أميركا للبنان: سلام لإسرائيل وعداء للحزب

الكاتب: منير الربيع | المصدر: المدن
23 أيار 2026

يستغرب الأميركيون استغراب اللبنانيين للعقوبات التي فرضت على عدد من النواب والضباط في الجيش والأمن العام. يعتبرون أن هذا المسار كان معروفاً، وأن جهات لبنانية قد أبلغت به مسبقاً. كان هذا الجواب الذي قُدّم إلى الكثير من الذين طرحوا أسئلة حول هذه الإجراءات وتداعياتها. وبعض مما وصل إلى مسامع اللبنانيين أن ما جرى يشكل بداية في مسار طويل. بذلك تكون الولايات المتحدة الأميركية قد فتحت مساراً جديداً لضغوط جديدة ومكثفة قد تشمل المزيد من الشخصيات السياسية أو الإدارية او الأمنية أو العسكرية. 

تغيير جوهري

كل ما يجري يهدف إلى إحداث تغيير جوهري في تركيبة السلطة وبينتها ووجهتها وحتى عقيدتها. هنا لا بد من العودة إلى رسائل أميركية رسمية كثيرة وصلت سابقاً طلبت من المؤسسات الرسمية عدم وصف إسرائيل بالعدو، وحذف استخدام عبارة عدو من أي بيان رسمي. ذلك يترافق مع ضغوط تتعلق بإلغاء كل المواد القانونية التي تجرّم التعاطي مع إسرائيل، وهذا ما سيفتح لبنان على مصراعيه أمام الإسرائيليين، إما لجهة التواصل أو حتى لجهة فتح مشاريع والدخول في أعمال مشتركة مع اللبنانيين عن طريق التواصل الافتراضي مثلاً أو من خلال شركات مقراتها خارج لبنان. وهذا سيقود إلى تطبيع قبل أن يتم الوصول إلى اتفاق سلام. 

سلامٌ على اسم ترامب

رسالة ثانية وصلت إلى بيروت على وقع العقوبات، وهو أن المسار المطلوب سلوكه يجب أن يكون معروفاً بالنسبة إلى الجميع، وأن الولايات المتحدة الأميركية لن تتخلى أو تتراجع عنه، لا سيما في ظل إدارة دونالد ترامب، وهو مسار السلام، وأن الهدف الأساسي لكل ما يجري هو الوصول إلى توقيع اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل بنتيجة كل المسار التفاوضي القائم سياسياً أو عسكرياً، وأن ترامب مصمم على إنجاز هذا الاتفاق لتسجيله في سجله على اسمه.

 

تفكيك الحزب بالكامل

أما الرسالة الثانية، فهي أنه لا وجود بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية أو إسرائيل لما يُسمى وقفاً كاملاً وثابتاً لإطلاق النار، حتى أن بعض الأميركيين يستغربون من أين جاء اللبنانيون بمثل هذا الطرح، ويعتبرون أنه في الأساس تم خفض التصعيد في بيروت وضاحيتها الجنوبية. يتعاطى الأميركيون مع وقف استهداف بيروت والضاحية وحتى البقاع، بوصفه مكرمة تم منحها للدولة اللبنانية مقابل سلوكها طريق المفاوضات. أما العمليات في الجنوب فستبقى مستمرة إلى حين تفكيك سلاح حزب الله بالكامل، وهو ما تنفذه إسرائيل عسكرياً من خلال عملياتها. وهذا ما يرى الأميركيون أنّه في إطار الإجراءات الأمنية الوقائية لمنع الحزب من تهديد المستوطنات. أما المسار المقبل الذي تريده واشنطن على طريق سحب سلاح حزب الله، فتريد أن يتشكل من خلال التنسيق المشترك اللبناني الإسرائيلي، الذي يسعى الأميركيون إلى وضع إطاره العام في المفاوضات العسكرية التي ستعقد بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي.

الميكانيزم البديلة

هنا ننتقل إلى الرسالة الثالثة، التي يمكن اعتبارها عنواناً أميركياً ثالثاً يتعلق بالتنسيق الأمني والعسكري اللبناني الإسرائيلي، الذي يفترض أن يتكرس في اجتماع 29 أيار، على أن تتشكل غرفة عمليات مشتركة تشبه لجنة الميكانيزم، لكنها تكون محصورة بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، ويتم من خلالها وضع جدول زمني مع خطة واضحة لسحب سلاح حزب الله وتوزيعها على مناطق معينة،و لكل منطقة مهلة زمنية. لكن ذلك لا يبدو من ضمن حسابات الجيش الذي يريد المطالبة بانسحاب إسرائيل مقابل أن يعمل هو على حصر السلاح وفق خطة خاصة به، إضافة إلى المطالبة بالمزيد من الدعم. إلا أن الحسابات الأميركية الإسرائيلية تبدو مختلفة كلياً. وهنا لا بد من انتظار ما سينتج عن ذلك الاجتماع وكيف ستكون ردة الفعل الإسرائيلية والأميركية. إلا أن أول بوادر الرد قد تكون بالمزيد من العقوبات وزيادة الضغوط على الدولة اللبنانية لاتخاذ إجراءات بحق الضباط المحسوبين على حزب الله. 

تشكيل المشهد

المسار الذي تفرضه الولايات المتحدة الأميركية على لبنان هو تغيير أساسي في كل مساراته السياسية، وقد يصل الأمر إلى حد المطالبة بإخراج حزب الله من الحكومة، وإغلاق الكثير من مؤسسات الحزب المالية وغير المالية، ومنع استفادة المؤسسات الصحية والتربوية والاجتماعية التابعة للحزب من أي مساعدات تقدمها الوزارات المختلفة، وهذا ما يعني إعادة تشكيل المشهد السياسي ككل من الآن وحتى الانتخابات المقبلة، وهو ما تحاول واشنطن تحقيقه لجهة ما تسميه “إنهاء حزب الله سياسياً”. 

هواجس الصدام

يبدو المشروع بأهدافه في غاية الخطورة، خصوصاً أن الضغوط تشتد لتبلغ حد منع أي شخصية في الدولة لها صلة بحزب الله من أن تبقى في موقعها، مع ما يعنيه ذلك من التأسيس لفرز سياسي واجتماعي خطير نتيجته الحتمية ستكون الصدام. وبينما يراهن اللبنانيون على البحث عن صيغة وسطية أو على نتائج أي اتفاق إيراني أميركي يسري على لبنان فيوقف الحرب ويدفع الأميركيين إلى التراجع عن هذه الشروط القاسية كما يدفعهم إلى الضغط على إسرائيل لوقف الحرب، إلا أن ذلك لا يبدو وارداً في الأدبيات الأميركية. 

أميركا للبنان: سلام لإسرائيل وعداء للحزب

الكاتب: منير الربيع | المصدر: المدن
23 أيار 2026

يستغرب الأميركيون استغراب اللبنانيين للعقوبات التي فرضت على عدد من النواب والضباط في الجيش والأمن العام. يعتبرون أن هذا المسار كان معروفاً، وأن جهات لبنانية قد أبلغت به مسبقاً. كان هذا الجواب الذي قُدّم إلى الكثير من الذين طرحوا أسئلة حول هذه الإجراءات وتداعياتها. وبعض مما وصل إلى مسامع اللبنانيين أن ما جرى يشكل بداية في مسار طويل. بذلك تكون الولايات المتحدة الأميركية قد فتحت مساراً جديداً لضغوط جديدة ومكثفة قد تشمل المزيد من الشخصيات السياسية أو الإدارية او الأمنية أو العسكرية. 

تغيير جوهري

كل ما يجري يهدف إلى إحداث تغيير جوهري في تركيبة السلطة وبينتها ووجهتها وحتى عقيدتها. هنا لا بد من العودة إلى رسائل أميركية رسمية كثيرة وصلت سابقاً طلبت من المؤسسات الرسمية عدم وصف إسرائيل بالعدو، وحذف استخدام عبارة عدو من أي بيان رسمي. ذلك يترافق مع ضغوط تتعلق بإلغاء كل المواد القانونية التي تجرّم التعاطي مع إسرائيل، وهذا ما سيفتح لبنان على مصراعيه أمام الإسرائيليين، إما لجهة التواصل أو حتى لجهة فتح مشاريع والدخول في أعمال مشتركة مع اللبنانيين عن طريق التواصل الافتراضي مثلاً أو من خلال شركات مقراتها خارج لبنان. وهذا سيقود إلى تطبيع قبل أن يتم الوصول إلى اتفاق سلام. 

سلامٌ على اسم ترامب

رسالة ثانية وصلت إلى بيروت على وقع العقوبات، وهو أن المسار المطلوب سلوكه يجب أن يكون معروفاً بالنسبة إلى الجميع، وأن الولايات المتحدة الأميركية لن تتخلى أو تتراجع عنه، لا سيما في ظل إدارة دونالد ترامب، وهو مسار السلام، وأن الهدف الأساسي لكل ما يجري هو الوصول إلى توقيع اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل بنتيجة كل المسار التفاوضي القائم سياسياً أو عسكرياً، وأن ترامب مصمم على إنجاز هذا الاتفاق لتسجيله في سجله على اسمه.

 

تفكيك الحزب بالكامل

أما الرسالة الثانية، فهي أنه لا وجود بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية أو إسرائيل لما يُسمى وقفاً كاملاً وثابتاً لإطلاق النار، حتى أن بعض الأميركيين يستغربون من أين جاء اللبنانيون بمثل هذا الطرح، ويعتبرون أنه في الأساس تم خفض التصعيد في بيروت وضاحيتها الجنوبية. يتعاطى الأميركيون مع وقف استهداف بيروت والضاحية وحتى البقاع، بوصفه مكرمة تم منحها للدولة اللبنانية مقابل سلوكها طريق المفاوضات. أما العمليات في الجنوب فستبقى مستمرة إلى حين تفكيك سلاح حزب الله بالكامل، وهو ما تنفذه إسرائيل عسكرياً من خلال عملياتها. وهذا ما يرى الأميركيون أنّه في إطار الإجراءات الأمنية الوقائية لمنع الحزب من تهديد المستوطنات. أما المسار المقبل الذي تريده واشنطن على طريق سحب سلاح حزب الله، فتريد أن يتشكل من خلال التنسيق المشترك اللبناني الإسرائيلي، الذي يسعى الأميركيون إلى وضع إطاره العام في المفاوضات العسكرية التي ستعقد بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي.

الميكانيزم البديلة

هنا ننتقل إلى الرسالة الثالثة، التي يمكن اعتبارها عنواناً أميركياً ثالثاً يتعلق بالتنسيق الأمني والعسكري اللبناني الإسرائيلي، الذي يفترض أن يتكرس في اجتماع 29 أيار، على أن تتشكل غرفة عمليات مشتركة تشبه لجنة الميكانيزم، لكنها تكون محصورة بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، ويتم من خلالها وضع جدول زمني مع خطة واضحة لسحب سلاح حزب الله وتوزيعها على مناطق معينة،و لكل منطقة مهلة زمنية. لكن ذلك لا يبدو من ضمن حسابات الجيش الذي يريد المطالبة بانسحاب إسرائيل مقابل أن يعمل هو على حصر السلاح وفق خطة خاصة به، إضافة إلى المطالبة بالمزيد من الدعم. إلا أن الحسابات الأميركية الإسرائيلية تبدو مختلفة كلياً. وهنا لا بد من انتظار ما سينتج عن ذلك الاجتماع وكيف ستكون ردة الفعل الإسرائيلية والأميركية. إلا أن أول بوادر الرد قد تكون بالمزيد من العقوبات وزيادة الضغوط على الدولة اللبنانية لاتخاذ إجراءات بحق الضباط المحسوبين على حزب الله. 

تشكيل المشهد

المسار الذي تفرضه الولايات المتحدة الأميركية على لبنان هو تغيير أساسي في كل مساراته السياسية، وقد يصل الأمر إلى حد المطالبة بإخراج حزب الله من الحكومة، وإغلاق الكثير من مؤسسات الحزب المالية وغير المالية، ومنع استفادة المؤسسات الصحية والتربوية والاجتماعية التابعة للحزب من أي مساعدات تقدمها الوزارات المختلفة، وهذا ما يعني إعادة تشكيل المشهد السياسي ككل من الآن وحتى الانتخابات المقبلة، وهو ما تحاول واشنطن تحقيقه لجهة ما تسميه “إنهاء حزب الله سياسياً”. 

هواجس الصدام

يبدو المشروع بأهدافه في غاية الخطورة، خصوصاً أن الضغوط تشتد لتبلغ حد منع أي شخصية في الدولة لها صلة بحزب الله من أن تبقى في موقعها، مع ما يعنيه ذلك من التأسيس لفرز سياسي واجتماعي خطير نتيجته الحتمية ستكون الصدام. وبينما يراهن اللبنانيون على البحث عن صيغة وسطية أو على نتائج أي اتفاق إيراني أميركي يسري على لبنان فيوقف الحرب ويدفع الأميركيين إلى التراجع عن هذه الشروط القاسية كما يدفعهم إلى الضغط على إسرائيل لوقف الحرب، إلا أن ذلك لا يبدو وارداً في الأدبيات الأميركية. 

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار