الرّئيس عون متمسّك بالتّفاوض: لا خيارات أمامنا

الكاتب: كلير شكر | المصدر: اساس ميديا
22 أيار 2026

يستعدّ لبنان الرسميّ للانتقال إلى مرحلة جديدة من التفاوض مع إسرائيل، مع توجّه وفد عسكريّ إلى واشنطن للمشاركة في تفاوض عسكريّ – أمنيّ مع وفد إسرائيليّ برعاية أميركيّة مباشرة، بينما فشلت جهود السلطة اللبنانيّة في إقناع الإدارة الأميركيّة بانتزاع تثبيت لوقف إطلاق النار بعد استمرار الاعتداءات الإسرائيليّة في الجنوب والإنذارات بالإخلاءات، والتوسعة بالنار لمساحة الأرض المحروقة.

 

وحده الهدف الذي حدّده بيان الخارجيّة الأميركيّة الصادر عقب مفاوضات يومَي 14 و15 أيّار المنصرمَين، واضح المعالم والتوجّه، وما عداه يسوده الالتباس والإرباك. يقول البيان إنّ واشنطن تأمل أن “تساهم المحادثات في التوصّل إلى سلام دائم بين لبنان وإسرائيل، قائم على الاعتراف الكامل بسيادة كلّ طرف وسلامة أراضيه، إضافة إلى ترسيخ أمن مستقرّ على طول الحدود المشتركة. وبالتالي الهدف هو السيادة والأمن”. أمّا كيف الوصول إلى ذلك، فلا يزال موضع نقاش، يخشى كثيرون أن يكون عقيماً!

مع ذلك، يقول متابعون إنّ هناك تعويلاً على الاجتماع العسكريّ الذي سيستضيفه البنتاغون لوضع آليّة للتنسيق في المرحلة المقبلة، وسط أسئلة تُطرح في الأوساط الأميركيّة المعنيّة عن موقف “الحزب” في حال نجحت الإدارة الأميركيّة في انتزع موافقة إسرائيليّة على تثبيت وقف إطلاق النار أوّلاً ثمّ وضع جدول زمنيّ للانسحاب والسماح بعودة النازحين، وعن موقف الدولة في حال أصرّ “الحزب” على ربط موقفه بموقف إيران، وعن الجيش.

كلّها أسئلة من دون إجابات حاسمة وواضحة تضع اجتماع البنتاغون في الخانة ذاتها لاجتماعات وزارة الخارجيّة: الكثير من البيانات لكن من دون نتائج عمليّة.

في الانتظار شكّل لبنان وفده العسكريّ ليكون في واشنطن صبيحة يوم 29 أيّار، كما يؤكّد المعنيّون، لكنّه لم يطّلع حتّى اللحظة على طبيعة جدول أعمال هذه المفاوضات. تقول معلومات إنّ الإدارة الأميركيّة لا تكشف عن جدول الأعمال إلّا مع دخول الوفدين اللبنانيّ والإسرائيليّ إلى قاعة الاجتماعات. هكذا فعلت يومَي 14 و15 أيّار، وهكذا ستفعل يوم 29 أيّار. وبالتالي لبنان يتوجّه إلى طاولة مفاوضات عسكريّة مع إسرائيل مقفَل العينين.

لكن كما يقول رئيس الجمهوريّة جوزف عون أمام زوّاره، الخيارات ضيّقة، وأحلاها مرّ، وهو المفاوضات المباشرة، ولذا لن يتخلّى لبنان عنها حتّى لو صار الهدف منها تثبيت وقف إطلاق النار لا أكثر. يردّد الرئيس عون أنّه لن يتراجع عن خيار التفاوض وسيتمسّك بهذه المحاولة لأنّ البديل عنها هو تسليم قرار البلد إلى الإيرانيّ ليتفاوض عنه. ولهذا لن يفعلها.

