ترامب “المرتبك” بالاتفاق مع إيران.. يعيد خلط الشرق الأوسط

كطائرة مسيّرة عالقة في “الشباك” التي تبحث إسرائيل عن ابتكارها لتعطيل مسيرات حزب الله، هكذا تحول الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لكن الطائرة المسيرة وعلى الرغم من وقوعها في الشرك إلا أنها يمكنها أن تنفجر. أو ربما يشبه الرجل سباحاً يغرق ويتلاطم بالموج. فيزمجر بجسده لينقذ نفسه من الغرق. هذه هي الوضعية الحقيقية التي يمكن توصيفه بها لدى تقييم مقاربته لمسار المفاوضات مع إيران والحرب عليها. فهو لا يبدو أنه راغباً في الدخول في الحرب أو مستعداً لها مجدداً، لكنه قد يفعلها. كما أنه غير قادر على التراجع عن أهدافه لكنه يجد نفسه مجبراً على مسار التفاوض والوصول إلى ما يسمى اتفاق إعلان النوايا وهو ما أشار إلى الإعلان عنه قريباً. في مثل هذه الحالة تغيب كل التقييمات الموضوعية أو الواقعية أو المنطقية، لأن القرار الذي سيتخذه سيكون مرتبطاً بعوامل نفسية كثيرة ترتبط بشخصيته ونرجسيته، وعندها يمكنه أن يقدم السياق الذي يريده لتبرير قراره وتسويقه. ويمكن لغضبه أن ينفجر أيضاً ويفجر المنطقة مجدداً، لا سيما أن الخيار المطروح لن يحقق الأهداف الأميركية حالياً بالحد الأدنى.
يوم خرج ترامب وهدد إيران بمحو حضارتها الممتدة على آلاف السنين، بدا أن الرجل يصارع المستحيل، فيزمجر بغضب لمقاتلة “أعدائه” أو حتى حلفائه ربما. ومنذ تلك اللحظة، تنجح إيران في ممارسة لعبتها المفضلة التي تجيدها جيداً، وهي استراتيجية كسب الوقت، واللعب على المفاوضات والتناقضات، بنفس طويل جداً، وهي لا تزال تمارس تلك اللعبة، من خلال طرحها لمسألة “إعلان النوايا” الذي يفترض أن يبدأ بوقف أي أعمال عسكرية أو حربية، فك الحصار عنها مقابل فتح مضيق هرمز، وبعدها الانتقال إلى مسار تفاوضي حول الملف النووي واليورانيوم العالي التخصيب، والعقوبات والإفراج عن الأموال والنفوذ الإيراني في المنطقة على مدى 60 يوماً قابلة للتجديد، وهذا مؤشر أيضاً على استثمار إيران بالوقت، والتأرجح مع ترامب في مواقفه إلى جانب أرجحة المنطقة والعالم. ولا يمكن لأحد أن يتوقع ما الذي يمكن أن يحصل خلال هذه الفترة مع عدم إسقاط احتمال عودة ترامب إلى الخيار العسكري وربما توجيه ضربة قوية وكبيرة يدمر فيها الكثير من البنى التحتية الإيرانية والمرافق والمصانع، وينسحب بعدها بلا أي أفق، لكنه يترك إيران تواجه أزمة كبرى على المستوى الداخلي، وهذا ما قد يعد دافعاً لتحريك الإيرانيين بهدف تغيير النظام، أو دخولها في حالة من الفوضى.
موافقة ترامب على اتفاق إعلان النوايا، سيمنح مكسباً لإيران التي تطالب أيضاً بانسحاب القوات الأميركية التي تحاصر إيران أو استقدمت إلى المنطقة بهدف شن الحرب عليها. بذلك ستكون طهران قد أعادت ترامب إلى ما قبل 28 شباط 2026، وجددت مسار التفاوض معه حول الملف النووي؛ أي العودة إلى نقطة الصفر، وحتى لو قادت المفاوضات بعدها إلى اتفاق نووي جديد، ونُقل اليورانيوم العالي التخصيب إلى خارج إيران، إلا أن ذلك سيكرس قوة إيران في المنطقة وهي التي استهدفت دول الخليج، واستمرت بتهديد الملاحة وضرب محطات الطاقة إضافة إلى قدرتها المستمرة في ضرب إسرائيل وتحقيق إصابات مباشرة في منشآتها. وهذا يعني بحال حافظت إيران على نظامها وتماسكها، ستكون قد عادت أقوى بعد هذه الحرب.
كل هذه الملفات تبدو حاضرة في الدوائر الأميركية والإسرائيلية أيضاً، لا سيما أن تل أبيب أكثر القلقين من الوصول إلى اتفاق إيراني أميركي، وسعى رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو بكل مساعيه لإجهاضه ومواصلة الحرب، على قاعدة أنه لا يمكن الاستناد إلى “إعلان نوايا” مع إيران، وأنها ستعود إلى ممارسة نهجها الدائم، وستعمل على استعادة قوتها وعدم التخلي عن مشروعها أو نفوذها في المنطقة، خصوصاً في حال الإفراج عن أموالها المجمدة أو رفع العقوبات عنها.
ارتباك ترامب، ما بين العودة إلى الحرب أو الخروج منها نهائياً، هو الذي حتم عليه إجراء اتصالات مع قادة دول المنطقة، ولا سيما السعودية، تركيا، قطر، الإمارات وغيرهم، إضافة إلى اتصاله بنتنياهو. ومما لا شك فيه أن الدول العربية والخليجية إضافة إلى تركيا وباكستان ومصر، سعت إلى إنهاء هذه الحرب، وأن تلعب دوراً أساسياً وتكون شريكة في المفاوضات التالية حول النووي لعدم تكرار تجربة العام 2015 التي جرى فيها استبعاد دول الخليج، ولربما في مقابل سعي زعماء هذه الدول لإقناع ترامب بالدخول في الاتفاق وإنهاء الحرب، كان هو يحاول إقناعهم الانضمام إليه بحال قرر استئناف الأعمال الحربية. أما نتنياهو فقد كان يصر على مواصلة الحرب، أما بحال كان لا بد منه، فيريد نتنياهو عدم إلزام ترامب له على وقف الحرب على لبنان وأن يصبح مشمولاً ببنود الاتفاق.
لبنان هو أحد العناوين الرئيسية لأي اتفاق إيراني أميركي، لا سيما أن المسؤولين الإيرانيين يؤكدون أنهم يشترطون وقف الحرب في المنطقة ككل ولا سيما ضد حزب الله، أما واشنطن وتل أبيب فلا تريدان ذلك، بل تعملان على خلق مسار منفصل، هدفه إنهاء نفوذ إيران في المنطقة من خلال إضعاف حزب الله وتفكيك بنيته العسكرية، ودفع المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية نحو اتفاق سلام بين البلدين. لكن من الصعب جداً فصل ملف لبنان عن إيران، إذ حتى لو جرى الوصول إلى اتفاق إيراني أميركي لا يشمل الملف اللبناني، إلا أن ذلك لن يمنع إيران من مواصلة دعم حزب الله والاستفادة من الاتفاق لدفعه إلى تغيير موازين القوى في الداخل اللبناني إلى جانب مواصلة العمليات ضد القوات الإسرائيلية التي تحتل جزءاً من الجنوب.
وما يسري على لبنان بالنسبة إلى إيران، لا بد أن يسري على دول أخرى خصوصاً في العراق من خلال إعادة حلفاء طهران تنشيط تحركاتهم، وهذا ما يعني محاولة إيرانية جديدة للانقلاب على كل الترتيبات التي سعت الولايات المتحدة الأميركية إلى رسمها في المنطقة، إذ عملت على خلق وقائع تنطلق من معادلة “انتهاء النفوذ الإيراني” أو سقوط النظام، وهو ما سيغير حسابات الكثير من دول المنطقة. هنا بالتحديد، يجدر التركيز على اتصالات عديدة حصلت بين ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي أوفد رئيس مخابراته ابراهيم كالين إلى سوريا، في إطار السعي التركي الحثيث إلى تثبيت الاستقرار في دمشق وتركيز سلطة أحمد الشرع ومنع أي طرف سواء أكانت إيران أم إسرائيل من القيام بأي رد فعل ارتدادي في سوريا في محاولة لتغيير الوقائع، ذلكَ أيضاً لا بد أن يكون له تداعيات على لبنان، ربما بناء على التنسيق التركي الأميركي، أو بين تركيا ودول المنطقة ولا سيما السعودية وقطر، خصوصاً أن إسرائيل تريد أن تتوسع في لبنان وسوريا سواء استأنفت أميركا الحرب على إيران، أو توصلت إلى اتفاق معها، إذ عندها تريد إسرائيل أن يكون التعويض لها في لبنان وسوريا عسكرياً أم سياسياً، وهو ما لا بد من مواجهته من قبل دول المنطقة للحفاظ على وحدة البلدين وكيانهما.
ترامب “المرتبك” بالاتفاق مع إيران.. يعيد خلط الشرق الأوسط

كطائرة مسيّرة عالقة في “الشباك” التي تبحث إسرائيل عن ابتكارها لتعطيل مسيرات حزب الله، هكذا تحول الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لكن الطائرة المسيرة وعلى الرغم من وقوعها في الشرك إلا أنها يمكنها أن تنفجر. أو ربما يشبه الرجل سباحاً يغرق ويتلاطم بالموج. فيزمجر بجسده لينقذ نفسه من الغرق. هذه هي الوضعية الحقيقية التي يمكن توصيفه بها لدى تقييم مقاربته لمسار المفاوضات مع إيران والحرب عليها. فهو لا يبدو أنه راغباً في الدخول في الحرب أو مستعداً لها مجدداً، لكنه قد يفعلها. كما أنه غير قادر على التراجع عن أهدافه لكنه يجد نفسه مجبراً على مسار التفاوض والوصول إلى ما يسمى اتفاق إعلان النوايا وهو ما أشار إلى الإعلان عنه قريباً. في مثل هذه الحالة تغيب كل التقييمات الموضوعية أو الواقعية أو المنطقية، لأن القرار الذي سيتخذه سيكون مرتبطاً بعوامل نفسية كثيرة ترتبط بشخصيته ونرجسيته، وعندها يمكنه أن يقدم السياق الذي يريده لتبرير قراره وتسويقه. ويمكن لغضبه أن ينفجر أيضاً ويفجر المنطقة مجدداً، لا سيما أن الخيار المطروح لن يحقق الأهداف الأميركية حالياً بالحد الأدنى.
يوم خرج ترامب وهدد إيران بمحو حضارتها الممتدة على آلاف السنين، بدا أن الرجل يصارع المستحيل، فيزمجر بغضب لمقاتلة “أعدائه” أو حتى حلفائه ربما. ومنذ تلك اللحظة، تنجح إيران في ممارسة لعبتها المفضلة التي تجيدها جيداً، وهي استراتيجية كسب الوقت، واللعب على المفاوضات والتناقضات، بنفس طويل جداً، وهي لا تزال تمارس تلك اللعبة، من خلال طرحها لمسألة “إعلان النوايا” الذي يفترض أن يبدأ بوقف أي أعمال عسكرية أو حربية، فك الحصار عنها مقابل فتح مضيق هرمز، وبعدها الانتقال إلى مسار تفاوضي حول الملف النووي واليورانيوم العالي التخصيب، والعقوبات والإفراج عن الأموال والنفوذ الإيراني في المنطقة على مدى 60 يوماً قابلة للتجديد، وهذا مؤشر أيضاً على استثمار إيران بالوقت، والتأرجح مع ترامب في مواقفه إلى جانب أرجحة المنطقة والعالم. ولا يمكن لأحد أن يتوقع ما الذي يمكن أن يحصل خلال هذه الفترة مع عدم إسقاط احتمال عودة ترامب إلى الخيار العسكري وربما توجيه ضربة قوية وكبيرة يدمر فيها الكثير من البنى التحتية الإيرانية والمرافق والمصانع، وينسحب بعدها بلا أي أفق، لكنه يترك إيران تواجه أزمة كبرى على المستوى الداخلي، وهذا ما قد يعد دافعاً لتحريك الإيرانيين بهدف تغيير النظام، أو دخولها في حالة من الفوضى.
موافقة ترامب على اتفاق إعلان النوايا، سيمنح مكسباً لإيران التي تطالب أيضاً بانسحاب القوات الأميركية التي تحاصر إيران أو استقدمت إلى المنطقة بهدف شن الحرب عليها. بذلك ستكون طهران قد أعادت ترامب إلى ما قبل 28 شباط 2026، وجددت مسار التفاوض معه حول الملف النووي؛ أي العودة إلى نقطة الصفر، وحتى لو قادت المفاوضات بعدها إلى اتفاق نووي جديد، ونُقل اليورانيوم العالي التخصيب إلى خارج إيران، إلا أن ذلك سيكرس قوة إيران في المنطقة وهي التي استهدفت دول الخليج، واستمرت بتهديد الملاحة وضرب محطات الطاقة إضافة إلى قدرتها المستمرة في ضرب إسرائيل وتحقيق إصابات مباشرة في منشآتها. وهذا يعني بحال حافظت إيران على نظامها وتماسكها، ستكون قد عادت أقوى بعد هذه الحرب.
