قانون العفو العام: “صيغة ملغومة” تنفجر في الشارع

لم يكد الحبر الذي كتبت به مسودة قانون العفو العام يجف، بعد إعلان نائب رئيس مجلس النواب إلياس أبو صعب عن “توافق نيابي واسع” على صيغته، حتى انفجر الشارع مجددًا في موجة احتجاجات غاضبة ومتمددة.
انطلقت الحركة الاعتراضيية بسرعة قياسية، سرعان ما تحولت إلى مواجهة مفتوحة بين السلطة التشريعية، الطامحة بإقرار تسوية سياسية توفق بين مصالح القوى الطائفية، والأهالي والموقوفين الذين رأوا في الصيغة المقترحة “فخًا” حقيقيًا يكرس الظلم ويجهض آمال العدالة بدلًا من رفعها.
غليان خلف القضبان وفي الشارع
امتدت شرارة الرفض سريعًا لتشعل بؤر التوتر التقليدية. سادت حالة عارمة من الغليان والاحتجاجات الواسعة داخل عنابر سجن رومية المركزي. إذ نفذ السجناء انتفاضة غاضبة رفضًا للبند المتعلق بـِ “إدغام الأحكام” الذي يحرم شريحة واسعة منهم من الاستفادة الحقيقية من تخفيض العقوبات.
ترجم الغليان خلف القضبان مباشرة في الشارع بلغة الإطارات المشتعلة، حيث قطع أهالي الموقوفين والمتضامنون معهم طرقات حيوية وشرايان رئيسية في العاصمة بيروت وخلدة وصولًا إلى طرابلس ومناطق الشمال وبلدة عرسال في اقصى الشمال.
المتظاهرون الذين افترشوا الإسمنت، أكدوا أن جهات عديدة باتت تعتبر هذا القانون “ملغومًا”. وجاءت صيغته على حساب أبنائهم بتفريغ مفهوم “العفو” من مضمونه الفعلي وتحويله إلى أداة تلميع سياسي.
واقع السجون: أزمة الموقوفين غير المحكومين
تأتي هذه “الانتفاضة” لتسلط الضوء مجددًا على الواقع الكارثي الذي تعيشه السجون اللبنانية. يقول مصدر قضائي لـِ “المدن” إن أعداد القابعين خلف القضبان تفوق قدرة الاستيعاب اللوجستية والانسانية بنسبة 300 بالمئة. إذ يقدر عدد المساجين حاليًا بأكثر من 9 آلاف سجين يتوزعون بين السجون المركزية والنظارات العدلية، ومراكز التوقيف التابعة للجيش ومختلف الأجهزة الأمنية.
الصدمة الكبرى في هذه الأرقام تكمن في أن نسبة 83 بالمئة من هؤلاء هم “موقوفون غير محكومين”. منهم من ينتظر منذ سنوات محاكمات تؤجل باستمرار إما جراء اعتكاف القضاة أو الأزمة الاقتصادية أو تأخر الهيئات القضائية. وفي تفاصيل ملف “الموقوفين الإسلاميين” الذي يمثل العقدة السياسية والأمنية الاكثر حساسية، يكشف المصدر للـ “المدن” أن عددهم الإجمالي كان 146 موقوفًا وصار اليوم 140 موقوفًا بعد خروج الشيخ خالد الحبلص ومن معه من السجن قبل أيام قليلة بعد انتهاء مدة محكوميتهم. من بين هؤلاء الـ 140، هناك 90 سجينًا من الجنسية اللبنانية بينما البقية هم من الجنسيات الأجنبية، وأغلبهم من الفلسطينيين وبعض السوريين.
ينقسم هؤلاء الإسلاميون من حيث العقوبات إلى 13 محكومًا بالإعدام و30 محكومًا بالسجن المؤبد، فيما تتوزع الأحكام الباقية على مددٍ عقابية أخف أو لا يزالون تحت مسمى “الموقوف”
أما في ملف المخدرات، الذي يعد من أضخم الملفات عددًا داخل السجون، يشير المصدر إلى وجود نحو 2800 موقوف أو محكوم بتهم ترويج وتجارة وتهريب المخدرات.
وفق التقديرات الجنائية فإنه في حال دخل قانون العفو العام المقترح حيز التنفيذ بصيغته الحالية، فإن عدد الذين سيفرج عنهم بشكل فوري ومباشر لن يتجاوز 3 آلاف سجين تقريبًا. في حين ستستفيد الأغلبية المتبقية من تدابير تخفيف الاحكام وتقليص سنوات السجن فقط من دون معانقة الحرية.
“الفخ التشريعي”: ثغرات التمييز والمعادلة العرجاء
التعمق في بنود المسودة يكشف بوضوح سبب انتفاضة الشارع. وبحسب مصدر نيابي متابع لـِ “المدن”، فإنَّ الاعتراضات الشديدة الصادرة عن الإسلاميين وعائلاتهم تتركز أساسًا على موضوع إدغام الأحكام، حيث لا يستفيد قسم وازن من الإسلاميين من الصيغة المقترحة.
لكن الاشكال الأكبر والأكثر تعقيدًا يكمن في تصنيف الموقوفين. فالقانون بصيغته الحالية يتضمن إشكالًا قانونيًا حول من ميز الحكم الصادر بحقه: هل يعتبر موقوفًا أم محكومًا؟ هذا اللبس يجعل الذين لجأوا إلى تمييز الأحكام يعاملون بصفتهم محاكمين غير موقوفين. وبالتالي، فإن القانون لن يشمل عمليًا أكثر من 25 شخصًا فقط من الموقوفين الإسلاميين.
يضيف المصدر النيابي لـِ “المدن” أن عدد المحكومين من الإسلاميين يبلغ 77 محكومًا، وهؤلاء لن يستفيدوا من القانون إلا من بند التخفيض فقط. بينما تقبع البقية إما بانتظار المحاكمة المؤجلة أو يأمل باستفادة من هو موقوف فعليًا من دون محاكمة منذ أكثر من 14 عامًا، من دون أي أفق قانوني واضح بانتهاء مأساته.
كذلك فإن الشيخ أحمد الأسير، وفي حال نال حكمًا بالإعدام من المحكمة العسكرية فإنه لن يخرج قبل سنة 2037. وإما إذا بقي على وضعه القانوني الحالي فإنه سيخرج في العام 2027. هذا دفع البعض للاعتقاد إن فخًا ينصب للأسير بين طيات القانون المقترح.
“مبعدو إسرائيل”: التعطيل المزمن
إلى جانب عقدتي الإسلاميين والمخدرات، يبرز ملف “المبعدين أو اللاجئين إلى إسرائيل” كشاهد آخر على قصور المعالجات التشريعية وعقم التوازنات الطائفية في لبنان. إذ إن المقترح يلحظ معالجة هذا الملف بالعودة إلى القانون رقم 195 الصادر عام 2011. لكن هذا الملف لا يزال معطلًا بالكامل ومجمدًا في أدراج السلطة جراء غياب المراسيم التطبيقية له منذ 15 عامًا، في ظل الحسابات السياسية المتبادلة التي تجنبت تسييل هذا القانون على أرض الواقع وحرمت عائلات بأكملها من تسوية أوضاعها القانونية.
يبدو في المحصلة أن الطبقة السياسية اللبنانية، وفي محاولتها لانتاج “صيغة تسووية” لملف العفو العام، قد طبقت قاعدتها الذهبية المعتادة: صياغة حلول ملغومة ” لا ظالم ولا عادل”. حلول ترضي الزعامات وتوزع المكتسبات الطائفية بالتساوي. لكنها تترك الجروح الأساسية نازفة. ومع محاولة “فرملة” القانون في الشارع وعلى أبواب الزنزانات، يثبت الواقع مجددًا أن القوانين التي تطبخ في الغرف المغلقة لتسجيل النقاط السياسية سرعان ما تلهب الشارع، وأرقام السجون معبرة عن عمق الأزمة البنيوية في لبنان.
