هل ستتخلى إسرائيل عن “المنطقة الصفراء” بسهولة؟

الكاتب: اندريه قصاص | المصدر: لبنان 24
26 أيار 2026

بغض النظر عن الموقف الذي سيتخذه الرئيس الأميركي دونالد ترامب من مسودة الاتفاق بين واشنطن وطهران لوقف العمليات الحربية، بما فيها الجارية بقوة بين إسرائيل و”حزب الله”، فإن إبرام هذا الاتفاق بصيغته النهائية سينعكس حتمًا على الوضع اللبناني إلاّ إذا كانت الولايات المتحدة الأميركية غير قادرة على لجم إسرائيل لوقف غاراتها على لبنان، وكذلك الأمر بالنسبة إلى تعامل إيران مع قيادة “حزب الله”.

أمّا إذا كان المقصود أميركيًا بـ هدنة الـ 45 يومًا، وقبل أي اتفاق آخر، عدم تعرّض بيروت، وبالتحديد ضاحيتها الجنوبية، للقصف الإسرائيلي المدّمر والهمجي، فهذا لا يعني أن هذه الهدنة سارية المفعول على الجنوب والبقاع، اللذين يتعرّضان لأخطر موجة من التصعيد منذ بداية الحرب حتى الآن، خصوصًا أن ما بدأ يتكّشف على أرض الواقع الجنوبي هو أخطر بكثير مما هو ظاهر للعين المجرّدة. فتل أبيب تسعى، ومن دون موافقة أميركية ظاهرة على الأقل، من خلال خطة متكاملة وممنهجة إلى إيجاد واقع جديد في العمق الجنوبي، أقّله في المنطقة المسمّاة “صفراء”، وهي تسمية قد تعني الكثير في الفكر الإسرائيلي التلمودي. فتقسيم هذه المنطقة الجغرافية، التي تمتد من الناقورة في القطاع الغربي حتى شبعا في القطاع الشرقي، مرورًا بالقطاع الأوسط، إلى مربعات أمنية، ينذر بما هو أخطر من أي حالة أخرى، مما يعني أن إسرائيل لن تتخّلى بسهولة عن هذا الجزء المهم من لبنان بالنسبة إليها من الناحيتين الأمنية والعسكرية حتى ولو تم الاتفاق بين واشنطن وطهران اليوم قبل الغد.

وهذا الواقع، في رأي خبراء عسكريين، ستكون له انعكاسات غير سارة على مفاوضات واشنطن، في ظل إصرار لبنان على ثلاثة أمور قبل الذهاب بعيدًا في مفاوضاته مع إسرائيل، وهي: وقف الاعتداءات اليومية في كل المناطق وليس حصرًا في بيروت وضاحيتها الجنوبية، والانسحاب الكامل من كل شبر محتّل، وإعادة الاسرى والمفقودين، كمقدمة لازمة لإعادة الاعمار. وهذا ما تشترطه إيران ايضًا في مفاوضاتها غير المباشرة مع الإدارة الأميركية.

لكنّ ما يزيد من تعقيد المشهد، أن إسرائيل لا تتعامل مع ما يجري على أنه مجرّد “جولة ضغط عسكرية” مرتبطة بمسار التفاوض، بل كفرصة استراتيجية لإعادة رسم قواعد أمنية على الحدود الشمالية في صورة دائمة. فهي تدرك أنّ أي تسوية مقبلة، سواء أتت عبر الوساطة الأميركية أو عبر تفاهمات إقليمية أوسع، ستؤسس لمرحلة جديدة، ولذلك تحاول فرض وقائع ميدانية تسبق السياسة وتقيّدها.

ومن هنا يمكن فهم هذا التركيز الإسرائيلي الكثيف على الجنوب والبقاع، بالتوازي مع إبقاء بيروت ضمن هامش “التهدئة المشروطة”. فتل أبيب تريد القول بوضوح إنّ الأمن الإسرائيلي يبدأ من العمق اللبناني، وليس فقط من الخط الأزرق، وإنّ أي صيغة مستقبلية يجب أن تمنحها عمليًا قدرة ردع وتدخل تتجاوز الحدود التقليدية المعروفة منذ القرار 1701.

الأخطر في هذا المسار التفاوضي، أنّ إسرائيل تبدو وكأنها تنتقل تدريجيًا من سياسة “الردّ على التهديد” إلى سياسة “إدارة الجغرافيا اللبنانية أمنيًا”. وهذا ما يفسّر عمليات الاستهداف اليومية المركّزة، ومحاولات تفريغ بعض القرى الحدودية من مقومات الحياة الطبيعية، ودفع السكان إلى واقع نزوح طويل الأمد، بما يخلق منطقة رخوة أمنيًا وبشريًا يمكن التحكم بها بالنار والخوف معًا.

وفي موازاة ذلك، لا يبدو أن واشنطن بعيدة عن هذا التصور بالكامل، حتى وإن كانت تحاول الظهور بموقع الوسيط. فالإدارة الأميركية، المنشغلة بأولويات إقليمية ودولية أكبر، تبدو معنية أولًا بمنع توسّع الحرب إلى مواجهة شاملة تهدد المصالح الأميركية المباشرة، أكثر من اهتمامها بإيجاد حل جذري ودائم للبنان. لذلك فإن “هدنة الـ45 يومًا” قد تكون بالنسبة إلى الأميركيين مجرد إطار مؤقت لضبط الإيقاع، لا مشروع حل فعلي.

أما لبنان، الرسمي والسياسي، فيقف أمام معادلة شديدة التعقيد. فمن جهة، لا يستطيع القبول بأي واقع جديد ينتقص من سيادته أو يكرّس احتلالًا مقنّعًا لأجزاء من أرضه، ومن جهة أخرى، لا يملك أوراق ضغط كافية تسمح له بفرض شروطه كاملة في ظل اختلال موازين القوى العسكرية والسياسية في المنطقة.

وهنا تحديدًا تكمن خطورة المرحلة المقبلة. فالمفاوضات، إذا انطلقت بصيغتها الجدية، لن تكون محصورة فقط بوقف النار أو تبادل الأسرى أو إعادة الإعمار، بل ستتجاوز ذلك إلى رسم شكل الجنوب اللبناني في السنوات المقبلة. فمن يضبطه، ومن يراقبه، وما هي حدود حركة “حزب الله” فيه، وهل يتحوّل الجنوب إلى منطقة خاضعة لتفاهمات أمنية دولية غير معلنة؟

كل ذلك يجري فيما الداخل اللبناني يعيش حالة إنهاك غير مسبوقة، سياسيًا واقتصاديًا وشعبيًا، ما يجعل قدرة الدولة على المواجهة أو حتى المناورة محدودة للغاية. ولذلك، فإن أخطر ما قد يواجهه لبنان اليوم ليس فقط استمرار الحرب، بل احتمال أن تتحوّل “الهدنة المؤقتة” إلى مسار طويل من الاستنزاف الصامت، حيث لا حرب شاملة ولا سلام فعليًا، بل واقع رمادي مفتوح على كل الاحتمالات.

هل ستتخلى إسرائيل عن “المنطقة الصفراء” بسهولة؟

الكاتب: اندريه قصاص | المصدر: لبنان 24
26 أيار 2026

بغض النظر عن الموقف الذي سيتخذه الرئيس الأميركي دونالد ترامب من مسودة الاتفاق بين واشنطن وطهران لوقف العمليات الحربية، بما فيها الجارية بقوة بين إسرائيل و”حزب الله”، فإن إبرام هذا الاتفاق بصيغته النهائية سينعكس حتمًا على الوضع اللبناني إلاّ إذا كانت الولايات المتحدة الأميركية غير قادرة على لجم إسرائيل لوقف غاراتها على لبنان، وكذلك الأمر بالنسبة إلى تعامل إيران مع قيادة “حزب الله”.

أمّا إذا كان المقصود أميركيًا بـ هدنة الـ 45 يومًا، وقبل أي اتفاق آخر، عدم تعرّض بيروت، وبالتحديد ضاحيتها الجنوبية، للقصف الإسرائيلي المدّمر والهمجي، فهذا لا يعني أن هذه الهدنة سارية المفعول على الجنوب والبقاع، اللذين يتعرّضان لأخطر موجة من التصعيد منذ بداية الحرب حتى الآن، خصوصًا أن ما بدأ يتكّشف على أرض الواقع الجنوبي هو أخطر بكثير مما هو ظاهر للعين المجرّدة. فتل أبيب تسعى، ومن دون موافقة أميركية ظاهرة على الأقل، من خلال خطة متكاملة وممنهجة إلى إيجاد واقع جديد في العمق الجنوبي، أقّله في المنطقة المسمّاة “صفراء”، وهي تسمية قد تعني الكثير في الفكر الإسرائيلي التلمودي. فتقسيم هذه المنطقة الجغرافية، التي تمتد من الناقورة في القطاع الغربي حتى شبعا في القطاع الشرقي، مرورًا بالقطاع الأوسط، إلى مربعات أمنية، ينذر بما هو أخطر من أي حالة أخرى، مما يعني أن إسرائيل لن تتخّلى بسهولة عن هذا الجزء المهم من لبنان بالنسبة إليها من الناحيتين الأمنية والعسكرية حتى ولو تم الاتفاق بين واشنطن وطهران اليوم قبل الغد.

وهذا الواقع، في رأي خبراء عسكريين، ستكون له انعكاسات غير سارة على مفاوضات واشنطن، في ظل إصرار لبنان على ثلاثة أمور قبل الذهاب بعيدًا في مفاوضاته مع إسرائيل، وهي: وقف الاعتداءات اليومية في كل المناطق وليس حصرًا في بيروت وضاحيتها الجنوبية، والانسحاب الكامل من كل شبر محتّل، وإعادة الاسرى والمفقودين، كمقدمة لازمة لإعادة الاعمار. وهذا ما تشترطه إيران ايضًا في مفاوضاتها غير المباشرة مع الإدارة الأميركية.

لكنّ ما يزيد من تعقيد المشهد، أن إسرائيل لا تتعامل مع ما يجري على أنه مجرّد “جولة ضغط عسكرية” مرتبطة بمسار التفاوض، بل كفرصة استراتيجية لإعادة رسم قواعد أمنية على الحدود الشمالية في صورة دائمة. فهي تدرك أنّ أي تسوية مقبلة، سواء أتت عبر الوساطة الأميركية أو عبر تفاهمات إقليمية أوسع، ستؤسس لمرحلة جديدة، ولذلك تحاول فرض وقائع ميدانية تسبق السياسة وتقيّدها.

ومن هنا يمكن فهم هذا التركيز الإسرائيلي الكثيف على الجنوب والبقاع، بالتوازي مع إبقاء بيروت ضمن هامش “التهدئة المشروطة”. فتل أبيب تريد القول بوضوح إنّ الأمن الإسرائيلي يبدأ من العمق اللبناني، وليس فقط من الخط الأزرق، وإنّ أي صيغة مستقبلية يجب أن تمنحها عمليًا قدرة ردع وتدخل تتجاوز الحدود التقليدية المعروفة منذ القرار 1701.

الأخطر في هذا المسار التفاوضي، أنّ إسرائيل تبدو وكأنها تنتقل تدريجيًا من سياسة “الردّ على التهديد” إلى سياسة “إدارة الجغرافيا اللبنانية أمنيًا”. وهذا ما يفسّر عمليات الاستهداف اليومية المركّزة، ومحاولات تفريغ بعض القرى الحدودية من مقومات الحياة الطبيعية، ودفع السكان إلى واقع نزوح طويل الأمد، بما يخلق منطقة رخوة أمنيًا وبشريًا يمكن التحكم بها بالنار والخوف معًا.

وفي موازاة ذلك، لا يبدو أن واشنطن بعيدة عن هذا التصور بالكامل، حتى وإن كانت تحاول الظهور بموقع الوسيط. فالإدارة الأميركية، المنشغلة بأولويات إقليمية ودولية أكبر، تبدو معنية أولًا بمنع توسّع الحرب إلى مواجهة شاملة تهدد المصالح الأميركية المباشرة، أكثر من اهتمامها بإيجاد حل جذري ودائم للبنان. لذلك فإن “هدنة الـ45 يومًا” قد تكون بالنسبة إلى الأميركيين مجرد إطار مؤقت لضبط الإيقاع، لا مشروع حل فعلي.

أما لبنان، الرسمي والسياسي، فيقف أمام معادلة شديدة التعقيد. فمن جهة، لا يستطيع القبول بأي واقع جديد ينتقص من سيادته أو يكرّس احتلالًا مقنّعًا لأجزاء من أرضه، ومن جهة أخرى، لا يملك أوراق ضغط كافية تسمح له بفرض شروطه كاملة في ظل اختلال موازين القوى العسكرية والسياسية في المنطقة.

وهنا تحديدًا تكمن خطورة المرحلة المقبلة. فالمفاوضات، إذا انطلقت بصيغتها الجدية، لن تكون محصورة فقط بوقف النار أو تبادل الأسرى أو إعادة الإعمار، بل ستتجاوز ذلك إلى رسم شكل الجنوب اللبناني في السنوات المقبلة. فمن يضبطه، ومن يراقبه، وما هي حدود حركة “حزب الله” فيه، وهل يتحوّل الجنوب إلى منطقة خاضعة لتفاهمات أمنية دولية غير معلنة؟

كل ذلك يجري فيما الداخل اللبناني يعيش حالة إنهاك غير مسبوقة، سياسيًا واقتصاديًا وشعبيًا، ما يجعل قدرة الدولة على المواجهة أو حتى المناورة محدودة للغاية. ولذلك، فإن أخطر ما قد يواجهه لبنان اليوم ليس فقط استمرار الحرب، بل احتمال أن تتحوّل “الهدنة المؤقتة” إلى مسار طويل من الاستنزاف الصامت، حيث لا حرب شاملة ولا سلام فعليًا، بل واقع رمادي مفتوح على كل الاحتمالات.

مزيد من الأخبار