جنوب لبنان… «منطقة أمنية» أم «أرض غنائم»؟

المصدر: الراي الكويتية
21 أيار 2026
– لدى الجيش مهمة واحدة: عدم ترك أي مبنى قائماً

كشف تحقيق نشرته صحيفة «هآرتس»، تحت عنوان «في الأخبار يقولون وقف نار. فمّاذا يتحدثون»؟ عن شهادات لخمسة جنود في جنوب لبنان – من وحدات نظامية واحتياط، مشاة ومدرعات – يروون من خلاله واقعاً من النهب المنهجي، والتدمير الممنهج للقرى، وانهيار الانضباط العسكري، وأزمة نفسية حادة يعيشها الجنود في غياب أي رعاية أو علاج.

«منطقة أمنية» أم «أرض غنائم»؟

1 – سرقة ممتلكات مدنية على نطاق واسع لا تخفي شهادات الجنود حقيقة أن جزءاً كبيراً من المهمة اليومية في جنوب لبنان تحول إلى عملية نهب منظمة للممتلكات المدنية.

ويصف الجندي نداف، المشهد قائلاً «كانت القرية التي نعمل فيها مليئة بالأثرياء، مليئة بالفيلات ذات برك السباحة والسيارات الفارهة والمجوهرات… كنا ندخل إلى البيوت، نفتحها في البداية بإطلاق النار بشكل عشوائي وبعد ذلك نقوم بتفتيشها. بعد التأكد من خلو المنطقة تبدأ المهمة الحقيقية… تحديد مكان الأشياء الثمينة.»

ويضيف أن الجنود لم يقتصروا على البيوت، بل استهدفوا المحلات التجارية «كان الجنود يدخلون ويأخذون كل البضائع، علب كاملة من الحلويات والسجائر ومواد التنظيف وحتى القرطاسية. أحدهم أخذ حقيبة مدرسة لابنه، وآخر أخذ مخرطة… الأمر ظهر وكأن هذه هي المهمة الرئيسية».

ووصف الجنود بأنهم «لصوص حرب… السرقة والنهب مستمران حتى الآن. كل من يأخذ شيئاً – أجهزة تلفاز، سجائر، أدوات أو أي شيء آخر – يضعه فوراً في سيارته. هذا ليس سراً، الجميع يرون ويفهمون».

2 – تواطؤ القيادات وانهيار الضوابط العسكرية

تكشف الشهادات أن هذا النهب لم يكن مجرد تجاوزات فردية، بل أصبح «روتينياً» وبمعرفة القيادات العسكرية بل وتحت أنظارها.

يقول نداف: «معظم القادة الكبار لم يهتموا بهذا الأمر. كان الجنود ينهبون حتى عندما كان قائد الكتيبة يزورهم، وكان يتجاهل الأمر كلياً، ويتظاهر بأنه لا يرى أي شيء».

وحين حدث أحد الضباط عن ذلك، كان رده صادماً «هناك نقص في الجنود ويصعب أن تحتج على جنود قضوا 400 يوم في الاحتياط».

ويؤكد جندي آخر لصحيفة «هآرتس»: «عندما لا تكون هناك عقوبة، تكون الرسالة واضحة. لو طردوا شخصاً، أو سجنوه، أو نشروا الشرطة العسكرية على الحدود، لوقفت الأمور فوراً».

وبالفعل، يشير التقرير إلى أن معابر الشرطة العسكرية التي كانت قائمة لمنع النهب قد أزيلت، بينما لم يتم إنشاء معابر أخرى، مما شجع على تفاقم الظاهرة.

سياسة «الأرض المحروقة»

لم يقتصر الانتهاك على السرقة، بل امتد إلى تدمير منهجي للبنية التحتية المدنية. يصف الجندي العاد (28 عاماً) من لواء المشاة في الاحتياط ما رآه «لم يكن هناك قتال، بل عمليات لهدم البيوت. هذا هو جيش الدفاع الإسرائيلي في السنتين الأخيرتين – جيش الدفاع لهدم البيوت. مهمتنا كانت واحدة: عدم ترك أي مبنى قائم، هدم كل شيء، حتى المدارس والعيادات، باستثناء المقبرة».

الاستعانة بمقاولين مدنيين (مستوطنين) لهدم القرى

يكشف التقرير تفصيلاً خطيراً آخر، وهو أن عمليات الهدم لم تكن تتم بواسطة عبوات الجيش بسبب كلفتها العالية، بل تمت الاستعانة بمقاولين مدنيين.

يقول العاد: «استعانوا بمقاولين مع حفارات (حفارات عسكرية)… ليس بينهم جنود، جميعهم مدنيون، ويبدو أنهم لم يكونوا في الجيش أصلاً، كان معظمهم من المستوطنين أو الدروز».

وحين سأل جندي أحد المقاولين كيف يعقل ذلك، قال له «إنهم الوحيدون الذين وافقوا على فعل ذلك».

هذا الأسلوب يحول القرى اللبنانية إلى «منطقة أمنية» خالية من سكانها، وهو ما يتسق مع تصريحات سياسية سابقة حول إنشاء «منطقة عازلة»، ولكنه في التطبيق يعني تهجيراً قسرياً وتدميراً للمساكن.

الانهيار النفسي للجنود

يروي جندي (طلب عدم كشف هويته) تفاصيل أزمته، قائلاً «أصدقائي اندفعوا، أنا تجمدت في مكاني. شعرت بأنني لا شيء. كل لحظة مرت وكأنها دهر. كان هناك وابل من الرصاص. شعرت كأنني أفقد عقلي».

ويضيف أنه بعد عودته إلى إسرائيل، شعر بالضياع «لم أعد أفهم معنى التجول في العالم بدون سماع دوي الانفجارات ومن دون خوف».

فشل النظام الصحي النفسي العسكري

عندما حاول الجندي طلب المساعدة من ضابط الأمن النفسي، كانت الاستجابة صادمة وصناعية «قال لي إنه يجب عليّ تعلم التنفس بعمق… هذا جعلني أشعر بسطحية كبيرة، وكأن هدفه الوحيد هو إعادتي إلى القتال وليس معالجتي أو مساعدتي. شعرت وكأنني مضطر لإيذاء نفسي كي يهتم أحد بي».

الموقف… دعم مشروط و«خط رفيع»

تسعى الإدارة الأميركية إلى المشي على «خط رفيع» في لبنان. فمن ناحية، تدعم «حق إسرائيل في استهداف حزب الله»، لكن من ناحية أخرى، تريد أن يبقى القتال محصوراً في إطار الحزب العسكري، وليس أن يمتد إلى مؤسسات الدولة اللبنانية.

مع ذلك، فإن هذه «الدعم المشروط» يبدو أنه لم يمنع الانتهاكات التي تم توثيقها، بل إن تقارير استخباراتية أميركية سابقة كانت حذرت من أن الجيش الإسرائيلي سيجد صعوبة في تحقيق النجاح في حرب على جبهتين.

«وقف النار» الذي لا يراه الجنود

في خضم هذه التفاصيل المروعة، يتساءل الجندي تومر (19 عاماً) من لواء «جفعاتي»: «بعد ذلك تقول الأخبار، وقف إطلاق نار. ما هذا الهراء؟ هل تعرفون كم عدد المسيرات التي يرسلونها فوقنا؟ هذا العبث لا ينتهي. هل هذا ما يسمى وقف إطلاق النار»؟

شهادات الجنود في «هآرتس» تثبت أن ما يحدث في جنوب لبنان ليس «وقف حرب» بقدر ما هو «إدارة احتلال» جديد، كما يصف الكاتب توم لفنسون.

فهي تمثل انتهاكاً للقانون الدولي، وأزمة ضمير لدى الجنود، وفشلاً ذريعاً للقيادة السياسية والعسكرية في ضبط قواتها، ومأساة إنسانية للمدنيين اللبنانيين الذين هُجّروا من قراهم أو نهبت ممتلكاتهم.

إن صمت المجتمع الدولي حيال هذه الانتهاكات واستمرار تقديم الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل يخلقان مناخاً من الإفلات من العقاب، مما يهدّد بتقويض أي فرصة لسلام حقيقي قائم على القانون والعدالة.

