود لتوفير مساعدات عينية كثيرة وأدوية بحسب كاهن البلدة. وفي البلدة أيضاً مستوصف تتأمن فيه الخدمات الصحية الأساسية والأدوية، “لذلك تبقى الحاجة الماسة بالنسبة إلى أهالي البلدة، إلى الاستشفاء والدعم المادي الذي يشكل تحدياً أيضاً في هذه الظروف المعيشية الصعبة”.
قرى تحولت إلى رماد
ما أكده نادر مخول (من سكان البلدة)، نزوح عدد قليل من سكان رميش، إذ “سبق أن مر أهالي البلدة بتجربة مماثلة عام 2023”. وقال “على رغم كل الصعوبات، تبقى أرضنا الأهم وأكثر ما يهمنا أنها صمدت. ونحرص باستمرار على تحييدها تجنباً للأخطار، إلا أننا أصبحنا نعرف مختلف أنواع الأسلحة والقنابل بعد كل ما مررنا به، حتى أن المدفعية موجودة على حدود بلدتنا. نحن نعرف أن الخطر موجود ومستمر، لكننا لن نتراجع مهما حصل”، وأوضح مخول أيضاً أن زوجته حامل وستلد بعد ثلاثة أشهر في عملية قيصرية، لكنه لا يعرف بعد في أي مستشفى يمكن أن تلد، أما ما يعرفه فإنه يجد صعوبة في ترك البلدة مهما حصل.
من ناحيته، قال يوسف الحاج من بلدة رميش أيضاً “إنهم في سجن بكل ما للكلمة من معنى، ولو كانوا في بلدتهم. إلا أنه من الممكن لهم زيارة الأهل والأقارب والأصدقاء في القرى المجاورة، مثل دبل وعين إبل بين الساعة التاسعة صباحاً والرابعة بعد الظهر”.
لا يواجه أهل البلدة مشكلة لجهة الاحتياجات الأساسية، لأن المجال أفسح لوصول المساعدات بمعدل مرة في الأسبوع أو اثنتين في مواكب تأمنت الحماية لها.
يعمل الحاج في مجال بناء أسطح القرميد، لكن لا مصدر رزق له من فترة طويلة، وبقي من دون عمل منذ حرب عام 2024. حاله حال معظم أهل البلدة بما أن المصالح متوقفة وخسر معظم أهل البلدة مصدر رزقهم بسبب الحرب، وكان جزء بسيط من الناس قد رمم المنازل بعد الحرب الماضية، لكن فرض عليهم النزوج مجدداً ولم يعد هناك أي مجال لمشاريع وأعمال بناء وترميم في الظروف الحالية.
وأشار الحاج إلى شقيقته التي اضطرت إلى النزوح مجدداً بعد أن دمر منزلها مرة أخرى في الحرب، “إنما يبقى هذا أقل أهمية بالمقارنة مع الخطورة المرتبطة بالاستشفاء، إذ توفي شاب، 45 سنة، الأسبوع الماضي، جراء تعرضه لجلطة. لم يكن من الممكن إنقاذه بسبب طول مدة الإجراءات والحاجة إلى أخذ موافقة لنقله بسيارة الإسعاف الخاصة بالصليب الأحمر، مما يتطلب ساعات، وقد توفي”.
“ما تحتاج إليه هذه البلدات التي اختار أهلها الصمود ولو في مواجهة الأخطار اليومية، تأمين الإسعاف السريع لحالات الطوارئ لنقل المرضى والمصابين”، وفق الحاج.
الحالات الصحية الطارئة
تعتبر الحالات الصحية الطارئة الخطر الأكبر الذي يهدد أهل هذه البلدات الصامدين، أما بالنسبة إلى القصف فأصبح بعيداً من البلدة ولا يشكل خطراً مباشراً عليهم، “نحن نتحمل كل الصعوبات ونواجه تحديات يصعب تحملها حفاظاً على أرضنا وبلدنا، لكن إنقاذ الحالات الطارئة حاجة ماسة بالنسبة إلينا في رحلة الصمود هذه”.