قانون العفو العام: “صيغة ملغومة” تنفجر في الشارع

لم يكد الحبر الذي كتبت به مسودة قانون العفو العام يجف، بعد إعلان نائب رئيس مجلس النواب إلياس أبو صعب عن “توافق نيابي واسع” على صيغته، حتى انفجر الشارع مجددًا في موجة احتجاجات غاضبة ومتمددة.
انطلقت الحركة الاعتراضيية بسرعة قياسية، سرعان ما تحولت إلى مواجهة مفتوحة بين السلطة التشريعية، الطامحة بإقرار تسوية سياسية توفق بين مصالح القوى الطائفية، والأهالي والموقوفين الذين رأوا في الصيغة المقترحة “فخًا” حقيقيًا يكرس الظلم ويجهض آمال العدالة بدلًا من رفعها.
غليان خلف القضبان وفي الشارع
امتدت شرارة الرفض سريعًا لتشعل بؤر التوتر التقليدية. سادت حالة عارمة من الغليان والاحتجاجات الواسعة داخل عنابر سجن رومية المركزي. إذ نفذ السجناء انتفاضة غاضبة رفضًا للبند المتعلق بـِ “إدغام الأحكام” الذي يحرم شريحة واسعة منهم من الاستفادة الحقيقية من تخفيض العقوبات.
ترجم الغليان خلف القضبان مباشرة في الشارع بلغة الإطارات المشتعلة، حيث قطع أهالي الموقوفين والمتضامنون معهم طرقات حيوية وشرايان رئيسية في العاصمة بيروت وخلدة وصولًا إلى طرابلس ومناطق الشمال وبلدة عرسال في اقصى الشمال.
المتظاهرون الذين افترشوا الإسمنت، أكدوا أن جهات عديدة باتت تعتبر هذا القانون “ملغومًا”. وجاءت صيغته على حساب أبنائهم بتفريغ مفهوم “العفو” من مضمونه الفعلي وتحويله إلى أداة تلميع سياسي.
واقع السجون: أزمة الموقوفين غير المحكومين
تأتي هذه “الانتفاضة” لتسلط الضوء مجددًا على الواقع الكارثي الذي تعيشه السجون اللبنانية. يقول مصدر قضائي لـِ “المدن” إن أعداد القابعين خلف القضبان تفوق قدرة الاستيعاب اللوجستية والانسانية بنسبة 300 بالمئة. إذ يقدر عدد المساجين حاليًا بأكثر من 9 آلاف سجين يتوزعون بين السجون المركزية والنظارات العدلية، ومراكز التوقيف التابعة للجيش ومختلف الأجهزة الأمنية.
الصدمة الكبرى في هذه الأرقام تكمن في أن نسبة 83 بالمئة من هؤلاء هم “موقوفون غير محكومين”. منهم من ينتظر منذ سنوات محاكمات تؤجل باستمرار إما جراء اعتكاف القضاة أو الأزمة الاقتصادية أو تأخر الهيئات القضائية. وفي تفاصيل ملف “الموقوفين الإسلاميين” الذي يمثل العقدة السياسية والأمنية الاكثر حساسية، يكشف المصدر للـ “المدن” أن عددهم الإجمالي كان 146 موقوفًا وصار اليوم 140 موقوفًا بعد خروج الشيخ خالد الحبلص ومن معه من السجن قبل أيام قليلة بعد انتهاء مدة محكوميتهم. من بين هؤلاء الـ 140، هناك 90 سجينًا من الجنسية اللبنانية بينما البقية هم من الجنسيات الأجنبية، وأغلبهم من الفلسطينيين وبعض السوريين.
ينقسم هؤلاء الإسلاميون من حيث العقوبات إلى 13 محكومًا بالإعدام و30 محكومًا بالسجن المؤبد، فيما تتوزع الأحكام الباقية على مددٍ عقابية أخف أو لا يزالون تحت مسمى “الموقوف”
أما في ملف المخدرات، الذي يعد من أضخم الملفات عددًا داخل السجون، يشير المصدر إلى وجود نحو 2800 موقوف أو محكوم بتهم ترويج وتجارة وتهريب المخدرات.
وفق التقديرات الجنائية فإنه في حال دخل قانون العفو العام المقترح حيز التنفيذ بصيغته الحالية، فإن عدد الذين سيفرج عنهم بشكل فوري ومباشر لن يتجاوز 3 آلاف سجين تقريبًا. في حين ستستفيد الأغلبية المتبقية من تدابير تخفيف الاحكام وتقليص سنوات السجن فقط من دون معانقة الحرية.
“الفخ التشريعي”: ثغرات التمييز والمعادلة العرجاء
التعمق في بنود المسودة يكشف بوضوح سبب انتفاضة الشارع. وبحسب مصدر نيابي متابع لـِ “المدن”، فإنَّ الاعتراضات الشديدة الصادرة عن الإسلاميين وعائلاتهم تتركز أساسًا على موضوع إدغام الأحكام، حيث لا يستفيد قسم وازن من الإسلاميين من الصيغة المقترحة.
لكن الاشكال الأكبر والأكثر تعقيدًا يكمن في تصنيف الموقوفين. فالقانون بصيغته الحالية يتضمن إشكالًا قانونيًا حول من ميز الحكم الصادر بحقه: هل يعتبر موقوفًا أم محكومًا؟ هذا اللبس يجعل الذين لجأوا إلى تمييز الأحكام يعاملون بصفتهم محاكمين غير موقوفين. وبالتالي، فإن القانون لن يشمل عمليًا أكثر من 25 شخصًا فقط من الموقوفين الإسلاميين.
يضيف المصدر النيابي لـِ “المدن” أن عدد المحكومين من الإسلاميين يبلغ 77 محكومًا، وهؤلاء لن يستفيدوا من القانون إلا من بند التخفيض فقط. بينما تقبع البقية إما بانتظار المحاكمة المؤجلة أو يأمل باستفادة من هو موقوف فعليًا من دون محاكمة منذ أكثر من 14 عامًا، من دون أي أفق قانوني واضح بانتهاء مأساته.
كذلك فإن الشيخ أحمد الأسير، وفي حال نال حكمًا بالإعدام من المحكمة العسكرية فإنه لن يخرج قبل سنة 2037. وإما إذا بقي على وضعه القانوني الحالي فإنه سيخرج في العام 2027. هذا دفع البعض للاعتقاد إن فخًا ينصب للأسير بين طيات القانون المقترح.
“مبعدو إسرائيل”: التعطيل المزمن
إلى جانب عقدتي الإسلاميين والمخدرات، يبرز ملف “المبعدين أو اللاجئين إلى إسرائيل” كشاهد آخر على قصور المعالجات التشريعية وعقم التوازنات الطائفية في لبنان. إذ إن المقترح يلحظ معالجة هذا الملف بالعودة إلى القانون رقم 195 الصادر عام 2011. لكن هذا الملف لا يزال معطلًا بالكامل ومجمدًا في أدراج السلطة جراء غياب المراسيم التطبيقية له منذ 15 عامًا، في ظل الحسابات السياسية المتبادلة التي تجنبت تسييل هذا القانون على أرض الواقع وحرمت عائلات بأكملها من تسوية أوضاعها القانونية.
يبدو في المحصلة أن الطبقة السياسية اللبنانية، وفي محاولتها لانتاج “صيغة تسووية” لملف العفو العام، قد طبقت قاعدتها الذهبية المعتادة: صياغة حلول ملغومة ” لا ظالم ولا عادل”. حلول ترضي الزعامات وتوزع المكتسبات الطائفية بالتساوي. لكنها تترك الجروح الأساسية نازفة. ومع محاولة “فرملة” القانون في الشارع وعلى أبواب الزنزانات، يثبت الواقع مجددًا أن القوانين التي تطبخ في الغرف المغلقة لتسجيل النقاط السياسية سرعان ما تلهب الشارع، وأرقام السجون معبرة عن عمق الأزمة البنيوية في لبنان.









