خطّة الجيش اللبناني لإسقاط “عقيدة الضّاحية”

لا تبدو المفاوضات المباشرة الجارية بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية مجرد محاولة جديدة لتثبيت وقف إطلاق النار؛ فخلف التفاصيل العسكرية والأمنية تدور مواجهة من نوع آخر: مواجهة بين عقيدتين.
الأولى هي ما يُعرف إسرائيلياً بـ”عقيدة الضاحية”، والثانية هي العقيدة التي يحاول لبنان الرسمي، عبر الجيش اللبناني ومؤسسات الدولة، أن يفرضها بديلاً منها.
نشأت عقيدة الضاحية بعد حرب تموز/يوليو 2006، واستمدت اسمها من الضاحية الجنوبية لبيروت التي تعرضت آنذاك لدمار واسع. لكن هذه العقيدة لم تكن مرتبطة بمنطقة جغرافية محددة بقدر ما كانت تعبر عن فلسفة أمنية تقوم على فكرة بسيطة: منع أي تهديد مستقبلي عبر إلحاق أثمان باهظة بالبيئة التي ينطلق منها هذا التهديد.
وعلى مدى السنوات الماضية، تحولت هذه العقيدة إلى أحد مكوّنات التفكير الأمني الإسرائيلي تجاه لبنان. فكلما تعاظمت قدرات “حزب الله” العسكرية، ازداد الاقتناع داخل أوساط إسرائيلية واسعة بأن الردع لا يتحقق فقط باستهداف المقاتلين والمنشآت العسكرية، بل أيضاً بمنع إعادة تكوين البيئة التي تسمح بعودة الخطر.
من هنا يمكن فهم حجم التحريض الذي شهدته إسرائيل خلال الأشهر الأخيرة. فقد ارتفعت أصوات سياسية وإعلامية وأمنية تدعو إلى توسيع نطاق العمليات داخل لبنان، وإلى منع إعادة بناء القدرات العسكرية للحزب، بل ذهب بعض المتشددين إلى حد المطالبة بتدمير واسع للبنية التحتية اللبنانية باعتبار أن أمن الشمال الإسرائيلي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر تغيير جذري في الواقع القائم على الجانب الآخر من الحدود.
غير أن الحرب الأخيرة أظهرت أيضاً حدود هذه المقاربة؛ فالولايات المتحدة لم تُخفِ رغبتها في منع تكرار مشاهد التدمير الواسعة في الضاحية الجنوبية وتوسعها في اتجاه العاصمة اللبنانية.
لكن حتى هذا التحول لم يمنع إسرائيل بحجة فرض معادلة تهدف إلى إبعاد المخاطر عن جنودها ومستوطناتها، من حصر المدى الجغرافي لعقيدة الضاحية”، من دون التخلي كلياً عنها، بدليل الاستهداف العنيف لمدينة صور والتهجير الواسع الذي بدأ يطال قضاءي جزين وصيدا.
هنا تحديداً يبدأ الدور الذي يحاول لبنان الرسمي أن يرسمه لنفسه. فالدولة اللبنانية لا تسعى فقط إلى وقف الغارات أو إلى انسحاب إسرائيل من المناطق التي توسع رقعة احتلالها. ما تسعى إليه الدولة فعلياً هو إسقاط المبرر الذي تستند إليه عقيدة الضاحية بكل أشكالها القديمة والمحدثة.
وجوهر الطرح اللبناني يقوم على معادلة واضحة: إذا كان المطلوب منع أي تهديد ينطلق من الأراضي اللبنانية، فإن الجهة التي يجب أن تتولى هذه المهمة هي الدولة اللبنانية نفسها، ممثلة بالجيش اللبناني والأجهزة الشرعية، وليس الطائرات الحربية الإسرائيلية.
ومن هنا تكتسب المفاوضات الجارية، ولا سيما على المسار العسكري أهمية استثنائية. فهي لا تبحث فقط في ترتيبات وقف النار، بل في نقل المسؤولية الأمنية من منطق التدخل الإسرائيلي المباشر إلى منطق الدولة اللبنانية القادرة على فرض سلطتها على أرضها.