جنوب لبنان… «منطقة أمنية» أم «أرض غنائم»؟

المصدر: الراي الكويتية
21 أيار 2026
– لدى الجيش مهمة واحدة: عدم ترك أي مبنى قائماً

كشف تحقيق نشرته صحيفة «هآرتس»، تحت عنوان «في الأخبار يقولون وقف نار. فمّاذا يتحدثون»؟ عن شهادات لخمسة جنود في جنوب لبنان – من وحدات نظامية واحتياط، مشاة ومدرعات – يروون من خلاله واقعاً من النهب المنهجي، والتدمير الممنهج للقرى، وانهيار الانضباط العسكري، وأزمة نفسية حادة يعيشها الجنود في غياب أي رعاية أو علاج.

«منطقة أمنية» أم «أرض غنائم»؟

1 – سرقة ممتلكات مدنية على نطاق واسع لا تخفي شهادات الجنود حقيقة أن جزءاً كبيراً من المهمة اليومية في جنوب لبنان تحول إلى عملية نهب منظمة للممتلكات المدنية.

ويصف الجندي نداف، المشهد قائلاً «كانت القرية التي نعمل فيها مليئة بالأثرياء، مليئة بالفيلات ذات برك السباحة والسيارات الفارهة والمجوهرات… كنا ندخل إلى البيوت، نفتحها في البداية بإطلاق النار بشكل عشوائي وبعد ذلك نقوم بتفتيشها. بعد التأكد من خلو المنطقة تبدأ المهمة الحقيقية… تحديد مكان الأشياء الثمينة.»

ويضيف أن الجنود لم يقتصروا على البيوت، بل استهدفوا المحلات التجارية «كان الجنود يدخلون ويأخذون كل البضائع، علب كاملة من الحلويات والسجائر ومواد التنظيف وحتى القرطاسية. أحدهم أخذ حقيبة مدرسة لابنه، وآخر أخذ مخرطة… الأمر ظهر وكأن هذه هي المهمة الرئيسية».

ووصف الجنود بأنهم «لصوص حرب… السرقة والنهب مستمران حتى الآن. كل من يأخذ شيئاً – أجهزة تلفاز، سجائر، أدوات أو أي شيء آخر – يضعه فوراً في سيارته. هذا ليس سراً، الجميع يرون ويفهمون».

2 – تواطؤ القيادات وانهيار الضوابط العسكرية

تكشف الشهادات أن هذا النهب لم يكن مجرد تجاوزات فردية، بل أصبح «روتينياً» وبمعرفة القيادات العسكرية بل وتحت أنظارها.

يقول نداف: «معظم القادة الكبار لم يهتموا بهذا الأمر. كان الجنود ينهبون حتى عندما كان قائد الكتيبة يزورهم، وكان يتجاهل الأمر كلياً، ويتظاهر بأنه لا يرى أي شيء».

وحين حدث أحد الضباط عن ذلك، كان رده صادماً «هناك نقص في الجنود ويصعب أن تحتج على جنود قضوا 400 يوم في الاحتياط».

ويؤكد جندي آخر لصحيفة «هآرتس»: «عندما لا تكون هناك عقوبة، تكون الرسالة واضحة. لو طردوا شخصاً، أو سجنوه، أو نشروا الشرطة العسكرية على الحدود، لوقفت الأمور فوراً».

وبالفعل، يشير التقرير إلى أن معابر الشرطة العسكرية التي كانت قائمة لمنع النهب قد أزيلت، بينما لم يتم إنشاء معابر أخرى، مما شجع على تفاقم الظاهرة.

سياسة «الأرض المحروقة»

لم يقتصر الانتهاك على السرقة، بل امتد إلى تدمير منهجي للبنية التحتية المدنية. يصف الجندي العاد (28 عاماً) من لواء المشاة في الاحتياط ما رآه «لم يكن هناك قتال، بل عمليات لهدم البيوت. هذا هو جيش الدفاع الإسرائيلي في السنتين الأخيرتين – جيش الدفاع لهدم البيوت. مهمتنا كانت واحدة: عدم ترك أي مبنى قائم، هدم كل شيء، حتى المدارس والعيادات، باستثناء المقبرة».

الاستعانة بمقاولين مدنيين (مستوطنين) لهدم القرى

يكشف التقرير تفصيلاً خطيراً آخر، وهو أن عمليات الهدم لم تكن تتم بواسطة عبوات الجيش بسبب كلفتها العالية، بل تمت الاستعانة بمقاولين مدنيين.

يقول العاد: «استعانوا بمقاولين مع حفارات (حفارات عسكرية)… ليس بينهم جنود، جميعهم مدنيون، ويبدو أنهم لم يكونوا في الجيش أصلاً، كان معظمهم من المستوطنين أو الدروز».

وحين سأل جندي أحد المقاولين كيف يعقل ذلك، قال له «إنهم الوحيدون الذين وافقوا على فعل ذلك».

هذا الأسلوب يحول القرى اللبنانية إلى «منطقة أمنية» خالية من سكانها، وهو ما يتسق مع تصريحات سياسية سابقة حول إنشاء «منطقة عازلة»، ولكنه في التطبيق يعني تهجيراً قسرياً وتدميراً للمساكن.

الانهيار النفسي للجنود

يروي جندي (طلب عدم كشف هويته) تفاصيل أزمته، قائلاً «أصدقائي اندفعوا، أنا تجمدت في مكاني. شعرت بأنني لا شيء. كل لحظة مرت وكأنها دهر. كان هناك وابل من الرصاص. شعرت كأنني أفقد عقلي».

ويضيف أنه بعد عودته إلى إسرائيل، شعر بالضياع «لم أعد أفهم معنى التجول في العالم بدون سماع دوي الانفجارات ومن دون خوف».

فشل النظام الصحي النفسي العسكري

عندما حاول الجندي طلب المساعدة من ضابط الأمن النفسي، كانت الاستجابة صادمة وصناعية «قال لي إنه يجب عليّ تعلم التنفس بعمق… هذا جعلني أشعر بسطحية كبيرة، وكأن هدفه الوحيد هو إعادتي إلى القتال وليس معالجتي أو مساعدتي. شعرت وكأنني مضطر لإيذاء نفسي كي يهتم أحد بي».

الموقف… دعم مشروط و«خط رفيع»

تسعى الإدارة الأميركية إلى المشي على «خط رفيع» في لبنان. فمن ناحية، تدعم «حق إسرائيل في استهداف حزب الله»، لكن من ناحية أخرى، تريد أن يبقى القتال محصوراً في إطار الحزب العسكري، وليس أن يمتد إلى مؤسسات الدولة اللبنانية.

مع ذلك، فإن هذه «الدعم المشروط» يبدو أنه لم يمنع الانتهاكات التي تم توثيقها، بل إن تقارير استخباراتية أميركية سابقة كانت حذرت من أن الجيش الإسرائيلي سيجد صعوبة في تحقيق النجاح في حرب على جبهتين.

«وقف النار» الذي لا يراه الجنود

في خضم هذه التفاصيل المروعة، يتساءل الجندي تومر (19 عاماً) من لواء «جفعاتي»: «بعد ذلك تقول الأخبار، وقف إطلاق نار. ما هذا الهراء؟ هل تعرفون كم عدد المسيرات التي يرسلونها فوقنا؟ هذا العبث لا ينتهي. هل هذا ما يسمى وقف إطلاق النار»؟

شهادات الجنود في «هآرتس» تثبت أن ما يحدث في جنوب لبنان ليس «وقف حرب» بقدر ما هو «إدارة احتلال» جديد، كما يصف الكاتب توم لفنسون.

فهي تمثل انتهاكاً للقانون الدولي، وأزمة ضمير لدى الجنود، وفشلاً ذريعاً للقيادة السياسية والعسكرية في ضبط قواتها، ومأساة إنسانية للمدنيين اللبنانيين الذين هُجّروا من قراهم أو نهبت ممتلكاتهم.

إن صمت المجتمع الدولي حيال هذه الانتهاكات واستمرار تقديم الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل يخلقان مناخاً من الإفلات من العقاب، مما يهدّد بتقويض أي فرصة لسلام حقيقي قائم على القانون والعدالة.

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});

مزيد من الأخبار