حصى واشنطن في أذن “عين التينة”… وبرّي لا يسمع

بري 71
الكاتب: نورما أبو زيد | المصدر: نداء الوطن
27 أيار 2026

تُشبهُ عقوبات وزارة الخزانة الأميركية على لبنانيين مسلسلا أميركيًا طويلا، لا تتعب واشنطن من كتابة حلقاته.

تُصرُّ سيّدة العقوبات على تجديد مواسمه، ولا ينتهي أبدًا. وحدها الوجوه تتغيّر، وحين يظنّ الجميع أنّ الحبكة استنفدت مفاجآتها، يلتقط المخرج الأميركي شخصيات من الصفّ الخلفيّ، ويقذف بها دفعة واحدة إلى أقسى بقعة ضوء، و… يحرقها بضوئه!

لائحة مكتظّة بالأسماء والرسائل، دفعت بها وزارة الخزانة الأميركية الأسبوع الفائت إلى لائحة العقوبات، قوامها أربعة نوّاب من “كتلة التنمية والتحرير”، وأمنيان من الجيش اللبناني والأمن العام، وحزبيان من “حركة أمل”، ودبلوماسي إيراني. أمّا التهمة: “عرقلة عملية السلام، وإعاقة مسار نزع سلاح حزب الله”.

التهمة موحية، وكذلك المتّهمون. وقد أوحت لائحة المعاقبين بأنّ واشنطن قرّرت أن تقذف على لبنان كلّ بحصة تتعثّر بها في ممرّات الملف اللبناني. لا يهم إن كانت البحصة صغيرة أم كبيرة. فالمهم أن تُحدث صوتًا حادًا ومقلقًا ومزعجًا في أذني من اختارت واشنطن أن تُسمِعهم هذا الصوت.

فهل هو تفصيل أن تتكاثر الحصى في آذان المرجعيات السياسية والأجهزة الأمنية، وأن تصل إحداها إلى أذن الرئيس نبيه برّي للمرّة الثانية، بعد أن كانت الأولى قد مرّت عبر بوّابة العقوبات التي طالت مساعده السياسي علي حسن الخليل؟

وهل هو تفصيل أيضًا أن تصل البحصة إلى عمق أذن المؤسسة العسكرية والأمن العام، وهي مؤسسات يُفترض أن تكون خارج دائرة الاستهداف الأميركي المباشر، وخارج مدى الأصابع الأميركية؟

وهل هو تفصيل أن تذهب واشنطن إلى تعرية الجسم السياسي لـ “حزب الله”؟

يفنّد أمني رفيع لائحة العقوبات على النحو التالي:

o في العقوبات على نواب “التحرير والتنمية”، لم تعد واشنطن تميّز بين من تحمل يده بندقية، وبين من يرفع يده في البرلمان. وهذا يعني أنّ واشنطن لم تعد تفصل بين الغطاء السياسي والبنية اللوجستية لـ”الحزب”.

o العقوبات التي طالت ضابطين من الجيش اللبناني والأمن العام هي نزع للحصانات عن مؤسسات لم تكن على مسافة كافية من “حزب الله”. وقد قرّرت واشنطن أن تقول للبنان من خلال المعاقبَين إن زمن الخطوط الحمراء يتآكل، وإنّ المسافة الفاصلة بين أجهزة الدولة و”الحزب” لم تعد مقنعة لها.

o الساعدان الأمنيان لـ”حركة أمل” هما التفصيل الأكثر إثارة، لا سيّما أحمد البعلبكي الذي يُعرف منذ أربعين عامًا باعتباره الرجل الذي يسبق خطوة الرئيس نبيه بري بـ”نصف فشخة”. وقد بدأ الأميركيون بملاحقة تلك الشبكة غير المرئية من الرجال الذين لا يظهرون في الصور الرسمية، لكنهم يمسكون بالمفاتيح.

يُختصر المشهد برمّته بأنّ العقوبات اختبار لحدود السمع السياسي في “عين التينة” وللإحساس الأمني في الأجهزة الأمنية. فإلى أيّ مدى قادرة جدران الأجهزة على عدم الاهتزاز حين تخترقها بحصة أميركية؟ وهل تستطيع “عين التينة” أن تتحمّل صدى صوت البحصة؟

يُجيب المرجع الأمني بأنّ قدرة الأجهزة على الصمود تكاد تكون معدومة، أمّا السؤال المتعلّق بـ”عين التينة”، فالإجابة عنه لدى دوائر “عين التينة” نفسها. وتقول لـ”نداء الوطن” إنّ برّي يعرف أنّ حصى واشنطن ليست عشوائية ولا عابرة، وأنّها من أوراق الضغط عليه، لكنّه لم يُعِرها حتى التفاتة. وتضيف: البحصة الأميركية التي أُريد لها أن تخترق قوقعة أذن الرئيس برّي، لم تفاجئه ولم تصل إلى هدفها، لأنّه كان يتوقّع هذا الأمر وينتظره.

تشرح الدوائر أنّ سببين متداخلين يقفان خلف البحصة الأميركية: الأوّل هو أنّ “أمل” قدّمت 500 شهيد بين مسعف ودفاع مدني ومقاتل سقط وهو يدافع عن أرضه. أمّا السبب الثاني والأشدّ حساسيّة، فهو أنّ “حارس التوازن”، وفق تعبيرها، لا يزال يرفض الانخراط في المفاوضات المباشرة.

تؤكّد دوائر “عين التينة” أنّ برّي لن يزكّي أيّ شخصية شيعية، لا أمنيّة ولا مدنيّة، إلى المفاوضات التي يرفضها، مهما تصاعدت الضغوط، بما فيها التلويح بلوائح معاقبين أخرى.

ترى الدوائر أنّ المشكلة لا تكمن في شكل التفاوض بحدّ ذاته، بل في التداعيات التي قد تترتّب على التفاوض المباشر. وبحسب هذه الدوائر، فإنّ لبنان لا يملك القدرة، لا على تلبية ما قد يُطلب منه في هذا المسار، ولا على رفضه، لذلك “عين التينة” مع اجتنابه.

تسوق الدوائر الدفع الأميركي نحو لقاء يجمع الرئيس جوزاف عون برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مثالا على التداعيات، قبل أن تضيف: “ما بيسترجي لبنان ما يلبّي”. ثمّ تتساءل: هل سبق أن شهدتم رئيس دولة عظمى يرعى مفاوضات بين سفيرين؟ لتخلص إلى أنّ الثمن المطلوب يتجاوز بكثير ما يُقال علنًا. وتضيف الدوائر أنّ برّي يتمسّك بعنوان واحد لا يتبدّل: “وقف إطلاق النار”. وتتابع: “نحن مع وقف إطلاق نار حقيقي، حتى لو جاء به الشيطان”.

حصى واشنطن في أذن “عين التينة”… وبرّي لا يسمع

بري 71
الكاتب: نورما أبو زيد | المصدر: نداء الوطن
27 أيار 2026

تُشبهُ عقوبات وزارة الخزانة الأميركية على لبنانيين مسلسلا أميركيًا طويلا، لا تتعب واشنطن من كتابة حلقاته.

تُصرُّ سيّدة العقوبات على تجديد مواسمه، ولا ينتهي أبدًا. وحدها الوجوه تتغيّر، وحين يظنّ الجميع أنّ الحبكة استنفدت مفاجآتها، يلتقط المخرج الأميركي شخصيات من الصفّ الخلفيّ، ويقذف بها دفعة واحدة إلى أقسى بقعة ضوء، و… يحرقها بضوئه!

لائحة مكتظّة بالأسماء والرسائل، دفعت بها وزارة الخزانة الأميركية الأسبوع الفائت إلى لائحة العقوبات، قوامها أربعة نوّاب من “كتلة التنمية والتحرير”، وأمنيان من الجيش اللبناني والأمن العام، وحزبيان من “حركة أمل”، ودبلوماسي إيراني. أمّا التهمة: “عرقلة عملية السلام، وإعاقة مسار نزع سلاح حزب الله”.

التهمة موحية، وكذلك المتّهمون. وقد أوحت لائحة المعاقبين بأنّ واشنطن قرّرت أن تقذف على لبنان كلّ بحصة تتعثّر بها في ممرّات الملف اللبناني. لا يهم إن كانت البحصة صغيرة أم كبيرة. فالمهم أن تُحدث صوتًا حادًا ومقلقًا ومزعجًا في أذني من اختارت واشنطن أن تُسمِعهم هذا الصوت.

فهل هو تفصيل أن تتكاثر الحصى في آذان المرجعيات السياسية والأجهزة الأمنية، وأن تصل إحداها إلى أذن الرئيس نبيه برّي للمرّة الثانية، بعد أن كانت الأولى قد مرّت عبر بوّابة العقوبات التي طالت مساعده السياسي علي حسن الخليل؟

وهل هو تفصيل أيضًا أن تصل البحصة إلى عمق أذن المؤسسة العسكرية والأمن العام، وهي مؤسسات يُفترض أن تكون خارج دائرة الاستهداف الأميركي المباشر، وخارج مدى الأصابع الأميركية؟

وهل هو تفصيل أن تذهب واشنطن إلى تعرية الجسم السياسي لـ “حزب الله”؟

يفنّد أمني رفيع لائحة العقوبات على النحو التالي:

o في العقوبات على نواب “التحرير والتنمية”، لم تعد واشنطن تميّز بين من تحمل يده بندقية، وبين من يرفع يده في البرلمان. وهذا يعني أنّ واشنطن لم تعد تفصل بين الغطاء السياسي والبنية اللوجستية لـ”الحزب”.

o العقوبات التي طالت ضابطين من الجيش اللبناني والأمن العام هي نزع للحصانات عن مؤسسات لم تكن على مسافة كافية من “حزب الله”. وقد قرّرت واشنطن أن تقول للبنان من خلال المعاقبَين إن زمن الخطوط الحمراء يتآكل، وإنّ المسافة الفاصلة بين أجهزة الدولة و”الحزب” لم تعد مقنعة لها.

o الساعدان الأمنيان لـ”حركة أمل” هما التفصيل الأكثر إثارة، لا سيّما أحمد البعلبكي الذي يُعرف منذ أربعين عامًا باعتباره الرجل الذي يسبق خطوة الرئيس نبيه بري بـ”نصف فشخة”. وقد بدأ الأميركيون بملاحقة تلك الشبكة غير المرئية من الرجال الذين لا يظهرون في الصور الرسمية، لكنهم يمسكون بالمفاتيح.

يُختصر المشهد برمّته بأنّ العقوبات اختبار لحدود السمع السياسي في “عين التينة” وللإحساس الأمني في الأجهزة الأمنية. فإلى أيّ مدى قادرة جدران الأجهزة على عدم الاهتزاز حين تخترقها بحصة أميركية؟ وهل تستطيع “عين التينة” أن تتحمّل صدى صوت البحصة؟

يُجيب المرجع الأمني بأنّ قدرة الأجهزة على الصمود تكاد تكون معدومة، أمّا السؤال المتعلّق بـ”عين التينة”، فالإجابة عنه لدى دوائر “عين التينة” نفسها. وتقول لـ”نداء الوطن” إنّ برّي يعرف أنّ حصى واشنطن ليست عشوائية ولا عابرة، وأنّها من أوراق الضغط عليه، لكنّه لم يُعِرها حتى التفاتة. وتضيف: البحصة الأميركية التي أُريد لها أن تخترق قوقعة أذن الرئيس برّي، لم تفاجئه ولم تصل إلى هدفها، لأنّه كان يتوقّع هذا الأمر وينتظره.

تشرح الدوائر أنّ سببين متداخلين يقفان خلف البحصة الأميركية: الأوّل هو أنّ “أمل” قدّمت 500 شهيد بين مسعف ودفاع مدني ومقاتل سقط وهو يدافع عن أرضه. أمّا السبب الثاني والأشدّ حساسيّة، فهو أنّ “حارس التوازن”، وفق تعبيرها، لا يزال يرفض الانخراط في المفاوضات المباشرة.

تؤكّد دوائر “عين التينة” أنّ برّي لن يزكّي أيّ شخصية شيعية، لا أمنيّة ولا مدنيّة، إلى المفاوضات التي يرفضها، مهما تصاعدت الضغوط، بما فيها التلويح بلوائح معاقبين أخرى.

ترى الدوائر أنّ المشكلة لا تكمن في شكل التفاوض بحدّ ذاته، بل في التداعيات التي قد تترتّب على التفاوض المباشر. وبحسب هذه الدوائر، فإنّ لبنان لا يملك القدرة، لا على تلبية ما قد يُطلب منه في هذا المسار، ولا على رفضه، لذلك “عين التينة” مع اجتنابه.

تسوق الدوائر الدفع الأميركي نحو لقاء يجمع الرئيس جوزاف عون برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مثالا على التداعيات، قبل أن تضيف: “ما بيسترجي لبنان ما يلبّي”. ثمّ تتساءل: هل سبق أن شهدتم رئيس دولة عظمى يرعى مفاوضات بين سفيرين؟ لتخلص إلى أنّ الثمن المطلوب يتجاوز بكثير ما يُقال علنًا. وتضيف الدوائر أنّ برّي يتمسّك بعنوان واحد لا يتبدّل: “وقف إطلاق النار”. وتتابع: “نحن مع وقف إطلاق نار حقيقي، حتى لو جاء به الشيطان”.

مزيد من الأخبار