وأكد الحاج أن لا أحد سيعود للمنطقة بعد أن دمرت المباني والمؤسسات والمنازل فيها، وتحولت إلى رماد، “وهم يدركون أنه لو قرر أهل البلدات الصامدة أن يرحلوا لتحولت قراهم أيضاً إلى رماد ومحتها إسرائيل بالكامل، لذلك رفضوا الاستسلام والخضوع ومشروع التهجير. أما بالنسبة إلى بلدات مثل عيتا الشعب ويارون وبنت جبيل المحاذية، فرحل جميع سكانها عنها من بداية الحرب، ودمرت بالكامل. وكان أهل هذه البلدات قد نزحوا عام 2023 وعادوا لاحقاً محاولين ترميم منازلهم، لكنهم هذه المرة، نزحوا من بداية الحرب”.
من ناحيته، تحدث رئيس بلدية عين إبل أيوب خريش عن وضع البلدة، مشيراً إلى أنها تضم نحو 1100 شخص، “ومن غادروا البلدة هم من المسنين ومن يعانون أمراضاً تتطلب دخولهم إلى المستشفى، وأيضاً طلاب الجامعات. لكن البلدة محاصرة، وحتى أن أهلها تجمعوا في قسم منها بوجود الجيش الإسرائيلي”.
ووصف الوضع الإنساني بالصعب، “على رغم المساعدات التي تصل إلى البلدة والأدوية، بقي أهلها من دون مصدر رزق وعمل، وهو تحد صعب في هذه الظروف”.
في ظل كل التحديات، وما واجهه أهل البلدة، أكد خريش “أنهم يدفعون ضريبة حرب لا شأن لهم فيها، وهذا ما يجعلهم في وضع بغاية الصعوبة، وقد خسروا ثلاثة من شبابها الأبرياء الذين لا علاقة لهم بكل ما يحصل بسبب غارة إسرائيلية استهدفتهم أثناء عملهم على إصلاح شبكة إنترنت. لكن بعد نزوحهم سابقاً عام 2023 وما عانوه آنذاك، قرروا هذه المرة ألا يكرروا التجربة وألا يغادروا بلدتهم مرة ثانية. يفضلون الموت في بلدتهم على أن يعيشوا الذل مرة ثانية، بعد أن تذوقوا مرارة النزوح”.
ولفت إلى أنه يمكن تحييد البلدة، ما دام لا وجود لمسلحي “حزب الله” فيها.
عندما يصبح إنقاذ الحياة أكثر صعوبة
في سياق متصل، أوضحت المنسقة الطبية في منظمة “أطباء بلا حدود” في لبنان لونا حماد أن التحدي الأكبر في القرى التي صمد أهلها في أرضهم ورفضوا ترك منازلهم، “هو الوصول إلى العلاج، فهم صمدوا في قراهم لكن على الأرض يعجزون عن التحرك خارج قراهم عند الحاجة في ظل أخطار كبرى يواجهونها على الطرقات، والقصف المستمر، والطرقات المقطوعة والخوف من التنقل. ففي حال وجود فرد يعاني مرضاً مزمناً، أو يواجه حالة صحية طارئة، أو حامل، أو مسن، أو طفل بحاجة إلى علاج، يكون المصاب في خطر مستمر لعدم إمكان الوصول إلى مستشفى في الحالات الطارئة. فالمشكلة ليست في الإصابات الناتجة من الحرب فحسب، بل في أمراض عادية تزيد خطورتها عندما يكون الوصول إلى العلاج أو الخدمة الطبية بهذه الصعوبة. نحن نعجز عن التعويض عن الخدمات التي يقدمها مستشفى، لكن ما نحاول تقديمه للمواطنين الصامدين في قراهم حداً أدنى من الخدمات الصحية التي يحتاجون إليها في الحياة اليومية. كما نحرص على دعم مستشفيات، ومراكز بالأدوية، والمستلزمات، والغاز، والأوكجين، والمحروقات. أيضاً عندما يسمح الوضع الأمني بذلك، نحرص على تأمين عيادات متنقلة لتوفير الرعاية الصحية والخدمات الطبية للمواطنين، فهدفنا أن تبقى الخدمات الطارئة والرعاية الصحية متوافرة على رغم الظروف الصعبة”.
في مثل هذه الظروف الطارئة، تكون التحديات كبرى بالنسبة إلى المواطنين الصامدين في قراهم، إذ لا تتوافر المستشفيات التي يمكن الوصول إليها سريعاً في محيطهم، إلى جانب الطرقات التي ترتفع فيها معدلات الخطر. فتختلف الاستجابة الطبية المتوافرة في هذه المناطق عن تلك التي في مناطق آمنة، بحسب حماد أيضاً “تكون الاستجابة الأولى من المسعفين والدفاع المدني في الحالات الطارئة أو في أقرب مركز متوافر، فتكون هناك إسعافات أولية، ووقف نزف، وتثبيت للحالة، وتكون هناك محاولات لنقل المصاب إلى أقرب مستشفى وفق ما تسمح به الظروف وبعد الحصول على الموافقات المطلوبة من الجهات المعنية. فنقل مصاب أو مريض بحد ذاته يكون محفوفاً بالأخطار، وهو في غاية الصعوبة، خصوصاً بغياب المستشفيات القريبة والمراكز الصحية القادرة على تثبيت الحالات”.
يبدو الوضع الإنساني في القرى الصامدة في غاية القسوة لمن تمسكوا بأرضهم ومنازلهم ورفضوا الاستسلام واختاروا الصمود لا الانجرار في مشروع التهجير، وأشارت حماد “إلى أن من هؤلاء الجنوبيين من مكثوا في قراهم لأنه لا خيار آخر لديهم، إلى جانب من صمدوا تمسكاً بأرضهم. إلا أن هذا لا يمنع أن الوضع الإنساني في غاية الصعوبة في هذه القرى نظراً إلى النقص الكبير في الاحتياجات الأساسية ومقومات العيش، تصل مساعدات إلى هذه القرى إذا سمحت الظروف، إلا أن وصول الأدوية ليس ثابتاً في القرى كافة، وثمة قرى تتوافر فيها، فيما في أخرى يسجل نقص واضح، خصوصاً في أدوية الأمراض المزمنة ومستلزمات الطوارئ. علماً أن توافر الدواء ليس وحده أساسياً، بل إن إيصاله بأمان إلى هذه القرى يبقى التحدي الأكبر، لذلك تحرص أطباء بلا حدود وغيرها من المنظمات الإنسانية على تأمين دعم للمخزون بحسب الإمكانات، لكن هناك قرى صامدة في الجنوب فيها عدد كبير من الأطفال وهم لم يتناولوا فاكهة طوال أسابيع. كما أن وسائل النقل غير متوافرة أيضاً بسبب هذه الظروف التي أدت إلى عزلة يعيش فيها أهالي القرى في أرض حرقت ودمرت بالكامل، فيعيشون وكأنهم وحيدين في هذا العالم، حتى أن الحياة اليومية بذاتها أصبحت تحدياً بالنسبة إليهم”.
الضغوط المرتبطة بالحرب لا تقتصر على المواطنين الصامدين في قراهم فحسب، بل ثمة طواقم صحية في هذه المناطق المستهدفة قررت الاستمرار بتأدية الواجب الإنساني وصمدت معهم في هذه القرى لضمان استمرار توفير الخدمات المنقذة للحياة، وفي الاستجابة للنداءات الطارئة لأعداد كبرى من الإصابات اليومية والمرضى في مناطق ترتفع فيها معدلات الخطورة، وعلى طرقات يكثر فيها الخطر.
وقد سجلت أضرار في المستشفيات وإصابات تعرضت لها الكوادر الصحية، والمسعفين، والفرق الصحية. ونظراً إلى المسؤوليات الملقاة على عاتقهم، من الطبيعي أن تكون ظروف العاملين الصحيين في غاية الصعوبة أيضاً، وأكدت حماد “أن أوضاعهم في غاية الصعوبة، ولديهم عائلات تركوها في مناطق أخرى، وهم في مواجهة الخطر تماماً كبقية المواطنين. ومنهم من يمكثون في المستشفيات أياماً وأسابيع من دون التوجه إلى منازلهم، لأن الطرقات غير آمنة في الجنوب، وعلى رغم التعب النفسي والجسدي، يتميز هؤلاء بالتزام لافت ويستمرون بتأدية الواجب وخدمة المرضى والمصابين، على رغم كل الصعوبات والتحديات. هم يعملون على الاستجابة يومياً لأعداد المصابين والقتلى الذين ينقلون إلى المستشفيات، ومنهم أطفال يصلون وهم قد تعرضوا لإصابات بالغة من نزف أو بتر أو جروح معقدة”.








