شمال الليطاني تحت النار الإسرائيلية وشبح التهجير يخيّم على الجنوب اللبناني

لم تعد الحرب الدائرة بين إسرائيل وحزب الله مجرّد مواجهة عسكرية محصورة بالحدود الجنوبية، بل تحوّلت إلى حدث يعيد رسم الجغرافيا السياسية والديموغرافية والأمنية للبنان. فمع تصاعد التهديدات الإسرائيلية واتساع رقعة الاستهداف، عاد الحديث بقوة عن النزوح الكبير نحو شمال الزهراني، فيما تعيش مدن الجنوب، وخصوصاً صور والنبطية وصولاً إلى دبّين وقلعة الشقيف، حالة ترقّب ثقيلة تختلط فيها المخاوف الأمنية بالقلق من مستقبل مجهول.
ولم تعد تقتصر الرسائل الإسرائيلية الأخيرة على استهداف البنية العسكرية لـ «حزب الله»، بل باتت تحمل في طياتها مخاوف من دفع مئات آلاف المدنيين إلى النزوح القسري. وهنا يبرز السؤال الأخطر: هل تتجاوز تل أبيب الخط الأصفر وتتحول مناطق جنوب الليطاني وشماله حتى حدود الزهراني إلى منطقة عازلة غير معلنة؟ وهل يطول النزوح المؤقت ويتحوّل إلى قنبلة موقوتة في الداخل اللبناني؟
وعلى الرغم من هذه الوقائع، وعلى الرغم من حجم الخسائر الكبرى في مدن وقرى الجنوب وحجم الضغوط العسكرية، لا يبدو «حزب الله» في وارد التراجع السياسي. فتصريحات أمين عام «الحزب» الشيخ نعيم قاسم الأخيرة تؤكد تمسكه بالسلاح، واعتقاده أن ما يحصل في الجنوب يؤشر إلى بداية زوال إسرائيل، حتى أنه ذهب بعيداً في التهديد داعياً للنزول إلى الشوارع لإسقاط الحكومة في رسالة موجهة إلى خصوم الداخل بأن أي محاولة لعزل «المقاومة» ستُقابل بتغيير جذري في المعادلة الحكومية. أما الرسالة الثانية، فهي إلى الخارج، ومفادها أن الحزب ما زال يمسك بمفاصل التوازن اللبناني رغم الحرب والعقوبات والضغوط الدولية. لكن خلف هذا التصعيد الكلامي، تبدو الساحة الشيعية نفسها أمام تحديات غير مسبوقة. فالعقوبات الأمريكية والرسائل الدولية المتتالية بدأت تضع الطبقة السياسية الحليفة لـ «حزب الله» تحت مجهر شديد الحساسية، وهنا تحديداً يبرز اسم رئيس مجلس النواب نبيه بري، الرجل الذي لطالما لعب دور «صمام الأمان» و«جسر التواصل» بين «الحزب» والخارج. لكن الرئيس بري المعروف بقدرته على تدوير الزوايا، يجد نفسه اليوم أمام لحظة دقيقة: كيف يمكن الحفاظ على الغطاء السياسي لـ «المقاومة» من جهة والاستمرار في لعب دور الوسيط من جهة أخرى فيما الوضع يتجه نحو مزيد من التصعيد؟
وقد استبق الرئيس بري اجتماع الوفدين العسكريين اللبناني والإسرائيلي برعاية أمريكية في البنتاغون، قائلاً إنه «لا يعنيني أن أعرف ماذا يحمل الوفد اللبناني معه ولا أريد أن أعرف. أطلب وقفاً لإطلاق النار فقط، ولا شيء آخر لدينا»، مضيفاً «توصلنا إلى اتفاق لوقف إطلاق النار أربع مرات لم يُحترم في أي منها ونحن الآن في هدنة الـ45 يوماً بلا وقف لإطلاق النار، بل راحت الحرب تشتعل أكثر وتدمّر البلدات على مرأى ممن يفترض أنه كان هو الضامن. لسوء الحظ ليس لدينا الآن ضامن».
