مقصلة الخزانة الأميركية في بيروت: كيف حوّلت واشنطن “الدولار” إلى مقصلة للشرعية والجمهور؟

وزارة الخزانة الأميركية
الكاتب: رفيق اورى غريزي | المصدر: نداء الوطن
24 أيار 2026

لم تكن حزمة العقوبات الأميركية الأخيرة التي هبطت فوق رؤوس تسعة لبنانيين وإيراني واحد مجرّد إجراء مالي روتيني تملأ به وزارة الخزانة الأميركية فراغ مفكرتها اليومية. الخطوة هذه المرة انطوت على “دراما سياسية” تفوح منها رائحة البارود الدبلوماسي، وجاءت لتضرب “الدولة العميقة” في بيروت قبل أيام معدودة من مشاورات واشنطن الأمنية الحارقة والمقررة في البنتاغون في التاسع والعشرين من أيار الجاري. واشنطن، وعبر منصة “الأمر التنفيذي رقم 13224” المخصص لمكافحة الإرهاب، قررت سحب العصا الغليظة لتأديب من أسمتهم “معرقلي السلام ومتسللي الدولة”. إنها ذروة المسار التراكمي لهراوة واشنطن المالية التي لم تعد تكتفي برصد حركة المال، بل تحولت إلى مقصلة سياسية واقتصادية معلّقة فوق رقاب اللبنانيين منذ عقود.

والجديد، والأكثر خطورة في المشهد الراهن، أن الهراوة الأميركية لم تعد تكتفي بضرب بيئة “حزب الله” أو حلفائه السياسيين التقليديين، بل قفزت للمرة الأولى في تاريخ الصراع لتطال ضابطين عاملين في الأمن والمخابرات؛ العميد خطار ناصر الدين في الأمن العام، والعقيد سامر حمادة في مخابرات الجيش. الرسالة هنا واضحة ولا تحتاج إلى فك شفرات: حلفاء “حزب الله” ونوابه الأربعة (حسن فضل الله، إبراهيم الموسوي، حسين الحاج حسن، ومحمد فنيش) هم جزء من المشهد القديم المستهلك، لكن إدراج الضباط الحاليين يعني أن الإدارة الأميركية انتقلت من ملاحقة “التنظيم الخارجي” إلى معاقبة “الغطاء المؤسساتي الداخلي”، متهمة إياهم بتبادل المعلومات الاستخباراتية مع الحزب في أوج الصراع. حتى الدبلوماسية الإيرانية نالت نصيبها بمعاقبة السفير المطرود والمستبعد لبنانياً، محمد رضا شيباني.

إن هذا التحول الراهن هو نتاج تطور تاريخي طويل في بنك الأهداف الأميركي، يمكن تفكيكه عبر أربعة مسارات دراماتيكية؛ بدأت بمرحلة ملاحقة الأشباح في التسعينيات وحتى عام 2015، حيث تركزت العقوبات في البداية على الرعيل العسكري الأول والأسماء الهلامية مثل عماد مغنية ومصطفى بدر الدين، قبل أن تتوسع لتطال الشبكات المالية والاغترابية ورجال الأعمال في أفريقيا وأميركا اللاتينية أمثال قاسم حجيج وأدهم طباجة، بتهمة غسل الأموال لصالح الحزب. ثم تلتها مرحلة مأسسة الحصار وقانون “HIFPA” عام 2015، والتي شكلت منعطفاً تشريعياً خطيراً انتقل من معاقبة الأفراد إلى معاقبة البيئة الحاضنة والقطاع المصرفي بأكمله. ليعقب ذلك مرحلة كسر المحرمات السياسية بين عامي 2019 و2020، حيث سقطت الحصانة السياسية وطالت العقوبات نواباً في البرلمان أمثال محمد رعد وأمين شري، ثم قفزت فوق الحواجز الطائفية لتربية حلفاء الحزب من المكونات الأخرى، وأبرزهم رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل بموجب قانون ماغنيتسكي للفساد، والوزيرين السابقين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس. وصولاً إلى المرحلة الرابعة والراهنة، وهي مرحلة التسلل إلى الشرعية عبر اختراق النسيج المؤسساتي الرسمي للدولة اللبنانية بضرب ضباط فاعلين في الخدمة.