سياسيّاً، لا يزال التواصل مقطوعاً بين بعبدا و”الحزب” على الرغم من تكليف النائب حسن فضل الله بالتواصل مع الرئاسة الأولى، ولم يسجَّل في هذا الإطار أيّ تطوّر جديد، مع العلم أنّ الرئيس يردّد أمام زوّاره أنّ أبواب القصر مفتوحة أمام كلّ اللبنانيّين. لكنّ إعلان النائب فضل الله لم يرفَق بأيّ خطوة عملانيّة، مقابل تأكيد المعنيّين أنّ الرئاسة الأولى تحرص على التواصل مع رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي لأنّه رئيس البرلمان بالدرجة الأولى، والجهة التي تتولّى التفاوض مع “الحزب” بالدرجة الثانية.

توسيع الأرض المحروقة

لم تعد النيران الإسرائيليّة ميدانيّاً تقتصر على الشريط الحدوديّ الضيّق، بل باتت ترسم خريطة ضغط تمتدّ من القرى الأماميّة في الجنوب إلى عمق البقاع والضاحية الجنوبيّة لبيروت، في محاولة لفرض واقع أمنيّ جديد يقوم على “الأرض المحروقة” والإخلاءات الواسعة. يُظهر المشهد الميدانيّ الحاليّ أنّ إسرائيل انتقلت من سياسة الردّ الموضعيّ إلى استراتيجية تفريغ جغرافيّ متدرّج، تبدأ بالإنذارات وتنتهي بتدمير البنى السكنيّة وشلّ الحياة المدنيّة.

تتوزّع في الجنوب نقاط التوغّل والاحتلال الإسرائيليّ على محاور تمتدّ من القطاع الشرقيّ عند الخيام وكفركلا والعديسة، وصولاً إلى محور بنت جبيل، عيتا الشعب، ومارون الراس في القطاع الأوسط، فيما تشهد المناطق الغربيّة ضغطاً ناريّاً متصاعداً باتّجاه الناقورة والبيّاضة واللبّونة. تفيد تقارير ميدانيّة بأنّ القوّات الإسرائيليّة تحاول تثبيت “حزام أمنيّ بالنار”، عبر السيطرة على التلال الاستراتيجيّة ومفارق الطرق، بالتوازي مع ضرب أيّ بنية تسمح بعودة السكّان أو إعادة تمركز القوى المسلّحة.

أمّا خريطة الإخلاءات فتتّسع بشكل شبه يوميّ. لم تعد الإنذارات الإسرائيليّة محصورة بالقرى الملاصقة للحدود، بل طاولت بلدات تقع شمال الليطاني وفي عمق النبطيّة والزهراني. وُضعت عشرات البلدات تحت تهديد مباشر، من بينها شقرا، تبنين، عيتا الجبل، صفد البطّيخ، دير كيفا، قلاويه، حاروف، ريحان وزلايا، وهو ما يعكس انتقال بنك الأهداف الإسرائيليّ إلى نطاق أوسع جغرافيّاً وأكثر كثافة سكّانيّاً.

تكمن خطورة هذه الخريطة في أنّها لا تعبّر فقط عن نطاق القصف، بل عن محاولة إعادة رسم “الجغرافيا البشريّة” للجنوب اللبنانيّ. تدفع الإخلاءات المتكرّرة، مع استهداف الطرق والبنى التحتيّة والجسور، السكّان إلى نزوح طويل الأمد، وتحوّل قرى بأكملها إلى مناطق شبه خالية. في بعض المحاور، ولا سيما بنت جبيل والخيام، تشير المعطيات إلى دمار واسع النطاق جعل أجزاء كبيرة من هذه البلدات خارج الخدمة السكنيّة فعليّاً.

 

ثلاثة مستويات عسكريّة

بالنتيجة، تعتمد إسرائيل ثلاثة مستويات متوازية:

1- احتلال نقاط مرتفعة ومفاصل حدوديّة.

2- إنشاء نطاقات إخلاء واسعة تمنع العودة الطبيعيّة للسكّان.

3- نقل الضغط العسكريّ إلى العمق اللبنانيّ لقطع أيّ قدرة على إعادة التموضع.

الرّئيس عون متمسّك بالتّفاوض: لا خيارات أمامنا

الكاتب: كلير شكر | المصدر: اساس ميديا
22 أيار 2026

يستعدّ لبنان الرسميّ للانتقال إلى مرحلة جديدة من التفاوض مع إسرائيل، مع توجّه وفد عسكريّ إلى واشنطن للمشاركة في تفاوض عسكريّ – أمنيّ مع وفد إسرائيليّ برعاية أميركيّة مباشرة، بينما فشلت جهود السلطة اللبنانيّة في إقناع الإدارة الأميركيّة بانتزاع تثبيت لوقف إطلاق النار بعد استمرار الاعتداءات الإسرائيليّة في الجنوب والإنذارات بالإخلاءات، والتوسعة بالنار لمساحة الأرض المحروقة.

 

وحده الهدف الذي حدّده بيان الخارجيّة الأميركيّة الصادر عقب مفاوضات يومَي 14 و15 أيّار المنصرمَين، واضح المعالم والتوجّه، وما عداه يسوده الالتباس والإرباك. يقول البيان إنّ واشنطن تأمل أن “تساهم المحادثات في التوصّل إلى سلام دائم بين لبنان وإسرائيل، قائم على الاعتراف الكامل بسيادة كلّ طرف وسلامة أراضيه، إضافة إلى ترسيخ أمن مستقرّ على طول الحدود المشتركة. وبالتالي الهدف هو السيادة والأمن”. أمّا كيف الوصول إلى ذلك، فلا يزال موضع نقاش، يخشى كثيرون أن يكون عقيماً!

مع ذلك، يقول متابعون إنّ هناك تعويلاً على الاجتماع العسكريّ الذي سيستضيفه البنتاغون لوضع آليّة للتنسيق في المرحلة المقبلة، وسط أسئلة تُطرح في الأوساط الأميركيّة المعنيّة عن موقف “الحزب” في حال نجحت الإدارة الأميركيّة في انتزع موافقة إسرائيليّة على تثبيت وقف إطلاق النار أوّلاً ثمّ وضع جدول زمنيّ للانسحاب والسماح بعودة النازحين، وعن موقف الدولة في حال أصرّ “الحزب” على ربط موقفه بموقف إيران، وعن الجيش.

كلّها أسئلة من دون إجابات حاسمة وواضحة تضع اجتماع البنتاغون في الخانة ذاتها لاجتماعات وزارة الخارجيّة: الكثير من البيانات لكن من دون نتائج عمليّة.

في الانتظار شكّل لبنان وفده العسكريّ ليكون في واشنطن صبيحة يوم 29 أيّار، كما يؤكّد المعنيّون، لكنّه لم يطّلع حتّى اللحظة على طبيعة جدول أعمال هذه المفاوضات. تقول معلومات إنّ الإدارة الأميركيّة لا تكشف عن جدول الأعمال إلّا مع دخول الوفدين اللبنانيّ والإسرائيليّ إلى قاعة الاجتماعات. هكذا فعلت يومَي 14 و15 أيّار، وهكذا ستفعل يوم 29 أيّار. وبالتالي لبنان يتوجّه إلى طاولة مفاوضات عسكريّة مع إسرائيل مقفَل العينين.

لكن كما يقول رئيس الجمهوريّة جوزف عون أمام زوّاره، الخيارات ضيّقة، وأحلاها مرّ، وهو المفاوضات المباشرة، ولذا لن يتخلّى لبنان عنها حتّى لو صار الهدف منها تثبيت وقف إطلاق النار لا أكثر. يردّد الرئيس عون أنّه لن يتراجع عن خيار التفاوض وسيتمسّك بهذه المحاولة لأنّ البديل عنها هو تسليم قرار البلد إلى الإيرانيّ ليتفاوض عنه. ولهذا لن يفعلها.

سياسيّاً، لا يزال التواصل مقطوعاً بين بعبدا و”الحزب” على الرغم من تكليف النائب حسن فضل الله بالتواصل مع الرئاسة الأولى، ولم يسجَّل في هذا الإطار أيّ تطوّر جديد، مع العلم أنّ الرئيس يردّد أمام زوّاره أنّ أبواب القصر مفتوحة أمام كلّ اللبنانيّين. لكنّ إعلان النائب فضل الله لم يرفَق بأيّ خطوة عملانيّة، مقابل تأكيد المعنيّين أنّ الرئاسة الأولى تحرص على التواصل مع رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي لأنّه رئيس البرلمان بالدرجة الأولى، والجهة التي تتولّى التفاوض مع “الحزب” بالدرجة الثانية.

توسيع الأرض المحروقة

لم تعد النيران الإسرائيليّة ميدانيّاً تقتصر على الشريط الحدوديّ الضيّق، بل باتت ترسم خريطة ضغط تمتدّ من القرى الأماميّة في الجنوب إلى عمق البقاع والضاحية الجنوبيّة لبيروت، في محاولة لفرض واقع أمنيّ جديد يقوم على “الأرض المحروقة” والإخلاءات الواسعة. يُظهر المشهد الميدانيّ الحاليّ أنّ إسرائيل انتقلت من سياسة الردّ الموضعيّ إلى استراتيجية تفريغ جغرافيّ متدرّج، تبدأ بالإنذارات وتنتهي بتدمير البنى السكنيّة وشلّ الحياة المدنيّة.

تتوزّع في الجنوب نقاط التوغّل والاحتلال الإسرائيليّ على محاور تمتدّ من القطاع الشرقيّ عند الخيام وكفركلا والعديسة، وصولاً إلى محور بنت جبيل، عيتا الشعب، ومارون الراس في القطاع الأوسط، فيما تشهد المناطق الغربيّة ضغطاً ناريّاً متصاعداً باتّجاه الناقورة والبيّاضة واللبّونة. تفيد تقارير ميدانيّة بأنّ القوّات الإسرائيليّة تحاول تثبيت “حزام أمنيّ بالنار”، عبر السيطرة على التلال الاستراتيجيّة ومفارق الطرق، بالتوازي مع ضرب أيّ بنية تسمح بعودة السكّان أو إعادة تمركز القوى المسلّحة.

أمّا خريطة الإخلاءات فتتّسع بشكل شبه يوميّ. لم تعد الإنذارات الإسرائيليّة محصورة بالقرى الملاصقة للحدود، بل طاولت بلدات تقع شمال الليطاني وفي عمق النبطيّة والزهراني. وُضعت عشرات البلدات تحت تهديد مباشر، من بينها شقرا، تبنين، عيتا الجبل، صفد البطّيخ، دير كيفا، قلاويه، حاروف، ريحان وزلايا، وهو ما يعكس انتقال بنك الأهداف الإسرائيليّ إلى نطاق أوسع جغرافيّاً وأكثر كثافة سكّانيّاً.

تكمن خطورة هذه الخريطة في أنّها لا تعبّر فقط عن نطاق القصف، بل عن محاولة إعادة رسم “الجغرافيا البشريّة” للجنوب اللبنانيّ. تدفع الإخلاءات المتكرّرة، مع استهداف الطرق والبنى التحتيّة والجسور، السكّان إلى نزوح طويل الأمد، وتحوّل قرى بأكملها إلى مناطق شبه خالية. في بعض المحاور، ولا سيما بنت جبيل والخيام، تشير المعطيات إلى دمار واسع النطاق جعل أجزاء كبيرة من هذه البلدات خارج الخدمة السكنيّة فعليّاً.

 

ثلاثة مستويات عسكريّة

بالنتيجة، تعتمد إسرائيل ثلاثة مستويات متوازية:

1- احتلال نقاط مرتفعة ومفاصل حدوديّة.

2- إنشاء نطاقات إخلاء واسعة تمنع العودة الطبيعيّة للسكّان.

3- نقل الضغط العسكريّ إلى العمق اللبنانيّ لقطع أيّ قدرة على إعادة التموضع.

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار