محادثات البنتاغون تختبر قدرة لبنان على تعزيز سيادته

شكّلت المحادثات العسكرية المباشرة الأولى بين لبنان وإسرائيل، والتي عُقدت أمس في البنتاغون، اختبارًا لما إذا كان بإمكان بيروت استعادة سلطتها على كامل أراضيها، أم أن “حزب الله” سيستمر في صياغة شروط الحرب والسلام من خارج إطار الدولة.
جمعت هذه المحادثات كبار الضباط العسكريين من الجانبين اللبناني والإسرائيلي تحت رعاية أميركية، حيث استضاف البنتاغون مسارًا أمنيًا ترى فيه واشنطن جسرًا نحو محادثات سياسية أوسع نطاقًا من المقرر إجراؤها الأسبوع المقبل. ولفتت مصادر أميركية إلى أن المناقشات تهدف إلى وضع آليات تنسيق عملية للحد من مخاطر نشوب صراع أوسع، مشيرة إلى أن لهذا الترتيب أهميته. إذ تُرسل واشنطن إشارة مفادها بأن مَن يجب أن يمتلك فعليًا السلطة داخل لبنان، لاتخاذ قرار الحرب والسلام، هي الدولة. وتؤكد المصادر الأميركية أن واشنطن والقدس تنتظران الإجابة عن هذا التساؤل الذي لا يزال غير محسوم لبنانيًا.
ضمّ الوفد اللبناني ضباطًا بقيادة قائد العمليات في الجيش العميد جورج رزق الله، فيما ترأس الوفد الإسرائيلي أميخاي ليفين، رئيس الشعبة الاستراتيجية في مديرية التخطيط التابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي. أما من الجانب الأميركي، فقد انضم إلى المحادثات ثلاثة من كبار المسؤولين في وزارة الحرب الأميركية. فقد افتتح الاجتماع وكيل الوزارة إلبريدج كولبي، بينما تولى نائب مساعد وزير الدفاع مايك دي مينو مهمة الوساطة بين الوفدين، كما حضر الاجتماع أيضًا مساعد وزير الدفاع دانيال زيمرمان، مما يعكس مدى الجدية التي تنظر بها واشنطن إلى هذه العملية.
فقد أشار مصدر عسكري أميركي إلى أنه يمكن اعتبار هذه المحادثات مفاوضات جادة تجري على مستوى الدول، وليست مجرد اجتماع تنسيق عسكري روتيني. كما أن افتتاح كولبي الجلسة يمثّل إشارة إلى وجود دعم سياسي أميركي مباشر وإشراف رفيع المستوى، في حين يُظهر اضطلاع دي مينو بدور الوساطة أن واشنطن تسعى إلى إدارة جوهر المحادثات والحفاظ على زخم تقدّم الطرفين.
في هذا الإطار، تشير مصادر أميركية قريبة من البنتاغون إلى أن المسار الأمني يهدف إلى معالجة “أصعب القضايا الأمنية”، التي تشمل الترتيبات الحدودية، وعمليات المراقبة، والخطوات الأولية نحو أي عملية تنفيذ مرحلية، سواء بصيغة “pilot zone” أو خطوة مقابل خطوة. ويدل ذلك على أن واشنطن تعتبر القناة العسكرية أساسية integral، مع الحرص في الوقت ذاته على إبقائها مرتبطة بالمسار السياسي. أمّا حضور دانيال زيمرمان، فيعزّز القناعة بأن الأمر لا يقتصر على مجرد عمل رمزي، بل هو جهد يحظى بدعم مشترك من مختلف الوكالات الحكومية، ويخضع لإشراف مباشر على مستوى السياسات.
واعتبر مسؤول عسكري أميركي سابق أن سياق المفاوضات يعكس سعي واشنطن إلى بلورة الخطوات التي تبدأ بالتدابير الأمنية أولا، تليها الترتيبات السياسية ثانيًا، ومن ثم التوصل إلى تفاهم أوسع نطاقًا بشأن استقرار الحدود ودور “حزب الله”. كما يشير ذلك إلى أن الولايات المتحدة تحاول إبقاء مسار العملية مستمرًا، حتى وإن عجز الطرفان في الوقت الراهن عن التوافق حول جوهر الخلاف السياسي الأساسي، ولا سيما مسألة نزع سلاح “حزب الله” ومطلب لبنان انسحاب إسرائيل. وهذا ما يشي بأن جدول أعمال المحادثات لا يزال يشهد انقسامًا حادًا، فبيروت تسعى إلى التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، وانسحاب إسرائيلي، وتمهيد الطريق نحو إعادة الإعمار. في المقابل، تطالب إسرائيل بتسلسل عكسي للأحداث: إنهاء الهجمات المنطلقة من لبنان، وفرض قيود قابلة للتحقق على “حزب الله”، وصولا في نهاية المطاف إلى نزع سلاح “الحزب”.
ويقول المسؤول العسكري الأميركي إن هذه الأهداف غير متوافقة نظريًا، إلا أن الفجوة القائمة بينها تشكّل السمة المميزة لهذه المحادثات. ويضيف المصدر العسكري أن مسار البنتاغون يكتسب، لهذا السبب، أهمية أكبر من مجرد فرصة لالتقاط الصور التقليدية. ففي هذا المسار، يجب أن تتحوّل أفكار مثل الانسحاب الإسرائيلي التدريجي، ونشر الجيش اللبناني جنوب الليطاني، وآليات التحقق والإنفاذ، إلى واقع ملموس. وشدّد على أنه يمكن لوزارة الخارجية الأميركية لاحقًا أن تصوغ شروط الاتفاق، لكن البنية الأمنية وحدها هي التي تضمن استدامته.
وقد عزّزت واشنطن هذه الرسالة بالضغط، بسبب المخاوف من أن تصبح هذه المحادثات عرضة لنمط مألوف: طموح على مستوى الخطاب، وشلل على مستوى التنفيذ.
مع ذلك، يبدو أن كلا الجانبين لديه حافز لتجنب الانهيار التام. في هذا الإطار، تشير مصادر دبلوماسية أميركية إلى وجود اهتمام بخطوات تدريجية وتقدّم مستمر، مع إمكانية أن تُسفر المحادثات، على الأقل، عن آلية لاستمرار الحوار. وبهذا المعنى، قد تكون النتيجة الأكثر واقعية محدودة، لكنها ذات مغزى: خفض جزئي للتصعيد، وتحديد أكثر وضوحًا لحدود المسؤولية، وعملية تُبقي الجانبين على تواصل.
والسؤال الأهم هو ما إذا كان هذا التدرّج سيُفضي إلى نتيجة تمنح الجيش اللبناني تفويضًا سياسيًا مدعومًا بسلطة حقيقية، كي لا يبقى لبنان عالقًا بين الشلل المسلح والتصعيد المتجدد. إذن، لا تقتصر اجتماعات البنتاغون على أمن الحدود فحسب، بل تتعلق أيضًا بقدرة لبنان على الانتقال من السيادة الخطابية إلى السيادة الفعلية. فإذا لم تستطع الدولة احتكار استخدام القوة، فستبقى المحادثات عرضة لعرقلة “حزب الله”… وإذا أمكن ذلك، فإن هذا التقدّم قد يمثّل بداية منطق إقليمي مختلف.
محادثات البنتاغون تختبر قدرة لبنان على تعزيز سيادته

شكّلت المحادثات العسكرية المباشرة الأولى بين لبنان وإسرائيل، والتي عُقدت أمس في البنتاغون، اختبارًا لما إذا كان بإمكان بيروت استعادة سلطتها على كامل أراضيها، أم أن “حزب الله” سيستمر في صياغة شروط الحرب والسلام من خارج إطار الدولة.
جمعت هذه المحادثات كبار الضباط العسكريين من الجانبين اللبناني والإسرائيلي تحت رعاية أميركية، حيث استضاف البنتاغون مسارًا أمنيًا ترى فيه واشنطن جسرًا نحو محادثات سياسية أوسع نطاقًا من المقرر إجراؤها الأسبوع المقبل. ولفتت مصادر أميركية إلى أن المناقشات تهدف إلى وضع آليات تنسيق عملية للحد من مخاطر نشوب صراع أوسع، مشيرة إلى أن لهذا الترتيب أهميته. إذ تُرسل واشنطن إشارة مفادها بأن مَن يجب أن يمتلك فعليًا السلطة داخل لبنان، لاتخاذ قرار الحرب والسلام، هي الدولة. وتؤكد المصادر الأميركية أن واشنطن والقدس تنتظران الإجابة عن هذا التساؤل الذي لا يزال غير محسوم لبنانيًا.
ضمّ الوفد اللبناني ضباطًا بقيادة قائد العمليات في الجيش العميد جورج رزق الله، فيما ترأس الوفد الإسرائيلي أميخاي ليفين، رئيس الشعبة الاستراتيجية في مديرية التخطيط التابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي. أما من الجانب الأميركي، فقد انضم إلى المحادثات ثلاثة من كبار المسؤولين في وزارة الحرب الأميركية. فقد افتتح الاجتماع وكيل الوزارة إلبريدج كولبي، بينما تولى نائب مساعد وزير الدفاع مايك دي مينو مهمة الوساطة بين الوفدين، كما حضر الاجتماع أيضًا مساعد وزير الدفاع دانيال زيمرمان، مما يعكس مدى الجدية التي تنظر بها واشنطن إلى هذه العملية.
فقد أشار مصدر عسكري أميركي إلى أنه يمكن اعتبار هذه المحادثات مفاوضات جادة تجري على مستوى الدول، وليست مجرد اجتماع تنسيق عسكري روتيني. كما أن افتتاح كولبي الجلسة يمثّل إشارة إلى وجود دعم سياسي أميركي مباشر وإشراف رفيع المستوى، في حين يُظهر اضطلاع دي مينو بدور الوساطة أن واشنطن تسعى إلى إدارة جوهر المحادثات والحفاظ على زخم تقدّم الطرفين.
في هذا الإطار، تشير مصادر أميركية قريبة من البنتاغون إلى أن المسار الأمني يهدف إلى معالجة “أصعب القضايا الأمنية”، التي تشمل الترتيبات الحدودية، وعمليات المراقبة، والخطوات الأولية نحو أي عملية تنفيذ مرحلية، سواء بصيغة “pilot zone” أو خطوة مقابل خطوة. ويدل ذلك على أن واشنطن تعتبر القناة العسكرية أساسية integral، مع الحرص في الوقت ذاته على إبقائها مرتبطة بالمسار السياسي. أمّا حضور دانيال زيمرمان، فيعزّز القناعة بأن الأمر لا يقتصر على مجرد عمل رمزي، بل هو جهد يحظى بدعم مشترك من مختلف الوكالات الحكومية، ويخضع لإشراف مباشر على مستوى السياسات.
واعتبر مسؤول عسكري أميركي سابق أن سياق المفاوضات يعكس سعي واشنطن إلى بلورة الخطوات التي تبدأ بالتدابير الأمنية أولا، تليها الترتيبات السياسية ثانيًا، ومن ثم التوصل إلى تفاهم أوسع نطاقًا بشأن استقرار الحدود ودور “حزب الله”. كما يشير ذلك إلى أن الولايات المتحدة تحاول إبقاء مسار العملية مستمرًا، حتى وإن عجز الطرفان في الوقت الراهن عن التوافق حول جوهر الخلاف السياسي الأساسي، ولا سيما مسألة نزع سلاح “حزب الله” ومطلب لبنان انسحاب إسرائيل. وهذا ما يشي بأن جدول أعمال المحادثات لا يزال يشهد انقسامًا حادًا، فبيروت تسعى إلى التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، وانسحاب إسرائيلي، وتمهيد الطريق نحو إعادة الإعمار. في المقابل، تطالب إسرائيل بتسلسل عكسي للأحداث: إنهاء الهجمات المنطلقة من لبنان، وفرض قيود قابلة للتحقق على “حزب الله”، وصولا في نهاية المطاف إلى نزع سلاح “الحزب”.
ويقول المسؤول العسكري الأميركي إن هذه الأهداف غير متوافقة نظريًا، إلا أن الفجوة القائمة بينها تشكّل السمة المميزة لهذه المحادثات. ويضيف المصدر العسكري أن مسار البنتاغون يكتسب، لهذا السبب، أهمية أكبر من مجرد فرصة لالتقاط الصور التقليدية. ففي هذا المسار، يجب أن تتحوّل أفكار مثل الانسحاب الإسرائيلي التدريجي، ونشر الجيش اللبناني جنوب الليطاني، وآليات التحقق والإنفاذ، إلى واقع ملموس. وشدّد على أنه يمكن لوزارة الخارجية الأميركية لاحقًا أن تصوغ شروط الاتفاق، لكن البنية الأمنية وحدها هي التي تضمن استدامته.
وقد عزّزت واشنطن هذه الرسالة بالضغط، بسبب المخاوف من أن تصبح هذه المحادثات عرضة لنمط مألوف: طموح على مستوى الخطاب، وشلل على مستوى التنفيذ.
مع ذلك، يبدو أن كلا الجانبين لديه حافز لتجنب الانهيار التام. في هذا الإطار، تشير مصادر دبلوماسية أميركية إلى وجود اهتمام بخطوات تدريجية وتقدّم مستمر، مع إمكانية أن تُسفر المحادثات، على الأقل، عن آلية لاستمرار الحوار. وبهذا المعنى، قد تكون النتيجة الأكثر واقعية محدودة، لكنها ذات مغزى: خفض جزئي للتصعيد، وتحديد أكثر وضوحًا لحدود المسؤولية، وعملية تُبقي الجانبين على تواصل.
والسؤال الأهم هو ما إذا كان هذا التدرّج سيُفضي إلى نتيجة تمنح الجيش اللبناني تفويضًا سياسيًا مدعومًا بسلطة حقيقية، كي لا يبقى لبنان عالقًا بين الشلل المسلح والتصعيد المتجدد. إذن، لا تقتصر اجتماعات البنتاغون على أمن الحدود فحسب، بل تتعلق أيضًا بقدرة لبنان على الانتقال من السيادة الخطابية إلى السيادة الفعلية. فإذا لم تستطع الدولة احتكار استخدام القوة، فستبقى المحادثات عرضة لعرقلة “حزب الله”… وإذا أمكن ذلك، فإن هذا التقدّم قد يمثّل بداية منطق إقليمي مختلف.