الجيش اللبناني والفرصة الضائعة
تكشف أوساط مطلعة على رؤية قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل أن المؤسسة العسكرية تعتبر أن فرصة ثمينة ضاعت فجر الثاني من آذار/مارس الماضي، عندما أُطلقت صواريخ من الأراضي اللبنانية باتجاه إسرائيل.
فبحسب هذه المقاربة، كان يمكن لتلك الحادثة أن تتحول إلى نموذج عملي مختلف تماماً. إذ كان الجيش مستعداً للتحرك وملاحقة المسؤولين عن إطلاق الصواريخ، فيما كان يفترض أن تواكب الحكومة ووزارة العدل هذا المسار بإجراءات قانونية وقضائية صارمة تؤكد أن الدولة اللبنانية لن تسمح لأي جهة بأن تجر البلاد إلى مواجهة عسكرية من خارج قرارها.
وعند الاستفسار من مصادر وزارة العدل عن تلك المرحلة، يتبين أن الوزير عادل نصار كان يهيئ بالفعل لتحرك في هذا الاتجاه، يقوم على مقاربة قانونية وقضائية حازمة وصولاً إلى إحالة المتورطين على المجلس العدلي، بما يكرّس مسؤولية الدولة عن ملاحقة كل من يعرّض الأمن الوطني اللبناني للخطر.
لكن التوسع الإسرائيلي السريع في العمليات العسكرية بعد إطلاق الصواريخ قلب المشهد. فقد أصبحت الأولوية مواجهة التداعيات الميدانية المتسارعة، وتعقدت الظروف السياسية والأمنية التي كان يمكن أن تسمح بمثل هذا المسار، ما أدى إلى تراجع الاندفاعة الأولى وولّد شيئاً من التردد لدى أصحاب القرار، وحدّ من القدرة على تنفيذ قرار مجلس الوزراء الذي كلّف الجيش والقوى الأمنية باعتقال كل من يتنقل بالسلاح إلى أي جهة انتمى، وإحالته إلى القضاء المختص!
في نظر الجيش اللبناني، لم تكن المشكلة في إطلاق الصواريخ فحسب، بل أيضاً في أن الدولة لم تُمنح الفرصة الكاملة لإثبات قدرتها على معالجة الأمر بنفسها.
ولو نجح ذلك المسار، لكانت الصورة مختلفة اليوم. كانت الدولة ستظهر أمام اللبنانيين وأمام المجتمع الدولي بوصفها الجهة التي تبادر وتلاحق وتحاسب، لا الجهة التي تكتفي بردود الفعل. وكان من الممكن أن يترسخ نموذج جديد يقوم على أن أيّ خرق أمني ينطلق من الأراضي اللبنانية تتولى الدولة نفسها معالجته قضائياً وأمنياً وعسكرياً. وهذا بالتحديد هو المخرج الذي يسعى لبنان إلى تكريسه اليوم.
فالجيش اللبناني لا يطرح نفسه مجرد قوة تنتشر على الأرض، بل كبديل عملي من عقيدة الضاحية. وهو يقول بصورة غير مباشرة إن منح الدولة اللبنانية القدرة على ممارسة كامل صلاحياتها الأمنية والقضائية هو الطريق الوحيد إلى وقف مستدام للنار.
فالاستقرار لا يتحقق بالتدمير المتبادل، ولا بالغارات الوقائية، ولا بإبقاء لبنان ساحة مفتوحة للتدخلات العسكرية. الاستقرار يتحقق عندما تصبح الدولة المرجعية الوحيدة للسلاح والأمن والقانون.
لهذا السبب، فإن المعركة الحقيقية التي تدور خلف الكواليس ليست معركة حدود فقط، وليست معركة وقف إطلاق نار فقط، بل معركة على هوية الجهة التي تحمي الحدود.
إسرائيل لا تزال تبحث عن ضمانة لأمن شمالها. ولبنان يحاول أن يقنعها، ويقنع المجتمع الدولي قبلها، بأن هذه الضمانة يمكن أن تكون الدولة اللبنانية نفسها.
وإذا نجح هذا المسار، فإن الإنجاز لن يكون مجرد وقف للحرب، بل الانتقال من عقيدة الضاحية إلى عقيدة الدولة.
خطّة الجيش اللبناني لإسقاط “عقيدة الضّاحية”

لا تبدو المفاوضات المباشرة الجارية بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية مجرد محاولة جديدة لتثبيت وقف إطلاق النار؛ فخلف التفاصيل العسكرية والأمنية تدور مواجهة من نوع آخر: مواجهة بين عقيدتين.
الأولى هي ما يُعرف إسرائيلياً بـ”عقيدة الضاحية”، والثانية هي العقيدة التي يحاول لبنان الرسمي، عبر الجيش اللبناني ومؤسسات الدولة، أن يفرضها بديلاً منها.
نشأت عقيدة الضاحية بعد حرب تموز/يوليو 2006، واستمدت اسمها من الضاحية الجنوبية لبيروت التي تعرضت آنذاك لدمار واسع. لكن هذه العقيدة لم تكن مرتبطة بمنطقة جغرافية محددة بقدر ما كانت تعبر عن فلسفة أمنية تقوم على فكرة بسيطة: منع أي تهديد مستقبلي عبر إلحاق أثمان باهظة بالبيئة التي ينطلق منها هذا التهديد.
وعلى مدى السنوات الماضية، تحولت هذه العقيدة إلى أحد مكوّنات التفكير الأمني الإسرائيلي تجاه لبنان. فكلما تعاظمت قدرات “حزب الله” العسكرية، ازداد الاقتناع داخل أوساط إسرائيلية واسعة بأن الردع لا يتحقق فقط باستهداف المقاتلين والمنشآت العسكرية، بل أيضاً بمنع إعادة تكوين البيئة التي تسمح بعودة الخطر.
من هنا يمكن فهم حجم التحريض الذي شهدته إسرائيل خلال الأشهر الأخيرة. فقد ارتفعت أصوات سياسية وإعلامية وأمنية تدعو إلى توسيع نطاق العمليات داخل لبنان، وإلى منع إعادة بناء القدرات العسكرية للحزب، بل ذهب بعض المتشددين إلى حد المطالبة بتدمير واسع للبنية التحتية اللبنانية باعتبار أن أمن الشمال الإسرائيلي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر تغيير جذري في الواقع القائم على الجانب الآخر من الحدود.
غير أن الحرب الأخيرة أظهرت أيضاً حدود هذه المقاربة؛ فالولايات المتحدة لم تُخفِ رغبتها في منع تكرار مشاهد التدمير الواسعة في الضاحية الجنوبية وتوسعها في اتجاه العاصمة اللبنانية.
لكن حتى هذا التحول لم يمنع إسرائيل بحجة فرض معادلة تهدف إلى إبعاد المخاطر عن جنودها ومستوطناتها، من حصر المدى الجغرافي لعقيدة الضاحية”، من دون التخلي كلياً عنها، بدليل الاستهداف العنيف لمدينة صور والتهجير الواسع الذي بدأ يطال قضاءي جزين وصيدا.
هنا تحديداً يبدأ الدور الذي يحاول لبنان الرسمي أن يرسمه لنفسه. فالدولة اللبنانية لا تسعى فقط إلى وقف الغارات أو إلى انسحاب إسرائيل من المناطق التي توسع رقعة احتلالها. ما تسعى إليه الدولة فعلياً هو إسقاط المبرر الذي تستند إليه عقيدة الضاحية بكل أشكالها القديمة والمحدثة.
وجوهر الطرح اللبناني يقوم على معادلة واضحة: إذا كان المطلوب منع أي تهديد ينطلق من الأراضي اللبنانية، فإن الجهة التي يجب أن تتولى هذه المهمة هي الدولة اللبنانية نفسها، ممثلة بالجيش اللبناني والأجهزة الشرعية، وليس الطائرات الحربية الإسرائيلية.
ومن هنا تكتسب المفاوضات الجارية، ولا سيما على المسار العسكري أهمية استثنائية. فهي لا تبحث فقط في ترتيبات وقف النار، بل في نقل المسؤولية الأمنية من منطق التدخل الإسرائيلي المباشر إلى منطق الدولة اللبنانية القادرة على فرض سلطتها على أرضها.
الجيش اللبناني والفرصة الضائعة
تكشف أوساط مطلعة على رؤية قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل أن المؤسسة العسكرية تعتبر أن فرصة ثمينة ضاعت فجر الثاني من آذار/مارس الماضي، عندما أُطلقت صواريخ من الأراضي اللبنانية باتجاه إسرائيل.
فبحسب هذه المقاربة، كان يمكن لتلك الحادثة أن تتحول إلى نموذج عملي مختلف تماماً. إذ كان الجيش مستعداً للتحرك وملاحقة المسؤولين عن إطلاق الصواريخ، فيما كان يفترض أن تواكب الحكومة ووزارة العدل هذا المسار بإجراءات قانونية وقضائية صارمة تؤكد أن الدولة اللبنانية لن تسمح لأي جهة بأن تجر البلاد إلى مواجهة عسكرية من خارج قرارها.
وعند الاستفسار من مصادر وزارة العدل عن تلك المرحلة، يتبين أن الوزير عادل نصار كان يهيئ بالفعل لتحرك في هذا الاتجاه، يقوم على مقاربة قانونية وقضائية حازمة وصولاً إلى إحالة المتورطين على المجلس العدلي، بما يكرّس مسؤولية الدولة عن ملاحقة كل من يعرّض الأمن الوطني اللبناني للخطر.
لكن التوسع الإسرائيلي السريع في العمليات العسكرية بعد إطلاق الصواريخ قلب المشهد. فقد أصبحت الأولوية مواجهة التداعيات الميدانية المتسارعة، وتعقدت الظروف السياسية والأمنية التي كان يمكن أن تسمح بمثل هذا المسار، ما أدى إلى تراجع الاندفاعة الأولى وولّد شيئاً من التردد لدى أصحاب القرار، وحدّ من القدرة على تنفيذ قرار مجلس الوزراء الذي كلّف الجيش والقوى الأمنية باعتقال كل من يتنقل بالسلاح إلى أي جهة انتمى، وإحالته إلى القضاء المختص!
في نظر الجيش اللبناني، لم تكن المشكلة في إطلاق الصواريخ فحسب، بل أيضاً في أن الدولة لم تُمنح الفرصة الكاملة لإثبات قدرتها على معالجة الأمر بنفسها.
ولو نجح ذلك المسار، لكانت الصورة مختلفة اليوم. كانت الدولة ستظهر أمام اللبنانيين وأمام المجتمع الدولي بوصفها الجهة التي تبادر وتلاحق وتحاسب، لا الجهة التي تكتفي بردود الفعل. وكان من الممكن أن يترسخ نموذج جديد يقوم على أن أيّ خرق أمني ينطلق من الأراضي اللبنانية تتولى الدولة نفسها معالجته قضائياً وأمنياً وعسكرياً. وهذا بالتحديد هو المخرج الذي يسعى لبنان إلى تكريسه اليوم.
فالجيش اللبناني لا يطرح نفسه مجرد قوة تنتشر على الأرض، بل كبديل عملي من عقيدة الضاحية. وهو يقول بصورة غير مباشرة إن منح الدولة اللبنانية القدرة على ممارسة كامل صلاحياتها الأمنية والقضائية هو الطريق الوحيد إلى وقف مستدام للنار.
فالاستقرار لا يتحقق بالتدمير المتبادل، ولا بالغارات الوقائية، ولا بإبقاء لبنان ساحة مفتوحة للتدخلات العسكرية. الاستقرار يتحقق عندما تصبح الدولة المرجعية الوحيدة للسلاح والأمن والقانون.
لهذا السبب، فإن المعركة الحقيقية التي تدور خلف الكواليس ليست معركة حدود فقط، وليست معركة وقف إطلاق نار فقط، بل معركة على هوية الجهة التي تحمي الحدود.
إسرائيل لا تزال تبحث عن ضمانة لأمن شمالها. ولبنان يحاول أن يقنعها، ويقنع المجتمع الدولي قبلها، بأن هذه الضمانة يمكن أن تكون الدولة اللبنانية نفسها.
وإذا نجح هذا المسار، فإن الإنجاز لن يكون مجرد وقف للحرب، بل الانتقال من عقيدة الضاحية إلى عقيدة الدولة.