وإذا كان اجتماع البنتاغون الذي شاركت فيه السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض يندرج ضمن المسار الأمني من أجل التنسيق بشأن تثبيت وقف النار ونزع سلاح «حزب الله» وتقديم الدعم للجيش اللبناني لبسط سلطته، فإن «حزب الله» يؤكد رفضه لهذا المسار الأمني، مواصلاً انتقاده للسلطة على ما يعتبره «نهجها التنازلي والتفريط بالسيادة والحقوق»، ومبدياً خشيته من المفاوضات العسكرية ومن محاولة إسرائيل فرض تنسيق أمني مع الجيش اللبناني لمصلحتها ضده. ولا يتوقف «الحزب» عن دعوة السلطة للخروج من المفاوضات المباشرة، والرهان على المسار الإيراني، موجهاً في كل مرة على لسان قياداته أو على لسان المرجعيات الدينية الشيعية كل التحية لإيران على جعل وقف العدوان على لبنان جزءًا من اتفاقها مع الولايات المتحدة الأمريكية، ما يشكل وفقاً لاعتقادهم فرصة للبنان كي يضع نفسه بين الكبار ويحصل على ضمانات دولية لتحقيق مطالبه بوقف العدوان وانسحاب العدو وعودة النازحين وإطلاق الأسرى. ويرى «حزب الله» أن السلطة اللبنانية بدل أن تسارع للاستفادة من هذه الفرصة فإنها تحاول تقويضها، وتعمل على عرقلتها ولو على حساب دماء شعبها.
ويراهن «حزب الله» على أن المفاوضات الأمريكية الإيرانية ستقود إلى وقف لإطلاق النار وتسوية سياسية تشمل لبنان، بما يسمح له بالحفاظ على سلاحه والعودة للإمساك بقرار الدولة. لكن هذا الرهان يصطدم بتبدل الظروف، وهو ما لا يريد «الحزب» الاعتراف به خصوصاً أن الحرب بسبب خبراء عسكريين لن تتوقف وإسرائيل لن تنسحب قبل إنهاء مشروعه المسلح.
أمام هذا المعطى، يتشدد خصوم «حزب الله» في الداخل اللبناني بموقفهم القائل إن قرار «الحزب» لم يعد بيده بل بات في طهران، وأنه أصبح حزباً يحمل بندقيته بأوامر الخارج ولا يمثّل وطناً بل يمثّل مشروعاً عابراً للحدود يدفع ثمنه اللبنانيون من دمائهم وبيوتهم وأرزاقهم. ويحضّ هؤلاء السلطة بدءاً برئيس الجمهورية جوزف عون مروراً بحكومة الرئيس نواف سلام إلى رفض التعايش مع هذا السلاح عير الشرعي وتسويقه على أنه «مقاومة» والاستمرار باستخدام لبنان ساحة تجارب لصراعات إيران وسياساتها.
والمعارضون لمحاولة ربط لبنان بالمسار الإيراني، يرون أن المواجهة الأخيرة منذ 2 آذار/مارس أظهرت حدود خيار السلاح، بعدما أدت الحرب إلى دمار واسع في القرى الجنوبية ونزوح عشرات الآلاف وتفاقم الانهيار الاقتصادي، من دون القدرة على منع إسرائيل من التقدم أو فرض وقائع ميدانية جديدة رغم تضخيم إسرائيل خطر المحلقات الانقضاضية لاختلاق الذرائع ولتبرير الاستمرار بعدوانها على لبنان.
وكان لبنان انقسم حول إحياء عيد «المقاومة والتحرير» الذي لم يعد في رأي البعض مناسبة وطنية جامعة كما كان يُراد له أن يكون بعد انسحاب إسرائيل من الجنوب عام 2000. وسأل هذا البعض عن معنى العيد خصوصًا بعد التطورات العسكرية الأخيرة وما رافقها من احتلال إسرائيلي جديد لنقاط ومناطق حدودية في الجنوب.
شمال الليطاني تحت النار الإسرائيلية وشبح التهجير يخيّم على الجنوب اللبناني

لم تعد الحرب الدائرة بين إسرائيل وحزب الله مجرّد مواجهة عسكرية محصورة بالحدود الجنوبية، بل تحوّلت إلى حدث يعيد رسم الجغرافيا السياسية والديموغرافية والأمنية للبنان. فمع تصاعد التهديدات الإسرائيلية واتساع رقعة الاستهداف، عاد الحديث بقوة عن النزوح الكبير نحو شمال الزهراني، فيما تعيش مدن الجنوب، وخصوصاً صور والنبطية وصولاً إلى دبّين وقلعة الشقيف، حالة ترقّب ثقيلة تختلط فيها المخاوف الأمنية بالقلق من مستقبل مجهول.
ولم تعد تقتصر الرسائل الإسرائيلية الأخيرة على استهداف البنية العسكرية لـ «حزب الله»، بل باتت تحمل في طياتها مخاوف من دفع مئات آلاف المدنيين إلى النزوح القسري. وهنا يبرز السؤال الأخطر: هل تتجاوز تل أبيب الخط الأصفر وتتحول مناطق جنوب الليطاني وشماله حتى حدود الزهراني إلى منطقة عازلة غير معلنة؟ وهل يطول النزوح المؤقت ويتحوّل إلى قنبلة موقوتة في الداخل اللبناني؟
وعلى الرغم من هذه الوقائع، وعلى الرغم من حجم الخسائر الكبرى في مدن وقرى الجنوب وحجم الضغوط العسكرية، لا يبدو «حزب الله» في وارد التراجع السياسي. فتصريحات أمين عام «الحزب» الشيخ نعيم قاسم الأخيرة تؤكد تمسكه بالسلاح، واعتقاده أن ما يحصل في الجنوب يؤشر إلى بداية زوال إسرائيل، حتى أنه ذهب بعيداً في التهديد داعياً للنزول إلى الشوارع لإسقاط الحكومة في رسالة موجهة إلى خصوم الداخل بأن أي محاولة لعزل «المقاومة» ستُقابل بتغيير جذري في المعادلة الحكومية. أما الرسالة الثانية، فهي إلى الخارج، ومفادها أن الحزب ما زال يمسك بمفاصل التوازن اللبناني رغم الحرب والعقوبات والضغوط الدولية. لكن خلف هذا التصعيد الكلامي، تبدو الساحة الشيعية نفسها أمام تحديات غير مسبوقة. فالعقوبات الأمريكية والرسائل الدولية المتتالية بدأت تضع الطبقة السياسية الحليفة لـ «حزب الله» تحت مجهر شديد الحساسية، وهنا تحديداً يبرز اسم رئيس مجلس النواب نبيه بري، الرجل الذي لطالما لعب دور «صمام الأمان» و«جسر التواصل» بين «الحزب» والخارج. لكن الرئيس بري المعروف بقدرته على تدوير الزوايا، يجد نفسه اليوم أمام لحظة دقيقة: كيف يمكن الحفاظ على الغطاء السياسي لـ «المقاومة» من جهة والاستمرار في لعب دور الوسيط من جهة أخرى فيما الوضع يتجه نحو مزيد من التصعيد؟
وقد استبق الرئيس بري اجتماع الوفدين العسكريين اللبناني والإسرائيلي برعاية أمريكية في البنتاغون، قائلاً إنه «لا يعنيني أن أعرف ماذا يحمل الوفد اللبناني معه ولا أريد أن أعرف. أطلب وقفاً لإطلاق النار فقط، ولا شيء آخر لدينا»، مضيفاً «توصلنا إلى اتفاق لوقف إطلاق النار أربع مرات لم يُحترم في أي منها ونحن الآن في هدنة الـ45 يوماً بلا وقف لإطلاق النار، بل راحت الحرب تشتعل أكثر وتدمّر البلدات على مرأى ممن يفترض أنه كان هو الضامن. لسوء الحظ ليس لدينا الآن ضامن».
وإذا كان اجتماع البنتاغون الذي شاركت فيه السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض يندرج ضمن المسار الأمني من أجل التنسيق بشأن تثبيت وقف النار ونزع سلاح «حزب الله» وتقديم الدعم للجيش اللبناني لبسط سلطته، فإن «حزب الله» يؤكد رفضه لهذا المسار الأمني، مواصلاً انتقاده للسلطة على ما يعتبره «نهجها التنازلي والتفريط بالسيادة والحقوق»، ومبدياً خشيته من المفاوضات العسكرية ومن محاولة إسرائيل فرض تنسيق أمني مع الجيش اللبناني لمصلحتها ضده. ولا يتوقف «الحزب» عن دعوة السلطة للخروج من المفاوضات المباشرة، والرهان على المسار الإيراني، موجهاً في كل مرة على لسان قياداته أو على لسان المرجعيات الدينية الشيعية كل التحية لإيران على جعل وقف العدوان على لبنان جزءًا من اتفاقها مع الولايات المتحدة الأمريكية، ما يشكل وفقاً لاعتقادهم فرصة للبنان كي يضع نفسه بين الكبار ويحصل على ضمانات دولية لتحقيق مطالبه بوقف العدوان وانسحاب العدو وعودة النازحين وإطلاق الأسرى. ويرى «حزب الله» أن السلطة اللبنانية بدل أن تسارع للاستفادة من هذه الفرصة فإنها تحاول تقويضها، وتعمل على عرقلتها ولو على حساب دماء شعبها.
ويراهن «حزب الله» على أن المفاوضات الأمريكية الإيرانية ستقود إلى وقف لإطلاق النار وتسوية سياسية تشمل لبنان، بما يسمح له بالحفاظ على سلاحه والعودة للإمساك بقرار الدولة. لكن هذا الرهان يصطدم بتبدل الظروف، وهو ما لا يريد «الحزب» الاعتراف به خصوصاً أن الحرب بسبب خبراء عسكريين لن تتوقف وإسرائيل لن تنسحب قبل إنهاء مشروعه المسلح.
أمام هذا المعطى، يتشدد خصوم «حزب الله» في الداخل اللبناني بموقفهم القائل إن قرار «الحزب» لم يعد بيده بل بات في طهران، وأنه أصبح حزباً يحمل بندقيته بأوامر الخارج ولا يمثّل وطناً بل يمثّل مشروعاً عابراً للحدود يدفع ثمنه اللبنانيون من دمائهم وبيوتهم وأرزاقهم. ويحضّ هؤلاء السلطة بدءاً برئيس الجمهورية جوزف عون مروراً بحكومة الرئيس نواف سلام إلى رفض التعايش مع هذا السلاح عير الشرعي وتسويقه على أنه «مقاومة» والاستمرار باستخدام لبنان ساحة تجارب لصراعات إيران وسياساتها.
والمعارضون لمحاولة ربط لبنان بالمسار الإيراني، يرون أن المواجهة الأخيرة منذ 2 آذار/مارس أظهرت حدود خيار السلاح، بعدما أدت الحرب إلى دمار واسع في القرى الجنوبية ونزوح عشرات الآلاف وتفاقم الانهيار الاقتصادي، من دون القدرة على منع إسرائيل من التقدم أو فرض وقائع ميدانية جديدة رغم تضخيم إسرائيل خطر المحلقات الانقضاضية لاختلاق الذرائع ولتبرير الاستمرار بعدوانها على لبنان.
وكان لبنان انقسم حول إحياء عيد «المقاومة والتحرير» الذي لم يعد في رأي البعض مناسبة وطنية جامعة كما كان يُراد له أن يكون بعد انسحاب إسرائيل من الجنوب عام 2000. وسأل هذا البعض عن معنى العيد خصوصًا بعد التطورات العسكرية الأخيرة وما رافقها من احتلال إسرائيلي جديد لنقاط ومناطق حدودية في الجنوب.