وفي قراءة هندسة هذه القوائم، تبرز البراغماتية الأميركية الفجة التي توازن بين الترويض والحصانة؛ فقد أدرجت واشنطن باكراً رئيس حزب التوحيد العربي وئام وهاب في تشرين الثاني 2007 بناءً على أمر تنفيذي يستهدف حلفاء دمشق ومقوضي الديمقراطية. في المقابل، يظل رئيس مجلس النواب نبيه بري خطاً أحمر لم يمسه سيف العقوبات المباشر، لإدراك واشنطن أنه القناة الدبلوماسية والراعي الوحيد المتبقي للتسويات؛ فاستعاضت عن ضربه بقضم أطرافه وحاشيته، من علي حسن خليل سابقاً، وصولاً في الحزمة الأخيرة إلى ذراعيه الأمنيتين والميدانيتين أحمد بعلبكي مدير أمن حركة أمل وعلي صفاوي قائد ميليشيا الحركة في الجنوب. أما زعيم المختارة وليد جنبلاط، فبالرغم من التهويل والشائعات الدورية التي طالت عائلته، فإنه لم يخضع لأي عقوبات أميركية، مستنداً إلى شبكة أمان تاريخية وقراءة متقنة لحركة الرياح الدولية.

قانونياً، لا تجلب هذه العقوبات جيوشاً، بل تتحرك في فلك تجميد الأصول وحظر المعاملات بالدولار عبر نظام “أوفاك”، وهي آلية تحوّل المستهدفين إلى أشباح مالية منبوذة دولياً، وتفرض عليهم إعداماً مدنياً ومالياً كاملاً. والآثار المباشرة على الاشخاص كانت مدمرة؛ فرجال الأعمال والشركات مثل طباجة وحجيج وأحمد جلال رضا عبدالله تفتت إمبراطورياتهم المالية فوراً نتيجة العقوبات الثانوية وخوف المصارف من التعامل معهم. أما الشخصيات السياسية مثل باسيل وخليل، فقد واجهت جداراً سميكاً عزلها دولياً وعرقل طموحاتها الرئاسية والسياسية. وعلى مستوى النواب، تحول حضورهم الدولي إلى عبء بروتوكولي. أما بالنسبة للضباط الحاليين ناصر الدين وحمادة، فإن الأثر يتجاوز الفرد ليجمد التنسيق الأمني الغربي معهما ويحرج المؤسسة العسكرية عشية مفاوضات واشنطن.

ولا تقف المأساة عند حدود النخب؛ إذ يمثل نموذج تصفية “جمّال ترست بنك” عام 2019 شاهداً حياً على دمدمة الرعب بين المواطنين العاديين. العقوبة الأميركية حينها لم تقفل بنكاً فحسب، بل أشعلت جمرة الخوف في صدور آلاف المودعين الصغار الذين وجدوا تعب أعمارهم معلقاً في دهاليز خطط التصفية وآليات الفرز الطويلة لدى مصرف لبنان، لتثبت واشنطن للجمهور العريض أن من يقترب من الهياكل المستهدفة ستحترق أصابعه حتماً، واضعة المعارضة اللبنانية في انقسام حاد؛ بين فريق يرى في معاقبة الضباط إثباتاً لتغلغل الدويلة داخل الدولة، وفريق يحذر من تفكيك الملاذ الأخير للاستقرار والمتمثل في المؤسسة العسكرية.

أما النفع والضرر في القاموس اللبناني فقصة مغايرة؛ ينتفع لبنان من هذه الضغوط فقط إذا ما أدت إلى إفاقة طبقته الحاكمة لترتيب بيتها الداخلي وبسط سيادة الدولة والالتزام بموجبات الإصلاح ونزع السلاح غير الشرعي لإعادة فتح قنوات الدعم العالمي. لكن الضرر المباشر، وهو الأقرب للواقع، يكمن في تهشيم ما تبقى من هيبة للمؤسسة العسكرية والأمنية التي كانت تمثل الملاذ الأخير للاستقرار، فضلاً عن رفع منسوب المخاطر للنظام المالي اللبناني بأكمله، مما يهدد بمزيد من الاختناق الاقتصادي لشعب يئن أصلاً تحت وطأة الانهيار.

