كواليس اجتماع البنتاغون… وفد لبنان قدم 3 مطالب وواجه أسئلة حرجة

عقدت في البنتاغون الجولة الأولى من المفاوضات الأمنية بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي
الكاتب: دنيز رحمة فخري | المصدر: اندبندنت عربية
30 أيار 2026

استضافت وزارة الحرب الأميركية مفاوضات عسكرية مباشرة بين ضباط من الجيشين اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية، تزامناً مع استمرار الحرب جنوب لبنان، في جولة عدت اختباراً لمستقبل المسار السياسي والأمني بين الطرفين. وحمل الوفد اللبناني مطالب بالانسحاب الإسرائيلي الكامل وتثبيت وقف إطلاق النار وعودة الأهالي، مقابل تأكيد التزام الجيش استكمال خطة حصر السلاح وبسط سلطة الدولة.

بينما كانت الطائرات الإسرائيلية تواصل قصف الجنوب اللبناني، والقوات البرية تتوغل في قرى ليست حدودية بل شمال نهر الليطاني، وفيما كانت مسيرات “حزب الله” الانقضاضية تعبر الأجواء باتجاه أهداف إسرائيلية في مشهد يعكس استمرار الحرب المفتوحة، كان مقر وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) في ولاية فرجينيا يحتضن مشهداً مختلفاً تماماً، حيث جلس ضباط من الجيشين اللبناني والإسرائيلي وجهاً لوجه على طاولة واحدة في مفاوضات عسكرية مباشرة برعاية واشنطن، امتدت حتى منتصف ليل أمس الجمعة بتوقيت بيروت، والسادسة مساء بتوقيت واشنطن.

الاجتماع الذي جاء وسط واحدة من أكثر المراحل حساسية منذ اندلاع الحرب بجولتها الجديدة في الثاني من مارس (آذار) الماضي، لم يكن مجرد نقاش تقني حول ترتيبات أمنية أو آليات وقف إطلاق النار، بل تحول إلى اختبار حقيقي لمستقبل المواجهة على الجبهة اللبنانية، ولمدى قدرة المسار الدبلوماسي إن صمد على مواكبة الوقائع العسكرية المتسارعة. فبين مطالب لبنانية بالانسحاب الإسرائيلي الكامل وتثبيت وقف النار، وضغوط أميركية وإسرائيلية لتقديم خريطة طريق واضحة في شأن سلاح “حزب الله”، بدت مفاوضات البنتاغون أشبه بمحاولة لانتزاع موقف واضح من قلب الميدان المشتعل.

وعلمت “اندبندنت عربية” أن السفيرة اللبنانية لدى واشنطن ندى معوض حمادة حضرت جانباً من الاجتماع، فيما ترأس الوفد العسكري اللبناني العميد الركن جورج رزق الله مدير العمليات في الجيش اللبناني، وضم في تشكيلته العمداء زياد رزق الله وشادي أبو كروم ووائل عباس ومازن الحاج ووديع رفول، إضافة إلى العميد الركن أوليفر حكمة الملحق العسكري في السفارة اللبنانية لدى واشنطن.

في المقابل، ترأس الوفد العسكري الإسرائيلي رئيس الشعبة الاستراتيجية في مديرية التخطيط التابعة للجيش الإسرائيلي عميحاي ليفين، وشارك السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل ليتر في الاجتماع.

اجتماع مرتقب في السفارة اللبنانية

تكشف مصادر دبلوماسية في واشنطن أن المفاوضات العسكرية التي جرت لم تكن مجرد تمرين تقني على التفاصيل، إنما شكلت الاختبار الفعلي لنيات الطرفين، كما أن نجاحها أو إخفاقها، وهو ما سيظهر بعد ساعات من خلال تصريحات البلدين، سيقرر ما إذا كانت جلسات يونيو (حزيران) السياسية المقبلة ستكتب فصلاً جديداً في الحل، أم ستضاف إلى سجل طويل من الفرص الضائعة.

