نهر الليطاني: ذريعة “المقاومة” الساقطة

نهر الليطاني
الكاتب: ميشال طوق | المصدر: نداء الوطن
21 أيار 2026

منذ عقود، تحوّل نهر الليطاني في المخيال السياسي اللبناني إلى أكثر من مجرد مجرى مائي. فقد أصبح رمزًا للسيادة من جهة، وللخوف التاريخي من الأطماع الإسرائيلية في جنوب لبنان من جهة أخرى. ومع كل توتر على الحدود، يتجدد السؤال: هل تحتاج إسرائيل فعلا إلى مياه الليطاني؟

الإجابة، بعيدًا عن الخطابات السياسية، تبدو اليوم أكثر تعقيدًا، وربما أبسط مما يُصوَّر.

صحيح أن بعض “الطروحات الصهيونية” في بدايات القرن العشرين تناولت مسألة المياه في المنطقة، إلا أن إسرائيل الحالية ليست إسرائيل العقود الماضية. فقد طورت خلال السنوات الأخيرة منظومة مائية متقدمة جدًا، تقوم على التحلية وإعادة التدوير، ما جعل اعتمادها على المصادر الخارجية محدودًا للغاية.

بحسب تقارير دولية مثل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تؤمّن محطات تحلية مياه البحر جزءًا كبيرًا من المياه المنزلية في إسرائيل، بينما تُعاد معالجة نسبة مرتفعة من مياه الصرف الصحي لاستخدامها في الزراعة، وهي من أعلى النسب عالميًا. هذا التحول جعل البحر المتوسط المصدر الأساسي للمياه بدل الأنهار الإقليمية.

كما أن مشاريع التحلية الضخمة في عسقلان وسوريك والخضيرة وغيرها، إضافة إلى تقنيات إعادة التوزيع، تعكس تحولا استراتيجيًا في “العقيدة المائية” الإسرائيلية، من الاعتماد على الجغرافيا إلى الاعتماد على التكنولوجيا. حتى إن بعض المشاريع الحديثة شملت ضخ مياه محلاة لتعويض انخفاض منسوب بحيرة طبريا، وهو ما يعكس قدرة الدولة على إدارة مواردها المائية داخليًا من دون الحاجة إلى مصادر خارجية.

لكن حتى لو تجاهلنا هذا التطور، يبقى السؤال الأكثر واقعية: ما الذي يمكن أن تستفيده أي دولة من نهر مثل الليطاني اليوم؟

فهذا النهر، الذي كان يومًا شريانًا أساسيًا للبنان، يعاني اليوم من أزمة بيئية حادة. تقارير محلية تشير إلى تلوث كبير ناتج عن تصريف مياه الصرف الصحي مباشرة إلى مجراه، إضافة إلى النفايات الصناعية والمخلفات الزراعية. أما بحيرة القرعون، وهي الخزان الأكبر المرتبط بالنهر، فقد شهدت تراجعًا خطيرًا في نوعية المياه، مع نفوق متكرر للأسماك ومنع الصيد في فترات متعددة.

هذه المعطيات تجعل من مياه الليطاني موردًا يحتاج إلى معالجة ضخمة قبل أي استخدام فعلي، ما يضعف كثيرًا فكرة أنه هدف استراتيجي محتمل في نزاع إقليمي.

في المقابل، لا يعني ذلك أن المخاوف اللبنانية “وهمية”، بل إن تاريخ الصراع في المنطقة يفسر الكثير من هذه الهواجس. لكن المشكلة تظهر عندما تتحول هذه المخاوف إلى تفسير شامل لكل أزمة داخلية، بدل التعامل مع أسبابها الفعلية.

فالواقع أن الخطر الأكبر على الليطاني اليوم ليس خارجيًا، بل داخليًا. فالنهر يعاني من تدهور مستمر بسبب الإهمال، وضعف البنية التحتية، وغياب الإدارة البيئية الفعالة. ومع مرور الوقت، أصبح التلوث جزءًا من المشهد اليومي في بعض المناطق، إلى درجة الاعتياد عليه.

في هذا السياق، تبدو فكرة “التهديد الخارجي” أقل إقناعًا من حقيقة الانهيار البيئي التدريجي الذي يعيشه النهر داخل الحدود اللبنانية نفسها.

حتى من منظور استراتيجي بحت، فإن أي مشروع للسيطرة على الليطاني يواجه عوائق جغرافية وتكلفة عالية، فضلا عن كونه لا ينتهي داخل أراضٍ قابلة للاستخدام المباشر، بل يصب في البحر المتوسط شمال مدينة صور، ما يجعل الاستفادة منه محدودة ومعقدة.

وهكذا، يتضح أن النقاش حول الليطاني ليس مجرد نقاش حول المياه، بل هو أيضًا نقاش حول طريقة قراءة الأزمات. فبينما يُستخدم النهر أحيانًا كرمز سياسي، يبقى في الواقع ملفًا بيئيًا بامتياز.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم: هل تريد إسرائيل مياه الليطاني؟ بل: لماذا يصل هذا النهر إلى هذا المستوى من التدهور، ومن المسؤول عن إنقاذه قبل أن يتحول إلى مجرد ذكرى جغرافية.

نهر الليطاني: ذريعة “المقاومة” الساقطة

نهر الليطاني
الكاتب: ميشال طوق | المصدر: نداء الوطن
21 أيار 2026

منذ عقود، تحوّل نهر الليطاني في المخيال السياسي اللبناني إلى أكثر من مجرد مجرى مائي. فقد أصبح رمزًا للسيادة من جهة، وللخوف التاريخي من الأطماع الإسرائيلية في جنوب لبنان من جهة أخرى. ومع كل توتر على الحدود، يتجدد السؤال: هل تحتاج إسرائيل فعلا إلى مياه الليطاني؟

الإجابة، بعيدًا عن الخطابات السياسية، تبدو اليوم أكثر تعقيدًا، وربما أبسط مما يُصوَّر.

صحيح أن بعض “الطروحات الصهيونية” في بدايات القرن العشرين تناولت مسألة المياه في المنطقة، إلا أن إسرائيل الحالية ليست إسرائيل العقود الماضية. فقد طورت خلال السنوات الأخيرة منظومة مائية متقدمة جدًا، تقوم على التحلية وإعادة التدوير، ما جعل اعتمادها على المصادر الخارجية محدودًا للغاية.

بحسب تقارير دولية مثل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تؤمّن محطات تحلية مياه البحر جزءًا كبيرًا من المياه المنزلية في إسرائيل، بينما تُعاد معالجة نسبة مرتفعة من مياه الصرف الصحي لاستخدامها في الزراعة، وهي من أعلى النسب عالميًا. هذا التحول جعل البحر المتوسط المصدر الأساسي للمياه بدل الأنهار الإقليمية.

كما أن مشاريع التحلية الضخمة في عسقلان وسوريك والخضيرة وغيرها، إضافة إلى تقنيات إعادة التوزيع، تعكس تحولا استراتيجيًا في “العقيدة المائية” الإسرائيلية، من الاعتماد على الجغرافيا إلى الاعتماد على التكنولوجيا. حتى إن بعض المشاريع الحديثة شملت ضخ مياه محلاة لتعويض انخفاض منسوب بحيرة طبريا، وهو ما يعكس قدرة الدولة على إدارة مواردها المائية داخليًا من دون الحاجة إلى مصادر خارجية.

لكن حتى لو تجاهلنا هذا التطور، يبقى السؤال الأكثر واقعية: ما الذي يمكن أن تستفيده أي دولة من نهر مثل الليطاني اليوم؟

فهذا النهر، الذي كان يومًا شريانًا أساسيًا للبنان، يعاني اليوم من أزمة بيئية حادة. تقارير محلية تشير إلى تلوث كبير ناتج عن تصريف مياه الصرف الصحي مباشرة إلى مجراه، إضافة إلى النفايات الصناعية والمخلفات الزراعية. أما بحيرة القرعون، وهي الخزان الأكبر المرتبط بالنهر، فقد شهدت تراجعًا خطيرًا في نوعية المياه، مع نفوق متكرر للأسماك ومنع الصيد في فترات متعددة.

هذه المعطيات تجعل من مياه الليطاني موردًا يحتاج إلى معالجة ضخمة قبل أي استخدام فعلي، ما يضعف كثيرًا فكرة أنه هدف استراتيجي محتمل في نزاع إقليمي.

في المقابل، لا يعني ذلك أن المخاوف اللبنانية “وهمية”، بل إن تاريخ الصراع في المنطقة يفسر الكثير من هذه الهواجس. لكن المشكلة تظهر عندما تتحول هذه المخاوف إلى تفسير شامل لكل أزمة داخلية، بدل التعامل مع أسبابها الفعلية.

فالواقع أن الخطر الأكبر على الليطاني اليوم ليس خارجيًا، بل داخليًا. فالنهر يعاني من تدهور مستمر بسبب الإهمال، وضعف البنية التحتية، وغياب الإدارة البيئية الفعالة. ومع مرور الوقت، أصبح التلوث جزءًا من المشهد اليومي في بعض المناطق، إلى درجة الاعتياد عليه.

في هذا السياق، تبدو فكرة “التهديد الخارجي” أقل إقناعًا من حقيقة الانهيار البيئي التدريجي الذي يعيشه النهر داخل الحدود اللبنانية نفسها.

حتى من منظور استراتيجي بحت، فإن أي مشروع للسيطرة على الليطاني يواجه عوائق جغرافية وتكلفة عالية، فضلا عن كونه لا ينتهي داخل أراضٍ قابلة للاستخدام المباشر، بل يصب في البحر المتوسط شمال مدينة صور، ما يجعل الاستفادة منه محدودة ومعقدة.

وهكذا، يتضح أن النقاش حول الليطاني ليس مجرد نقاش حول المياه، بل هو أيضًا نقاش حول طريقة قراءة الأزمات. فبينما يُستخدم النهر أحيانًا كرمز سياسي، يبقى في الواقع ملفًا بيئيًا بامتياز.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم: هل تريد إسرائيل مياه الليطاني؟ بل: لماذا يصل هذا النهر إلى هذا المستوى من التدهور، ومن المسؤول عن إنقاذه قبل أن يتحول إلى مجرد ذكرى جغرافية.

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});

مزيد من الأخبار