هدف واشنطن الحقيقي من هذا التوقيت الخشن ليس إخضاع “حزب الله” الذي سارع لتسمية العقوبات “وسام شرف”، بل هو ممارسة أقصى درجات الابتزاز السياسي والضغط المسبق على الوفد اللبناني المفاوض المتجه إلى أروقة البنتاغون في التاسع والعشرين من أيار. إنها كمين أميركي منصوب على الطاولة؛ حيث سيواجه الوفد العسكري اللبناني مطلباً واضحاً وصارماً بنزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التحتية بموجب القرارات الدولية. الجواب اللبناني المعدّ سلفاً سيتذرع بضرورة وقف الاعتداءات والخروقات الإسرائيلية المستمرة أولاً لكي يتمكن الجيش من بسط سيادته واستكمال خطته الانتشارية. إلا أن واشنطن، وعبر صدمة العقوبات المسبقة، أرادت إشعار هذا الوفد ومدرائه في بيروت بأن أوراق المناورة قد نفدت، وأن عدم التجاوب مع الترتيبات الأمنية الجديدة سيعني تدفيع مؤسسات الدولة الرسمية ثمن التواطؤ والتهاون.

وعند الالتفات لليوم التالي لاجتماع البنتاغون، فإن السيناريوهات المتوقعة تتأرجح بين الانصياع المذل والانهيار الكامل للمؤسسات. السيناريو الأول يكمن في “انحناءة العاصفة”؛ حيث تضطر قيادة الجيش اللبناني، تحت ضغط التلويح بقطع المساعدات العسكرية الأميركية وتوسيع رقعة القوائم السوداء لتشمل رؤوساً أكبر، إلى القبول ضمناً بالصيغة الأميركية المقترحة لآلية التنسيق العسكري المباشر والرقابة الحدودية الصارمة. هذا المسار يعني عملياً إطلاق رصاصة الرحمة على “عقيدة التكامل” بين الجيش والحزب، وبدء إجراءات عزل داخلية صامتة لجميع الضباط المشتبه في ولائهم أو تعاونهم مع حارة حريك. أما السيناريو الثاني، فهو “المواجهة العبثية بالوكالة”؛ حيث يرفض لبنان الرسمي الشروط الأميركية متمسكاً ببيانات الإدانة والسيادة المثقوبة، مما سيدفع واشنطن في اليوم التالي مباشرة إلى تجميد برامج التسليم والتدريب المشترك، والبدء الفوري في تطبيق الخطة البديلة المتمثلة في تمويل وتسليح “وحدات معينة ونوعية” من الجيش حصراً دون غيرها، لخلق انقسام عمودي داخلي يفكك هرمية المؤسسة العسكرية من الداخل ويحولها إلى كانتونات أمنية متناحرة. وفي كلا السيناريوهين، سيكتشف لبنان أن طاولة البنتاغون لم تكن مكاناً للتفاوض بل منصة لإعلان الوصاية العسكرية المباشرة.

العقوبات الأميركية على لبنان لم تعد منذ زمن أداة جراحية تستأصل ورماً محدداً، بل تحولت إلى غاز سام ينتشر في رئة الاقتصاد اللبناني المتهالك أصلاً. لقد نجحت واشنطن في تحويل الدولار إلى مخبر أمني وقاضٍ عسكري، يسير بين أروقة المصارف اللبنانية ليفتش في هويات المودعين والمسؤولين. وبينما يستمر “حزب الله” في قراءة هذه الإجراءات كأوسمة لا تقدم ولا تؤخر في موازين ردعه العسكري، يدرك اللبنانيون – في قاع انهيارهم – أن الدولة هي التي تدفع الثمن الأكبر؛ إذ تنكمش سيادتها، وتتآكل هيبة مؤسساتها، ويتحول نظامها المالي إلى حقل ألغام ينتظر فيه الجميع القرار الأميركي القادم، ليعرفوا من سيُحذف غداً من لائحة الأحياء مالياً ودبلوماسياً، بينما يظل الوطن بأكمله رهينة طاولة المفاوضات الأميركية في البنتاغون.

مقصلة الخزانة الأميركية في بيروت: كيف حوّلت واشنطن “الدولار” إلى مقصلة للشرعية والجمهور؟

وزارة الخزانة الأميركية
الكاتب: رفيق اورى غريزي | المصدر: نداء الوطن
24 أيار 2026

لم تكن حزمة العقوبات الأميركية الأخيرة التي هبطت فوق رؤوس تسعة لبنانيين وإيراني واحد مجرّد إجراء مالي روتيني تملأ به وزارة الخزانة الأميركية فراغ مفكرتها اليومية. الخطوة هذه المرة انطوت على “دراما سياسية” تفوح منها رائحة البارود الدبلوماسي، وجاءت لتضرب “الدولة العميقة” في بيروت قبل أيام معدودة من مشاورات واشنطن الأمنية الحارقة والمقررة في البنتاغون في التاسع والعشرين من أيار الجاري. واشنطن، وعبر منصة “الأمر التنفيذي رقم 13224” المخصص لمكافحة الإرهاب، قررت سحب العصا الغليظة لتأديب من أسمتهم “معرقلي السلام ومتسللي الدولة”. إنها ذروة المسار التراكمي لهراوة واشنطن المالية التي لم تعد تكتفي برصد حركة المال، بل تحولت إلى مقصلة سياسية واقتصادية معلّقة فوق رقاب اللبنانيين منذ عقود.

والجديد، والأكثر خطورة في المشهد الراهن، أن الهراوة الأميركية لم تعد تكتفي بضرب بيئة “حزب الله” أو حلفائه السياسيين التقليديين، بل قفزت للمرة الأولى في تاريخ الصراع لتطال ضابطين عاملين في الأمن والمخابرات؛ العميد خطار ناصر الدين في الأمن العام، والعقيد سامر حمادة في مخابرات الجيش. الرسالة هنا واضحة ولا تحتاج إلى فك شفرات: حلفاء “حزب الله” ونوابه الأربعة (حسن فضل الله، إبراهيم الموسوي، حسين الحاج حسن، ومحمد فنيش) هم جزء من المشهد القديم المستهلك، لكن إدراج الضباط الحاليين يعني أن الإدارة الأميركية انتقلت من ملاحقة “التنظيم الخارجي” إلى معاقبة “الغطاء المؤسساتي الداخلي”، متهمة إياهم بتبادل المعلومات الاستخباراتية مع الحزب في أوج الصراع. حتى الدبلوماسية الإيرانية نالت نصيبها بمعاقبة السفير المطرود والمستبعد لبنانياً، محمد رضا شيباني.

إن هذا التحول الراهن هو نتاج تطور تاريخي طويل في بنك الأهداف الأميركي، يمكن تفكيكه عبر أربعة مسارات دراماتيكية؛ بدأت بمرحلة ملاحقة الأشباح في التسعينيات وحتى عام 2015، حيث تركزت العقوبات في البداية على الرعيل العسكري الأول والأسماء الهلامية مثل عماد مغنية ومصطفى بدر الدين، قبل أن تتوسع لتطال الشبكات المالية والاغترابية ورجال الأعمال في أفريقيا وأميركا اللاتينية أمثال قاسم حجيج وأدهم طباجة، بتهمة غسل الأموال لصالح الحزب. ثم تلتها مرحلة مأسسة الحصار وقانون “HIFPA” عام 2015، والتي شكلت منعطفاً تشريعياً خطيراً انتقل من معاقبة الأفراد إلى معاقبة البيئة الحاضنة والقطاع المصرفي بأكمله. ليعقب ذلك مرحلة كسر المحرمات السياسية بين عامي 2019 و2020، حيث سقطت الحصانة السياسية وطالت العقوبات نواباً في البرلمان أمثال محمد رعد وأمين شري، ثم قفزت فوق الحواجز الطائفية لتربية حلفاء الحزب من المكونات الأخرى، وأبرزهم رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل بموجب قانون ماغنيتسكي للفساد، والوزيرين السابقين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس. وصولاً إلى المرحلة الرابعة والراهنة، وهي مرحلة التسلل إلى الشرعية عبر اختراق النسيج المؤسساتي الرسمي للدولة اللبنانية بضرب ضباط فاعلين في الخدمة.

وفي قراءة هندسة هذه القوائم، تبرز البراغماتية الأميركية الفجة التي توازن بين الترويض والحصانة؛ فقد أدرجت واشنطن باكراً رئيس حزب التوحيد العربي وئام وهاب في تشرين الثاني 2007 بناءً على أمر تنفيذي يستهدف حلفاء دمشق ومقوضي الديمقراطية. في المقابل، يظل رئيس مجلس النواب نبيه بري خطاً أحمر لم يمسه سيف العقوبات المباشر، لإدراك واشنطن أنه القناة الدبلوماسية والراعي الوحيد المتبقي للتسويات؛ فاستعاضت عن ضربه بقضم أطرافه وحاشيته، من علي حسن خليل سابقاً، وصولاً في الحزمة الأخيرة إلى ذراعيه الأمنيتين والميدانيتين أحمد بعلبكي مدير أمن حركة أمل وعلي صفاوي قائد ميليشيا الحركة في الجنوب. أما زعيم المختارة وليد جنبلاط، فبالرغم من التهويل والشائعات الدورية التي طالت عائلته، فإنه لم يخضع لأي عقوبات أميركية، مستنداً إلى شبكة أمان تاريخية وقراءة متقنة لحركة الرياح الدولية.

قانونياً، لا تجلب هذه العقوبات جيوشاً، بل تتحرك في فلك تجميد الأصول وحظر المعاملات بالدولار عبر نظام “أوفاك”، وهي آلية تحوّل المستهدفين إلى أشباح مالية منبوذة دولياً، وتفرض عليهم إعداماً مدنياً ومالياً كاملاً. والآثار المباشرة على الاشخاص كانت مدمرة؛ فرجال الأعمال والشركات مثل طباجة وحجيج وأحمد جلال رضا عبدالله تفتت إمبراطورياتهم المالية فوراً نتيجة العقوبات الثانوية وخوف المصارف من التعامل معهم. أما الشخصيات السياسية مثل باسيل وخليل، فقد واجهت جداراً سميكاً عزلها دولياً وعرقل طموحاتها الرئاسية والسياسية. وعلى مستوى النواب، تحول حضورهم الدولي إلى عبء بروتوكولي. أما بالنسبة للضباط الحاليين ناصر الدين وحمادة، فإن الأثر يتجاوز الفرد ليجمد التنسيق الأمني الغربي معهما ويحرج المؤسسة العسكرية عشية مفاوضات واشنطن.

ولا تقف المأساة عند حدود النخب؛ إذ يمثل نموذج تصفية “جمّال ترست بنك” عام 2019 شاهداً حياً على دمدمة الرعب بين المواطنين العاديين. العقوبة الأميركية حينها لم تقفل بنكاً فحسب، بل أشعلت جمرة الخوف في صدور آلاف المودعين الصغار الذين وجدوا تعب أعمارهم معلقاً في دهاليز خطط التصفية وآليات الفرز الطويلة لدى مصرف لبنان، لتثبت واشنطن للجمهور العريض أن من يقترب من الهياكل المستهدفة ستحترق أصابعه حتماً، واضعة المعارضة اللبنانية في انقسام حاد؛ بين فريق يرى في معاقبة الضباط إثباتاً لتغلغل الدويلة داخل الدولة، وفريق يحذر من تفكيك الملاذ الأخير للاستقرار والمتمثل في المؤسسة العسكرية.

أما النفع والضرر في القاموس اللبناني فقصة مغايرة؛ ينتفع لبنان من هذه الضغوط فقط إذا ما أدت إلى إفاقة طبقته الحاكمة لترتيب بيتها الداخلي وبسط سيادة الدولة والالتزام بموجبات الإصلاح ونزع السلاح غير الشرعي لإعادة فتح قنوات الدعم العالمي. لكن الضرر المباشر، وهو الأقرب للواقع، يكمن في تهشيم ما تبقى من هيبة للمؤسسة العسكرية والأمنية التي كانت تمثل الملاذ الأخير للاستقرار، فضلاً عن رفع منسوب المخاطر للنظام المالي اللبناني بأكمله، مما يهدد بمزيد من الاختناق الاقتصادي لشعب يئن أصلاً تحت وطأة الانهيار.

هدف واشنطن الحقيقي من هذا التوقيت الخشن ليس إخضاع “حزب الله” الذي سارع لتسمية العقوبات “وسام شرف”، بل هو ممارسة أقصى درجات الابتزاز السياسي والضغط المسبق على الوفد اللبناني المفاوض المتجه إلى أروقة البنتاغون في التاسع والعشرين من أيار. إنها كمين أميركي منصوب على الطاولة؛ حيث سيواجه الوفد العسكري اللبناني مطلباً واضحاً وصارماً بنزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التحتية بموجب القرارات الدولية. الجواب اللبناني المعدّ سلفاً سيتذرع بضرورة وقف الاعتداءات والخروقات الإسرائيلية المستمرة أولاً لكي يتمكن الجيش من بسط سيادته واستكمال خطته الانتشارية. إلا أن واشنطن، وعبر صدمة العقوبات المسبقة، أرادت إشعار هذا الوفد ومدرائه في بيروت بأن أوراق المناورة قد نفدت، وأن عدم التجاوب مع الترتيبات الأمنية الجديدة سيعني تدفيع مؤسسات الدولة الرسمية ثمن التواطؤ والتهاون.

وعند الالتفات لليوم التالي لاجتماع البنتاغون، فإن السيناريوهات المتوقعة تتأرجح بين الانصياع المذل والانهيار الكامل للمؤسسات. السيناريو الأول يكمن في “انحناءة العاصفة”؛ حيث تضطر قيادة الجيش اللبناني، تحت ضغط التلويح بقطع المساعدات العسكرية الأميركية وتوسيع رقعة القوائم السوداء لتشمل رؤوساً أكبر، إلى القبول ضمناً بالصيغة الأميركية المقترحة لآلية التنسيق العسكري المباشر والرقابة الحدودية الصارمة. هذا المسار يعني عملياً إطلاق رصاصة الرحمة على “عقيدة التكامل” بين الجيش والحزب، وبدء إجراءات عزل داخلية صامتة لجميع الضباط المشتبه في ولائهم أو تعاونهم مع حارة حريك. أما السيناريو الثاني، فهو “المواجهة العبثية بالوكالة”؛ حيث يرفض لبنان الرسمي الشروط الأميركية متمسكاً ببيانات الإدانة والسيادة المثقوبة، مما سيدفع واشنطن في اليوم التالي مباشرة إلى تجميد برامج التسليم والتدريب المشترك، والبدء الفوري في تطبيق الخطة البديلة المتمثلة في تمويل وتسليح “وحدات معينة ونوعية” من الجيش حصراً دون غيرها، لخلق انقسام عمودي داخلي يفكك هرمية المؤسسة العسكرية من الداخل ويحولها إلى كانتونات أمنية متناحرة. وفي كلا السيناريوهين، سيكتشف لبنان أن طاولة البنتاغون لم تكن مكاناً للتفاوض بل منصة لإعلان الوصاية العسكرية المباشرة.

العقوبات الأميركية على لبنان لم تعد منذ زمن أداة جراحية تستأصل ورماً محدداً، بل تحولت إلى غاز سام ينتشر في رئة الاقتصاد اللبناني المتهالك أصلاً. لقد نجحت واشنطن في تحويل الدولار إلى مخبر أمني وقاضٍ عسكري، يسير بين أروقة المصارف اللبنانية ليفتش في هويات المودعين والمسؤولين. وبينما يستمر “حزب الله” في قراءة هذه الإجراءات كأوسمة لا تقدم ولا تؤخر في موازين ردعه العسكري، يدرك اللبنانيون – في قاع انهيارهم – أن الدولة هي التي تدفع الثمن الأكبر؛ إذ تنكمش سيادتها، وتتآكل هيبة مؤسساتها، ويتحول نظامها المالي إلى حقل ألغام ينتظر فيه الجميع القرار الأميركي القادم، ليعرفوا من سيُحذف غداً من لائحة الأحياء مالياً ودبلوماسياً، بينما يظل الوطن بأكمله رهينة طاولة المفاوضات الأميركية في البنتاغون.

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار