الخط الأصفر الجديد: أين سيترسّم؟

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: لبنان 24
29 أيار 2026

ما دام “الحزب” مستمراً في نهجه الحالي، فهل يخبر بيئته الحاضنة أين يمكن أن يتوقف الخط الأصفر، وإلى أين سيذهب شيعة الجنوب، ومتى يمكن أن يعودوا؟ فـ”الحزب” يزايد بشعارات الدفاع عن أرض باتت عملياً بلا سكان، وتحت سيطرة نارية إسرائيلية مباشرة، فيما السلّم الوحيد المفتوح لنزوله عن الشجرة هو أن يسلم السلاح إلى الدولة اللبنانية ويعترف بخيار التفاوض الذي لم يبقَ سواه أمام هذه الدولة المعذبة لمحاولة إنقاذ ما خربته حروب العبث والشعارات الجوفاء

 

​دخلت الحرب في الجنوب مرحلة جديدة هي الثالثة؛ 0في المفهوم الاستراتيجي: الأولى كانت في 2024، عندما اكتفت إسرائيل بالتمركز في 5 نقاط محاذية للحدود الدولية. والثانية كانت في حرب الربيع الحالي التي انتهت بترسيخ “الخط الأصفر”. والآن، تتمدد إسرائيل شمالاً، بحيث بات “الخط الأصفر” من الماضي.
وتترافق كل من هذه المراحل مع تغيير ديموغرافي وجغرافي كامل، بحيث بات يشمل مناطق واسعة في البقعة الممتدة من الحدود الدولية وصولاً إلى عمق أقضية محافظتي الجنوب والنبطية، أي إنّ المنطقة الواقعة جنوب نهر الأولي، كلها، وليس فقط تلك الواقعة جنوب الليطاني أو جنوب الزهراني، مرشحة لتحولات عميقة. والبارز هو الإنذارات الغزيرة التي يوجهها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، يومياً، إلى السكان، بحيث يشمل الإخلاء غالباً 50 أو 60 مدينة وبلدة دفعة واحدة.
في الواقع، لم يعد “الخط الأصفر” مجرد خط تقني مرسوم في نقاط محصورة، بل بات “حدوداً متحركة” باستمرار ترسمها النيران، وبتغطية دولية، وأميركية خصوصاً. والسؤال الحقيقي المطروح اليوم على “حزب الله” هو: ماذا بقي أو سيبقى من الجنوب لكي يرفع شعار الدفاع عنه، بعدما بات على وشك الإفراغ الكامل من السكان، أي أرضاً محروقة وخالية من أي حركة؟
واللافت أنّ ​​إنذارات الإخلاء التي كانت تقتصر سابقاً على قرى في محاذاة الحدود، باتت تشمل كبريات المدن الجنوبية. وبعدما جرى مسح بنت جبيل، يتم في الأيام الأخيرة إخلاء صور والنبطية وسواهما، والآتي أعظم كما هو واضح. وهذا التدحرج في إفراغ المدن والبلدات يعني تحويل جزء واسع من الجنوب اللبناني إلى منطقة عازلة ومعزولة. فإسرائيل باتت تفضل إبعاد حاضنة “الحزب” البشرية أيضاً. وبذلك، يتحرك “الخط الأصفر” صعوداً نحو الشمال مع كل إنذار جديد، معلناً ابتلاع أقضية بأكملها.
هذه الاندفاعة العسكرية الإسرائيلية تتناغم تماماً مع المناخات الديبلوماسية الصارمة التي يجري التحضير لها في واشنطن، والتي على الأرجح ستشكل الفكّ الثاني من “الكماشة”. فالولايات المتحدة، التي تستعد لاستضافة الوفد العسكري اللبناني المفاوض في البنتاغون غداً، والوفد السياسي في وزارة الخارجية في 2 و3 حزيران، لم تضع أي كوابح أمام الآلة العسكرية الإسرائيلية، وعلى العكس، أعلنت بوضوح أنها مع حق إسرائيل في ضرب “حزب الله” أينما كان، ومسبقاً، ما دام هو يعلن استعداده الدائم لاستهدافها، كجزء من المنظومة العسكرية الإيرانية.
وسواء تم “الاتفاق الإطار” بين واشنطن وطهران أم لا، وأياً تكن طبيعة هذا الاتفاق، فإنّ الإدارة الأميركية ستضمن لإسرائيل حق التصرف وملاحقة “التهديدات المحتملة” في لبنان، أي ستمنحها تفويضاً صامتاً لمواصلة ضغطها العسكري لكي تفكك بنية “حزب الله”، مع التأكيد على أنّ رفض “الحزب” لتسليم السلاح إلى الدولة اللبنانية سيبقى هو المبرر المثالي لاستمرار الحرب.
​أمام هذا التآكل الجغرافي والديموغرافي اليومي، تبدو حسابات “حزب الله” في انفصال تام عن الواقع. فإصراره على مواصلة القتال تحت عناوين إقليمية، ورفضه التجاوب مع منطق الدولة اللبنانية لنزع السلاح، يفرز معادلة عكسية قاتلة. ففي كل جولة عسكرية جديدة، يخسر لبنان قسماً من السيطرة على أراضيه وبنيته التحتية. وبات أقصى طموح “الحزب” هو توسّل انسحاب إسرائيل إلى وضع سابق أو خطوط سابقة.
ويطرح إفراغ الجنوب والنبطية من السكان سؤالاً جوهرياً: ما دام “الحزب” مستمراً في نهجه الحالي، والمعركة تُحسم بالنار والتدمير الشامل، فهل يخبر بيئته الحاضنة أين يمكن أن يتوقف الخط الأصفر، وإلى أين سيذهب شيعة الجنوب، ومتى يمكن أن يعودوا؟ فـ”الحزب” يزايد بشعارات الدفاع عن أرض باتت عملياً بلا سكان، وتحت سيطرة نارية إسرائيلية مباشرة، فيما السلّم الوحيد المفتوح لنزوله عن الشجرة هو أن يسلم السلاح إلى الدولة اللبنانية ويعترف بخيار التفاوض الذي لم يبقَ سواه أمام هذه الدولة المعذبة لمحاولة إنقاذ ما خربته حروب العبث والشعارات الجوفاء.