وعلمنا أن الوفد العسكري اللبناني سيلتقي قبل ظهر اليوم السبت داخل السفارة اللبنانية لدى واشنطن السفير السابق سيمون كرم والسفيرة حمادة معوض لاطلاعهم على أجواء الاجتماع بصورة مفصلة. في المقابل أبدت مصادر عسكرية تفاؤلاً حذراً تجاه النتائج المتوقعة من المسار العسكري، واستبعدت أن تفضي إلى قرار حاسم في ما يتعلق بوقف إطلاق النار أو الانسحاب أو نزع سلاح الحزب، وتابعت “مطالب الإسرائيلي والأميركي واضحة ومحصورة بمدى الالتزام بتنفيذ نزع السلاح حتى لو اقتضى ذلك استخدام القوة، في المقابل لن يفعلها الجيش اللبناني من دون غطاء سياسي لا يزال حتى الساعة غير متوافر”.

على طاولة التفاوض: المطالب والالتزامات

تكشف مصادر لبنانية دبلوماسية داخل العاصمة الأميركية أن وفد الجيش اللبناني حضر بصورة محكمة ومدروسة، مدججاً بالحجج والأدلة والردود الجاهزة التي جرى العمل عليها مسبقاً لكل ملف متوقع أن يثيره الجانب الإسرائيلي. وتمحورت مطالبه حول ثلاثة بنود رئيسة، هي الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، ووضع جدول زمني واضح وملزم لتنفيذه، وتأمين عودة الأهالي إلى قراهم المهجرة.

في المقابل، أكد الوفد التزام الجيش اللبناني بإعادة الانتشار جنوب نهر الليطاني واستعادة الأوضاع الميدانية إلى ما كانت عليه قبل الحرب، والاستمرار في تطبيق خطة الردع الوطني لحصر السلاح التي بلغت مرحلتها الثانية شمال الليطاني.

غير أن الوفد أشار خلال الاجتماع إلى ضرورة تكييف آليات التنفيذ مع الواقع الميداني المستجد، إذ تحول المشهد من خمس نقاط محتلة إلى أكثر من 60 قرية باتت خارج السيطرة الكاملة للدولة.

في السياق، يكشف العميد المتقاعد سعيد القزح أن الوفد العسكري حمل معه خطة جديدة لحصر السلاح وبسط سلطة الدولة على كل الأراضي اللبنانية عند توقف إطلاق النار، إذ لا يمكن أن يبدأ بالتنفيذ إلا إذا توقف إطلاق النار من قبل إسرائيل، إضافة إلى استحالة أن يدخل في مواجهة مع “حزب الله” طالما إسرائيل مستمرة في ضرباتها على الأراضي اللبنانية، وحتى لا يُتهم بأنه شريك مع الجيش الإسرائيلي ضد الحزب وبصورة متزامنة، ويضيف “حمل الوفد أيضاً إلى طاولة البنتاغون مطالب وحاجات لكي يتمكن من تنفيذ خطة حصرية السلاح، خصوصاً أن الجيش اللبناني يفتقر إلى أجهزة معالجة المتفجرات والمخازن والذخيرة من بعد، إضافة إلى حاجته إلى معدات هندسية تساعده على التعامل مع أي خطر ناجم عن ألغام أو متفجرات”.

ملف حصر السلاح: ما تحقق وأين اختل المسار

وبالعودة إلى تفاصيل ما حصل خلال الاجتماع، قدم الوفد العسكري اللبناني ملفاً تفصيلياً موثقاً بالأدلة حول ما أنجزه الجيش على صعيد حصر السلاح جنوب الليطاني، مؤكداً أن السلاح الثقيل والصواريخ المخزنة في المنطقة جرى ضبطها ومصادرتها بالكامل، وأن المنطقة باتت شبه خالية من أي سلاح ثقيل أو استراتيجي قابل للاستخدام في مواجهات جبهوية. أما الصواريخ الست التي أطلقت رداً على مقتل المرشد الأعلى الإيراني عشية الثاني من مارس الماضي، فقد انطلقت من منطقة البابلية شمال الليطاني، خارج النطاق الجغرافي المنوط بالجيش ضبطه. وسعى الجيش إلى اتخاذ إجراءات بحق المطلقين، كما فعل سابقاً مع عناصر حركة “حماس”، إلا أن الضربات الإسرائيلية سبقت أي تحرك وطالبت الجيش بالتراجع أكثر من 10 كيلومترات عن مواقع انتشاره.

وأفرز هذا التراجع الاضطراري فراغاً أمنياً في جنوب الليطاني، سارع مقاتلو “حزب الله” إلى ملئه بالدخول إلى مناطق كان الجيش يسيطر عليها وإدخال الأسلحة إليها، فيما أُزيلت الحواجز التي كان الجيش نصبها لمراقبة حركة السلاح والمسلحين، مما أعاد رسم خريطة الانتشار من جديد وخلق واقعاً ميدانياً مغايراً لما كان قائماً قبيل التصعيد.

أسئلة حرجة وأجوبة واضحة

تكشف مصادر دبلوماسية لبنانية عن أن الوفد اللبناني في المقابل واجه تساؤلات بالغة الحساسية حول أسباب عودة السلاح إلى جنوب الليطاني، وما إذا كان ثمة اختراق داخلي عبر ضباط يتناغمون مع “حزب الله” ويسربون له المعلومات قبيل عمليات الدهم، أم أن الإشكالية تكمن في آلية التنفيذ وانعدام عنصر المفاجأة مما يتيح للحزب إخلاء المواقع في وقت مبكر.

وقد أجاب الوفد اللبناني موضحاً أن الجيش اللبناني مستعد للتنفيذ الكامل شرط توافر الغطاء السياسي والإمكانات اللازمة، ومؤكداً أنه لن يتذرع بالحفاظ على السلم الأهلي ذريعة للتهرب من التزاماته، بل سيوفر السلم الأهلي في وقت ينفذ خلال قرارات الحكومة.

وفي السياق، يرى العميد قزح أن الوفد اللبناني سيجدد الالتزام بقرارات الحكومة اللبنانية التي أقرتها في الخامس والسابع من أغسطس (آب) 2025 والقرار الصادر عنها في الثاني من مارس الماضي الذي اعتبر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ”حزب الله” محظورة ومخالفة للقانون، وبأنه سيتعاطى مع أية مجموعة مسلحة في هذا الإطار بمبدأ الخارجة عن القانون.

ويستبعد العميد المتقاعد أن يتعهد الجيش اللبناني أو أن يبادر في البدء بتنفيذ نزع سلاح “حزب الله” قبل وقف إطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية، بالتالي فإن الأمور معقدة وطويلة وشاقة، كما يربط القزح الحل لسلاح الحزب بالاتفاق الأميركي – الإيراني وبموافقة إيران على حل الأذرع في المنطقة ووقف تمويلها، ويرى أنه ما لم يطلب المرشد الأعلى في إيران من “حزب الله تسليم” سلاحه فلا حل.

اختبار الجدية الأخير

تكتسب هذه الجولة من المفاوضات العسكرية ثقلاً استثنائياً يتخطى أروقة البنتاغون، إذ باتت في الواقع اختباراً حاسماً لمدى قابلية المسار الدبلوماسي برمته للنجاح. فالمفاوضات السياسية المرتقبة في الثاني والثالث من يونيو المقبل لا يمكنها أن تنطلق في فراغ، بل هي في حاجة ماسة إلى أرضية عسكرية صلبة تُبنى عليها. ولعل أبرز ما تحمله الجولة الحالية أنها تضع في متناول السياسيين إما رصيداً يعزز الموقف التفاوضي اللبناني، وإما عبئاً يثقل خطواتهم.

من معهد واشنطن، تؤكد الصحافية حنين غدار أن الفصل بين المسارين السياسي والعسكري جاء لأن واشنطن تحتاج إلى تقدم ملموس وعاجل في ملف سلاح “حزب الله”. وتشير إلى أن الوفد اللبناني مطالب بخطة واضحة وقابلة للتنفيذ تحدد كيفية إنهاء هذا الملف من دون إبطاء، بعدما ظل التنفيذ معلقاً في المرحلة السابقة، مرة بذريعة الخشية من الحرب الأهلية، ومرة بانتظار وقف إطلاق النار.

وتحذر غدار من أن فشل المفاوضات العسكرية في التوصل إلى حل واضح لهذا الملف، بالتوافق بين الأطراف الثلاثة، أي لبنان وأميركا وإسرائيل، يهدد بأن تفقد واشنطن ثقتها ببيروت كلياً. وتقول صراحة “إن هذه فرصة أخيرة لا تقبل مزيداً من المماطلة، لا سيما أن الأميركيين باتوا يشعرون بأن هناك مماطلة وهدراً للوقت”. وما يزيد المشهد إلحاحاً أن إدارة الرئيس دونالد ترمب صبرها ليس طويلاً، وأن المسار العسكري يجب أن يفضي إلى خطة ملزمة يتعهد بها الجيش اللبناني، وإلا فلن تجد أميركا ما يدفعها إلى الاستمرار، وتختم “الكرة اليوم في الملعب اللبناني”.

وعلى هذه الأجواء المشحونة، تلقي شهادة بالغة الدلالة بظلالها الثقيلة، إذ تكشف المصادر أنه خلال الجولة التي نظمها الجيش اللبناني في قطاع جنوب الليطاني في ديسمبر (كانون الأول)2025  للدبلوماسيين المعتمدين لدى لبنان، من سفراء وملحقين عسكريين وقائمين بالأعمال، لعرض ما حققه الجيش داخل المنطقة في ملف السلاح، سجل السفير الأميركي ميشال عيسى حينها ملاحظة لافتة في مضمونها حين اعتبر أن الجيش اللبناني لم يكن ليتخذ أي خطوة نحو حصر السلاح، ولم يكن لينفذ انتشاره جنوب الليطاني، لولا الضربات الإسرائيلية التي أضعفت البنية التحتية للحزب.

وهذه الملاحظة الأميركية تكشف عن أن ما يواجهه الوفد اللبناني في الجولات المقبلة ليس مجرد تفاوض تقني، بل معركة لإعادة بناء الثقة مع شريك بات يرى في لبنان طرفاً يتحرك تحت الضغط لا بالإرادة. وهي في صميمها تحدٍ وجودي للدولة اللبنانية، فهل تثبت أنها قادرة على الفعل المستقل، أم تقر ضمنياً بأنها لا تتحرك إلا حين تضطر؟

كواليس اجتماع البنتاغون… وفد لبنان قدم 3 مطالب وواجه أسئلة حرجة

عقدت في البنتاغون الجولة الأولى من المفاوضات الأمنية بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي
الكاتب: دنيز رحمة فخري | المصدر: اندبندنت عربية
30 أيار 2026

استضافت وزارة الحرب الأميركية مفاوضات عسكرية مباشرة بين ضباط من الجيشين اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية، تزامناً مع استمرار الحرب جنوب لبنان، في جولة عدت اختباراً لمستقبل المسار السياسي والأمني بين الطرفين. وحمل الوفد اللبناني مطالب بالانسحاب الإسرائيلي الكامل وتثبيت وقف إطلاق النار وعودة الأهالي، مقابل تأكيد التزام الجيش استكمال خطة حصر السلاح وبسط سلطة الدولة.

بينما كانت الطائرات الإسرائيلية تواصل قصف الجنوب اللبناني، والقوات البرية تتوغل في قرى ليست حدودية بل شمال نهر الليطاني، وفيما كانت مسيرات “حزب الله” الانقضاضية تعبر الأجواء باتجاه أهداف إسرائيلية في مشهد يعكس استمرار الحرب المفتوحة، كان مقر وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) في ولاية فرجينيا يحتضن مشهداً مختلفاً تماماً، حيث جلس ضباط من الجيشين اللبناني والإسرائيلي وجهاً لوجه على طاولة واحدة في مفاوضات عسكرية مباشرة برعاية واشنطن، امتدت حتى منتصف ليل أمس الجمعة بتوقيت بيروت، والسادسة مساء بتوقيت واشنطن.

الاجتماع الذي جاء وسط واحدة من أكثر المراحل حساسية منذ اندلاع الحرب بجولتها الجديدة في الثاني من مارس (آذار) الماضي، لم يكن مجرد نقاش تقني حول ترتيبات أمنية أو آليات وقف إطلاق النار، بل تحول إلى اختبار حقيقي لمستقبل المواجهة على الجبهة اللبنانية، ولمدى قدرة المسار الدبلوماسي إن صمد على مواكبة الوقائع العسكرية المتسارعة. فبين مطالب لبنانية بالانسحاب الإسرائيلي الكامل وتثبيت وقف النار، وضغوط أميركية وإسرائيلية لتقديم خريطة طريق واضحة في شأن سلاح “حزب الله”، بدت مفاوضات البنتاغون أشبه بمحاولة لانتزاع موقف واضح من قلب الميدان المشتعل.

وعلمت “اندبندنت عربية” أن السفيرة اللبنانية لدى واشنطن ندى معوض حمادة حضرت جانباً من الاجتماع، فيما ترأس الوفد العسكري اللبناني العميد الركن جورج رزق الله مدير العمليات في الجيش اللبناني، وضم في تشكيلته العمداء زياد رزق الله وشادي أبو كروم ووائل عباس ومازن الحاج ووديع رفول، إضافة إلى العميد الركن أوليفر حكمة الملحق العسكري في السفارة اللبنانية لدى واشنطن.

في المقابل، ترأس الوفد العسكري الإسرائيلي رئيس الشعبة الاستراتيجية في مديرية التخطيط التابعة للجيش الإسرائيلي عميحاي ليفين، وشارك السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل ليتر في الاجتماع.

اجتماع مرتقب في السفارة اللبنانية

تكشف مصادر دبلوماسية في واشنطن أن المفاوضات العسكرية التي جرت لم تكن مجرد تمرين تقني على التفاصيل، إنما شكلت الاختبار الفعلي لنيات الطرفين، كما أن نجاحها أو إخفاقها، وهو ما سيظهر بعد ساعات من خلال تصريحات البلدين، سيقرر ما إذا كانت جلسات يونيو (حزيران) السياسية المقبلة ستكتب فصلاً جديداً في الحل، أم ستضاف إلى سجل طويل من الفرص الضائعة.

وعلمنا أن الوفد العسكري اللبناني سيلتقي قبل ظهر اليوم السبت داخل السفارة اللبنانية لدى واشنطن السفير السابق سيمون كرم والسفيرة حمادة معوض لاطلاعهم على أجواء الاجتماع بصورة مفصلة. في المقابل أبدت مصادر عسكرية تفاؤلاً حذراً تجاه النتائج المتوقعة من المسار العسكري، واستبعدت أن تفضي إلى قرار حاسم في ما يتعلق بوقف إطلاق النار أو الانسحاب أو نزع سلاح الحزب، وتابعت “مطالب الإسرائيلي والأميركي واضحة ومحصورة بمدى الالتزام بتنفيذ نزع السلاح حتى لو اقتضى ذلك استخدام القوة، في المقابل لن يفعلها الجيش اللبناني من دون غطاء سياسي لا يزال حتى الساعة غير متوافر”.

على طاولة التفاوض: المطالب والالتزامات

تكشف مصادر لبنانية دبلوماسية داخل العاصمة الأميركية أن وفد الجيش اللبناني حضر بصورة محكمة ومدروسة، مدججاً بالحجج والأدلة والردود الجاهزة التي جرى العمل عليها مسبقاً لكل ملف متوقع أن يثيره الجانب الإسرائيلي. وتمحورت مطالبه حول ثلاثة بنود رئيسة، هي الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، ووضع جدول زمني واضح وملزم لتنفيذه، وتأمين عودة الأهالي إلى قراهم المهجرة.

في المقابل، أكد الوفد التزام الجيش اللبناني بإعادة الانتشار جنوب نهر الليطاني واستعادة الأوضاع الميدانية إلى ما كانت عليه قبل الحرب، والاستمرار في تطبيق خطة الردع الوطني لحصر السلاح التي بلغت مرحلتها الثانية شمال الليطاني.

غير أن الوفد أشار خلال الاجتماع إلى ضرورة تكييف آليات التنفيذ مع الواقع الميداني المستجد، إذ تحول المشهد من خمس نقاط محتلة إلى أكثر من 60 قرية باتت خارج السيطرة الكاملة للدولة.

في السياق، يكشف العميد المتقاعد سعيد القزح أن الوفد العسكري حمل معه خطة جديدة لحصر السلاح وبسط سلطة الدولة على كل الأراضي اللبنانية عند توقف إطلاق النار، إذ لا يمكن أن يبدأ بالتنفيذ إلا إذا توقف إطلاق النار من قبل إسرائيل، إضافة إلى استحالة أن يدخل في مواجهة مع “حزب الله” طالما إسرائيل مستمرة في ضرباتها على الأراضي اللبنانية، وحتى لا يُتهم بأنه شريك مع الجيش الإسرائيلي ضد الحزب وبصورة متزامنة، ويضيف “حمل الوفد أيضاً إلى طاولة البنتاغون مطالب وحاجات لكي يتمكن من تنفيذ خطة حصرية السلاح، خصوصاً أن الجيش اللبناني يفتقر إلى أجهزة معالجة المتفجرات والمخازن والذخيرة من بعد، إضافة إلى حاجته إلى معدات هندسية تساعده على التعامل مع أي خطر ناجم عن ألغام أو متفجرات”.

ملف حصر السلاح: ما تحقق وأين اختل المسار

وبالعودة إلى تفاصيل ما حصل خلال الاجتماع، قدم الوفد العسكري اللبناني ملفاً تفصيلياً موثقاً بالأدلة حول ما أنجزه الجيش على صعيد حصر السلاح جنوب الليطاني، مؤكداً أن السلاح الثقيل والصواريخ المخزنة في المنطقة جرى ضبطها ومصادرتها بالكامل، وأن المنطقة باتت شبه خالية من أي سلاح ثقيل أو استراتيجي قابل للاستخدام في مواجهات جبهوية. أما الصواريخ الست التي أطلقت رداً على مقتل المرشد الأعلى الإيراني عشية الثاني من مارس الماضي، فقد انطلقت من منطقة البابلية شمال الليطاني، خارج النطاق الجغرافي المنوط بالجيش ضبطه. وسعى الجيش إلى اتخاذ إجراءات بحق المطلقين، كما فعل سابقاً مع عناصر حركة “حماس”، إلا أن الضربات الإسرائيلية سبقت أي تحرك وطالبت الجيش بالتراجع أكثر من 10 كيلومترات عن مواقع انتشاره.

وأفرز هذا التراجع الاضطراري فراغاً أمنياً في جنوب الليطاني، سارع مقاتلو “حزب الله” إلى ملئه بالدخول إلى مناطق كان الجيش يسيطر عليها وإدخال الأسلحة إليها، فيما أُزيلت الحواجز التي كان الجيش نصبها لمراقبة حركة السلاح والمسلحين، مما أعاد رسم خريطة الانتشار من جديد وخلق واقعاً ميدانياً مغايراً لما كان قائماً قبيل التصعيد.

أسئلة حرجة وأجوبة واضحة

تكشف مصادر دبلوماسية لبنانية عن أن الوفد اللبناني في المقابل واجه تساؤلات بالغة الحساسية حول أسباب عودة السلاح إلى جنوب الليطاني، وما إذا كان ثمة اختراق داخلي عبر ضباط يتناغمون مع “حزب الله” ويسربون له المعلومات قبيل عمليات الدهم، أم أن الإشكالية تكمن في آلية التنفيذ وانعدام عنصر المفاجأة مما يتيح للحزب إخلاء المواقع في وقت مبكر.

وقد أجاب الوفد اللبناني موضحاً أن الجيش اللبناني مستعد للتنفيذ الكامل شرط توافر الغطاء السياسي والإمكانات اللازمة، ومؤكداً أنه لن يتذرع بالحفاظ على السلم الأهلي ذريعة للتهرب من التزاماته، بل سيوفر السلم الأهلي في وقت ينفذ خلال قرارات الحكومة.

وفي السياق، يرى العميد قزح أن الوفد اللبناني سيجدد الالتزام بقرارات الحكومة اللبنانية التي أقرتها في الخامس والسابع من أغسطس (آب) 2025 والقرار الصادر عنها في الثاني من مارس الماضي الذي اعتبر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ”حزب الله” محظورة ومخالفة للقانون، وبأنه سيتعاطى مع أية مجموعة مسلحة في هذا الإطار بمبدأ الخارجة عن القانون.

ويستبعد العميد المتقاعد أن يتعهد الجيش اللبناني أو أن يبادر في البدء بتنفيذ نزع سلاح “حزب الله” قبل وقف إطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية، بالتالي فإن الأمور معقدة وطويلة وشاقة، كما يربط القزح الحل لسلاح الحزب بالاتفاق الأميركي – الإيراني وبموافقة إيران على حل الأذرع في المنطقة ووقف تمويلها، ويرى أنه ما لم يطلب المرشد الأعلى في إيران من “حزب الله تسليم” سلاحه فلا حل.

اختبار الجدية الأخير

تكتسب هذه الجولة من المفاوضات العسكرية ثقلاً استثنائياً يتخطى أروقة البنتاغون، إذ باتت في الواقع اختباراً حاسماً لمدى قابلية المسار الدبلوماسي برمته للنجاح. فالمفاوضات السياسية المرتقبة في الثاني والثالث من يونيو المقبل لا يمكنها أن تنطلق في فراغ، بل هي في حاجة ماسة إلى أرضية عسكرية صلبة تُبنى عليها. ولعل أبرز ما تحمله الجولة الحالية أنها تضع في متناول السياسيين إما رصيداً يعزز الموقف التفاوضي اللبناني، وإما عبئاً يثقل خطواتهم.

من معهد واشنطن، تؤكد الصحافية حنين غدار أن الفصل بين المسارين السياسي والعسكري جاء لأن واشنطن تحتاج إلى تقدم ملموس وعاجل في ملف سلاح “حزب الله”. وتشير إلى أن الوفد اللبناني مطالب بخطة واضحة وقابلة للتنفيذ تحدد كيفية إنهاء هذا الملف من دون إبطاء، بعدما ظل التنفيذ معلقاً في المرحلة السابقة، مرة بذريعة الخشية من الحرب الأهلية، ومرة بانتظار وقف إطلاق النار.

وتحذر غدار من أن فشل المفاوضات العسكرية في التوصل إلى حل واضح لهذا الملف، بالتوافق بين الأطراف الثلاثة، أي لبنان وأميركا وإسرائيل، يهدد بأن تفقد واشنطن ثقتها ببيروت كلياً. وتقول صراحة “إن هذه فرصة أخيرة لا تقبل مزيداً من المماطلة، لا سيما أن الأميركيين باتوا يشعرون بأن هناك مماطلة وهدراً للوقت”. وما يزيد المشهد إلحاحاً أن إدارة الرئيس دونالد ترمب صبرها ليس طويلاً، وأن المسار العسكري يجب أن يفضي إلى خطة ملزمة يتعهد بها الجيش اللبناني، وإلا فلن تجد أميركا ما يدفعها إلى الاستمرار، وتختم “الكرة اليوم في الملعب اللبناني”.

وعلى هذه الأجواء المشحونة، تلقي شهادة بالغة الدلالة بظلالها الثقيلة، إذ تكشف المصادر أنه خلال الجولة التي نظمها الجيش اللبناني في قطاع جنوب الليطاني في ديسمبر (كانون الأول)2025  للدبلوماسيين المعتمدين لدى لبنان، من سفراء وملحقين عسكريين وقائمين بالأعمال، لعرض ما حققه الجيش داخل المنطقة في ملف السلاح، سجل السفير الأميركي ميشال عيسى حينها ملاحظة لافتة في مضمونها حين اعتبر أن الجيش اللبناني لم يكن ليتخذ أي خطوة نحو حصر السلاح، ولم يكن لينفذ انتشاره جنوب الليطاني، لولا الضربات الإسرائيلية التي أضعفت البنية التحتية للحزب.

وهذه الملاحظة الأميركية تكشف عن أن ما يواجهه الوفد اللبناني في الجولات المقبلة ليس مجرد تفاوض تقني، بل معركة لإعادة بناء الثقة مع شريك بات يرى في لبنان طرفاً يتحرك تحت الضغط لا بالإرادة. وهي في صميمها تحدٍ وجودي للدولة اللبنانية، فهل تثبت أنها قادرة على الفعل المستقل، أم تقر ضمنياً بأنها لا تتحرك إلا حين تضطر؟

مزيد من الأخبار