كل هذه الملفات تبدو حاضرة في الدوائر الأميركية والإسرائيلية أيضاً، لا سيما أن تل أبيب أكثر القلقين من الوصول إلى اتفاق إيراني أميركي، وسعى رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو بكل مساعيه لإجهاضه ومواصلة الحرب، على قاعدة أنه لا يمكن الاستناد إلى “إعلان نوايا” مع إيران، وأنها ستعود إلى ممارسة نهجها الدائم، وستعمل على استعادة قوتها وعدم التخلي عن مشروعها أو نفوذها في المنطقة، خصوصاً في حال الإفراج عن أموالها المجمدة أو رفع العقوبات عنها.
ارتباك ترامب، ما بين العودة إلى الحرب أو الخروج منها نهائياً، هو الذي حتم عليه إجراء اتصالات مع قادة دول المنطقة، ولا سيما السعودية، تركيا، قطر، الإمارات وغيرهم، إضافة إلى اتصاله بنتنياهو. ومما لا شك فيه أن الدول العربية والخليجية إضافة إلى تركيا وباكستان ومصر، سعت إلى إنهاء هذه الحرب، وأن تلعب دوراً أساسياً وتكون شريكة في المفاوضات التالية حول النووي لعدم تكرار تجربة العام 2015 التي جرى فيها استبعاد دول الخليج، ولربما في مقابل سعي زعماء هذه الدول لإقناع ترامب بالدخول في الاتفاق وإنهاء الحرب، كان هو يحاول إقناعهم الانضمام إليه بحال قرر استئناف الأعمال الحربية. أما نتنياهو فقد كان يصر على مواصلة الحرب، أما بحال كان لا بد منه، فيريد نتنياهو عدم إلزام ترامب له على وقف الحرب على لبنان وأن يصبح مشمولاً ببنود الاتفاق.
لبنان هو أحد العناوين الرئيسية لأي اتفاق إيراني أميركي، لا سيما أن المسؤولين الإيرانيين يؤكدون أنهم يشترطون وقف الحرب في المنطقة ككل ولا سيما ضد حزب الله، أما واشنطن وتل أبيب فلا تريدان ذلك، بل تعملان على خلق مسار منفصل، هدفه إنهاء نفوذ إيران في المنطقة من خلال إضعاف حزب الله وتفكيك بنيته العسكرية، ودفع المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية نحو اتفاق سلام بين البلدين. لكن من الصعب جداً فصل ملف لبنان عن إيران، إذ حتى لو جرى الوصول إلى اتفاق إيراني أميركي لا يشمل الملف اللبناني، إلا أن ذلك لن يمنع إيران من مواصلة دعم حزب الله والاستفادة من الاتفاق لدفعه إلى تغيير موازين القوى في الداخل اللبناني إلى جانب مواصلة العمليات ضد القوات الإسرائيلية التي تحتل جزءاً من الجنوب.
وما يسري على لبنان بالنسبة إلى إيران، لا بد أن يسري على دول أخرى خصوصاً في العراق من خلال إعادة حلفاء طهران تنشيط تحركاتهم، وهذا ما يعني محاولة إيرانية جديدة للانقلاب على كل الترتيبات التي سعت الولايات المتحدة الأميركية إلى رسمها في المنطقة، إذ عملت على خلق وقائع تنطلق من معادلة “انتهاء النفوذ الإيراني” أو سقوط النظام، وهو ما سيغير حسابات الكثير من دول المنطقة. هنا بالتحديد، يجدر التركيز على اتصالات عديدة حصلت بين ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي أوفد رئيس مخابراته ابراهيم كالين إلى سوريا، في إطار السعي التركي الحثيث إلى تثبيت الاستقرار في دمشق وتركيز سلطة أحمد الشرع ومنع أي طرف سواء أكانت إيران أم إسرائيل من القيام بأي رد فعل ارتدادي في سوريا في محاولة لتغيير الوقائع، ذلكَ أيضاً لا بد أن يكون له تداعيات على لبنان، ربما بناء على التنسيق التركي الأميركي، أو بين تركيا ودول المنطقة ولا سيما السعودية وقطر، خصوصاً أن إسرائيل تريد أن تتوسع في لبنان وسوريا سواء استأنفت أميركا الحرب على إيران، أو توصلت إلى اتفاق معها، إذ عندها تريد إسرائيل أن يكون التعويض لها في لبنان وسوريا عسكرياً أم سياسياً، وهو ما لا بد من مواجهته من قبل دول المنطقة للحفاظ على وحدة البلدين وكيانهما.






