الادعاء على العميد شريم: “العسكرية” ترفض “سوء التقدير”

لم تكن حادثة ساقية الجنزير قبل أسابيع قليلة، مجرّد إشكال عابر بين قوة أمنية ومواطنين، بل تحولت إلى قضية رأي عام تختبر مدى قدرة المؤسسات القضائية والرقابية على ضبط إيقاع الأجهزة الأمنية ومنع التمدد إلى الشارع.
وفي جديد هذه القضيّة، كشف مصدر قضائي لـ”المدن” عن تطورات قانونية بارزة تؤشر إلى أنّ المحاسبة سلكت مسارًا جدّيًا بعيدًا عن التسويات السياسية التقليدية التي غالبًا ما تطمس معالم التجاوزات.
بحسب المصدر، فقد خطى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم خطوة متقدمة بإصدار إدّعاء رسمي بحق قائد “القوة الضاربة” في جهاز أمن الدولة العميد محمد شريم، بموجب المادة 166 من قانون القضاء العسكري، والتي تتعلق بمخالفة التعليمات العسكرية العامة والخاصة.
ولم يقتصر الادعاء على القيادة العليا للمهمة، بل شمل خمسة مدعى عليهم من عناصر وضباط المديرية العامة لأمن الدولة، من بينهم ضابط موقوف من آل “غانم” كان على رأس القوة الميدانية التي نفّذت المداهمة لإحضار حسن عيتاني المعروف باسم “أبي علي عيتاني”.
خلفيات القرار: خطأ التقدير في اللحظة الحرجة
تُعيد هذه التطورات القضائية تفكيك الرواية الميدانية لما جرى في ذلك اليوم. وتشير معلومات “المدن” إلى أن نقطة التحول في مسار المداهمة، والتي شرّعت الباب أمام الفوضى وإطلاق النار، تلخصت في سوء تقدير القيادة لواقع الأرض.
كما تنقل مصادر “المدن” أن العسكريين في الميدان، وبعدما واجهوا اعتراضًا شعبيًّا وتجمهرًا لأهالي المنطقة إثر محاولة توقيف صاحب المولدات أبي علي عيتاني، تواصلوا مع رئيسهم المباشر العميد محمد شريم لإطلاعه على تطوّر الموقف. وأبلغت القوة الميدانية القيادة بأن “النّاس تجمعوا، والوضع ميدانيًا غير مريح وينذر بالانفجار”.
وبحسب معطيات التحقيقات، جاء قرار القيادة مغايرًا للمنطق العسكري والأمني الذي يفرض الانسحاب الفوري لتفادي الصدام مع المدنيين وحقن الدماء. إذ كان الجواب للعناصر: “انتظروا قليلًا، ثمّ استكملوا المهمة”. هذا الإصرار على متابعة التنفيذ رغم انتفاء عنصر المفاجأة وتوتر الأجواء، هو ما دفع القاضي كلود غانم إلى الادعاء على شريم بموجب المادة 166، معتبرًا أن الخيار الأفضل والأكثر انضباطًا كان يقضي بانسحاب القوة فوراً وتأجيل المهمة، بدلًا من إقحام العاصمة في توتر أمني كانت البلاد بغنى عنه.
القضاء العسكري بمنأى عن “التسييس”
وفي سياق القراءات والتحليلات التي واكبت القضية، وحاولت إدراج المسار القضائي في خانة الضغوطات السياسية المتبادلة بين السرايا الحكومية ومقار طائفية وحزبيّة، جزمت المصادر لـ”المدن” بعدم صحة أي شائعات تتحدث عن ممارسة ضغوط على القضاء العسكري لابتزاز جهاز أمن الدولة أو تقديم “أكباش فداء” لتهدئة الشارع البيروتي.
كما أوضحت المصادر أنّ هذا الادعاء والقرارات الصادرة عنه ليست وليدة الساعات الماضية، بل إنّ “عمر هذه الإجراءات يتجاوز الأسبوع”. هذا يعني أن القضاء العسكري كان يعمل بهدوء وبعيدًا عن الإعلام، واستند إلى وقائع التحقيق الجنائي والاستماع إلى إفادات العسكريين والشهود، وتفريغ كاميرات المراقبة في منطقة ساقية الجنزير، وليس استجابةً لدفاتر شروط سياسيّة.
أبعاد القرار: رسالة إلى الأجهزة الأمنية
يحمل قرار مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية في طياته رسائل بالغة الأهمية تتخطى حدود العقوبة المسلكية أو القانونية الفردية. الرسالة الأولى موجهة إلى القيادات الأمنية بضرورة تحمل مسؤولية القرارات والأوامر التي تصدر عنها، خصوصًا تلك التي تنفذ في مناطق سكنية حساسة أو ذات خصوصيّة. فالقانون العسكري يحاسب على “سوء التقدير” و”مخالفة التعليمات” إذا أدت إلى تهديد السلم الأهلي أو تعريض حياة العسكريين والمدنيين للخطر.
أما الرسالة الثانية، فهي إعادة الاعتبار لمفهوم “دولة القانون” في مواجهة “فائض القوة” أو العشوائيّة في التنفيذ. إذ إنّ الأخطاء الإجرائية التي ارتكبتها القوة المداهمة، وإطلاق النار الكثيف في الهواء لتفريق المعترضين، باتت تحت مجهر المحاسبة القضائية، وهو ما من شأنه أن يعيد صياغة بروتوكولات المداهمات والتوقيفات المستقبلية لجميع الأجهزة الأمنيّة.
تخرج حادثة ساقية الجنزير من زواريب الأحياء لتستقر في أروقة المحكمة العسكرية. وإذا كانت التهدئة السياسيّة قد نجحت في سحب فتيل الشارع، فإن المسار القضائي الحالي يثبت بحسب المصدر القضائي، أن الحصانات المسلكية لم تعد كافية لحماية المتجاوزين، وأن “التعليمات العسكرية” ينبغي أن تكون دائمًا في خدمة حفظ الأمن، لا سببًا في تفجيره.
الادعاء على العميد شريم: “العسكرية” ترفض “سوء التقدير”

لم تكن حادثة ساقية الجنزير قبل أسابيع قليلة، مجرّد إشكال عابر بين قوة أمنية ومواطنين، بل تحولت إلى قضية رأي عام تختبر مدى قدرة المؤسسات القضائية والرقابية على ضبط إيقاع الأجهزة الأمنية ومنع التمدد إلى الشارع.
وفي جديد هذه القضيّة، كشف مصدر قضائي لـ”المدن” عن تطورات قانونية بارزة تؤشر إلى أنّ المحاسبة سلكت مسارًا جدّيًا بعيدًا عن التسويات السياسية التقليدية التي غالبًا ما تطمس معالم التجاوزات.
بحسب المصدر، فقد خطى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم خطوة متقدمة بإصدار إدّعاء رسمي بحق قائد “القوة الضاربة” في جهاز أمن الدولة العميد محمد شريم، بموجب المادة 166 من قانون القضاء العسكري، والتي تتعلق بمخالفة التعليمات العسكرية العامة والخاصة.
ولم يقتصر الادعاء على القيادة العليا للمهمة، بل شمل خمسة مدعى عليهم من عناصر وضباط المديرية العامة لأمن الدولة، من بينهم ضابط موقوف من آل “غانم” كان على رأس القوة الميدانية التي نفّذت المداهمة لإحضار حسن عيتاني المعروف باسم “أبي علي عيتاني”.
خلفيات القرار: خطأ التقدير في اللحظة الحرجة
تُعيد هذه التطورات القضائية تفكيك الرواية الميدانية لما جرى في ذلك اليوم. وتشير معلومات “المدن” إلى أن نقطة التحول في مسار المداهمة، والتي شرّعت الباب أمام الفوضى وإطلاق النار، تلخصت في سوء تقدير القيادة لواقع الأرض.
كما تنقل مصادر “المدن” أن العسكريين في الميدان، وبعدما واجهوا اعتراضًا شعبيًّا وتجمهرًا لأهالي المنطقة إثر محاولة توقيف صاحب المولدات أبي علي عيتاني، تواصلوا مع رئيسهم المباشر العميد محمد شريم لإطلاعه على تطوّر الموقف. وأبلغت القوة الميدانية القيادة بأن “النّاس تجمعوا، والوضع ميدانيًا غير مريح وينذر بالانفجار”.
وبحسب معطيات التحقيقات، جاء قرار القيادة مغايرًا للمنطق العسكري والأمني الذي يفرض الانسحاب الفوري لتفادي الصدام مع المدنيين وحقن الدماء. إذ كان الجواب للعناصر: “انتظروا قليلًا، ثمّ استكملوا المهمة”. هذا الإصرار على متابعة التنفيذ رغم انتفاء عنصر المفاجأة وتوتر الأجواء، هو ما دفع القاضي كلود غانم إلى الادعاء على شريم بموجب المادة 166، معتبرًا أن الخيار الأفضل والأكثر انضباطًا كان يقضي بانسحاب القوة فوراً وتأجيل المهمة، بدلًا من إقحام العاصمة في توتر أمني كانت البلاد بغنى عنه.
القضاء العسكري بمنأى عن “التسييس”
وفي سياق القراءات والتحليلات التي واكبت القضية، وحاولت إدراج المسار القضائي في خانة الضغوطات السياسية المتبادلة بين السرايا الحكومية ومقار طائفية وحزبيّة، جزمت المصادر لـ”المدن” بعدم صحة أي شائعات تتحدث عن ممارسة ضغوط على القضاء العسكري لابتزاز جهاز أمن الدولة أو تقديم “أكباش فداء” لتهدئة الشارع البيروتي.
كما أوضحت المصادر أنّ هذا الادعاء والقرارات الصادرة عنه ليست وليدة الساعات الماضية، بل إنّ “عمر هذه الإجراءات يتجاوز الأسبوع”. هذا يعني أن القضاء العسكري كان يعمل بهدوء وبعيدًا عن الإعلام، واستند إلى وقائع التحقيق الجنائي والاستماع إلى إفادات العسكريين والشهود، وتفريغ كاميرات المراقبة في منطقة ساقية الجنزير، وليس استجابةً لدفاتر شروط سياسيّة.
أبعاد القرار: رسالة إلى الأجهزة الأمنية
يحمل قرار مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية في طياته رسائل بالغة الأهمية تتخطى حدود العقوبة المسلكية أو القانونية الفردية. الرسالة الأولى موجهة إلى القيادات الأمنية بضرورة تحمل مسؤولية القرارات والأوامر التي تصدر عنها، خصوصًا تلك التي تنفذ في مناطق سكنية حساسة أو ذات خصوصيّة. فالقانون العسكري يحاسب على “سوء التقدير” و”مخالفة التعليمات” إذا أدت إلى تهديد السلم الأهلي أو تعريض حياة العسكريين والمدنيين للخطر.
أما الرسالة الثانية، فهي إعادة الاعتبار لمفهوم “دولة القانون” في مواجهة “فائض القوة” أو العشوائيّة في التنفيذ. إذ إنّ الأخطاء الإجرائية التي ارتكبتها القوة المداهمة، وإطلاق النار الكثيف في الهواء لتفريق المعترضين، باتت تحت مجهر المحاسبة القضائية، وهو ما من شأنه أن يعيد صياغة بروتوكولات المداهمات والتوقيفات المستقبلية لجميع الأجهزة الأمنيّة.
تخرج حادثة ساقية الجنزير من زواريب الأحياء لتستقر في أروقة المحكمة العسكرية. وإذا كانت التهدئة السياسيّة قد نجحت في سحب فتيل الشارع، فإن المسار القضائي الحالي يثبت بحسب المصدر القضائي، أن الحصانات المسلكية لم تعد كافية لحماية المتجاوزين، وأن “التعليمات العسكرية” ينبغي أن تكون دائمًا في خدمة حفظ الأمن، لا سببًا في تفجيره.