الخط الأصفر الجديد: أين سيترسّم؟

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: لبنان 24
29 أيار 2026

ما دام “الحزب” مستمراً في نهجه الحالي، فهل يخبر بيئته الحاضنة أين يمكن أن يتوقف الخط الأصفر، وإلى أين سيذهب شيعة الجنوب، ومتى يمكن أن يعودوا؟ فـ”الحزب” يزايد بشعارات الدفاع عن أرض باتت عملياً بلا سكان، وتحت سيطرة نارية إسرائيلية مباشرة، فيما السلّم الوحيد المفتوح لنزوله عن الشجرة هو أن يسلم السلاح إلى الدولة اللبنانية ويعترف بخيار التفاوض الذي لم يبقَ سواه أمام هذه الدولة المعذبة لمحاولة إنقاذ ما خربته حروب العبث والشعارات الجوفاء

 

​دخلت الحرب في الجنوب مرحلة جديدة هي الثالثة؛ 0في المفهوم الاستراتيجي: الأولى كانت في 2024، عندما اكتفت إسرائيل بالتمركز في 5 نقاط محاذية للحدود الدولية. والثانية كانت في حرب الربيع الحالي التي انتهت بترسيخ “الخط الأصفر”. والآن، تتمدد إسرائيل شمالاً، بحيث بات “الخط الأصفر” من الماضي.
وتترافق كل من هذه المراحل مع تغيير ديموغرافي وجغرافي كامل، بحيث بات يشمل مناطق واسعة في البقعة الممتدة من الحدود الدولية وصولاً إلى عمق أقضية محافظتي الجنوب والنبطية، أي إنّ المنطقة الواقعة جنوب نهر الأولي، كلها، وليس فقط تلك الواقعة جنوب الليطاني أو جنوب الزهراني، مرشحة لتحولات عميقة. والبارز هو الإنذارات الغزيرة التي يوجهها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، يومياً، إلى السكان، بحيث يشمل الإخلاء غالباً 50 أو 60 مدينة وبلدة دفعة واحدة.
في الواقع، لم يعد “الخط الأصفر” مجرد خط تقني مرسوم في نقاط محصورة، بل بات “حدوداً متحركة” باستمرار ترسمها النيران، وبتغطية دولية، وأميركية خصوصاً. والسؤال الحقيقي المطروح اليوم على “حزب الله” هو: ماذا بقي أو سيبقى من الجنوب لكي يرفع شعار الدفاع عنه، بعدما بات على وشك الإفراغ الكامل من السكان، أي أرضاً محروقة وخالية من أي حركة؟
واللافت أنّ ​​إنذارات الإخلاء التي كانت تقتصر سابقاً على قرى في محاذاة الحدود، باتت تشمل كبريات المدن الجنوبية. وبعدما جرى مسح بنت جبيل، يتم في الأيام الأخيرة إخلاء صور والنبطية وسواهما، والآتي أعظم كما هو واضح. وهذا التدحرج في إفراغ المدن والبلدات يعني تحويل جزء واسع من الجنوب اللبناني إلى منطقة عازلة ومعزولة. فإسرائيل باتت تفضل إبعاد حاضنة “الحزب” البشرية أيضاً. وبذلك، يتحرك “الخط الأصفر” صعوداً نحو الشمال مع كل إنذار جديد، معلناً ابتلاع أقضية بأكملها.
هذه الاندفاعة العسكرية الإسرائيلية تتناغم تماماً مع المناخات الديبلوماسية الصارمة التي يجري التحضير لها في واشنطن، والتي على الأرجح ستشكل الفكّ الثاني من “الكماشة”. فالولايات المتحدة، التي تستعد لاستضافة الوفد العسكري اللبناني المفاوض في البنتاغون غداً، والوفد السياسي في وزارة الخارجية في 2 و3 حزيران، لم تضع أي كوابح أمام الآلة العسكرية الإسرائيلية، وعلى العكس، أعلنت بوضوح أنها مع حق إسرائيل في ضرب “حزب الله” أينما كان، ومسبقاً، ما دام هو يعلن استعداده الدائم لاستهدافها، كجزء من المنظومة العسكرية الإيرانية.
وسواء تم “الاتفاق الإطار” بين واشنطن وطهران أم لا، وأياً تكن طبيعة هذا الاتفاق، فإنّ الإدارة الأميركية ستضمن لإسرائيل حق التصرف وملاحقة “التهديدات المحتملة” في لبنان، أي ستمنحها تفويضاً صامتاً لمواصلة ضغطها العسكري لكي تفكك بنية “حزب الله”، مع التأكيد على أنّ رفض “الحزب” لتسليم السلاح إلى الدولة اللبنانية سيبقى هو المبرر المثالي لاستمرار الحرب.
​أمام هذا التآكل الجغرافي والديموغرافي اليومي، تبدو حسابات “حزب الله” في انفصال تام عن الواقع. فإصراره على مواصلة القتال تحت عناوين إقليمية، ورفضه التجاوب مع منطق الدولة اللبنانية لنزع السلاح، يفرز معادلة عكسية قاتلة. ففي كل جولة عسكرية جديدة، يخسر لبنان قسماً من السيطرة على أراضيه وبنيته التحتية. وبات أقصى طموح “الحزب” هو توسّل انسحاب إسرائيل إلى وضع سابق أو خطوط سابقة.
ويطرح إفراغ الجنوب والنبطية من السكان سؤالاً جوهرياً: ما دام “الحزب” مستمراً في نهجه الحالي، والمعركة تُحسم بالنار والتدمير الشامل، فهل يخبر بيئته الحاضنة أين يمكن أن يتوقف الخط الأصفر، وإلى أين سيذهب شيعة الجنوب، ومتى يمكن أن يعودوا؟ فـ”الحزب” يزايد بشعارات الدفاع عن أرض باتت عملياً بلا سكان، وتحت سيطرة نارية إسرائيلية مباشرة، فيما السلّم الوحيد المفتوح لنزوله عن الشجرة هو أن يسلم السلاح إلى الدولة اللبنانية ويعترف بخيار التفاوض الذي لم يبقَ سواه أمام هذه الدولة المعذبة لمحاولة إنقاذ ما خربته حروب العبث والشعارات الجوفاء.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار