واشنطن- طهران: اتّفاق الضّرورة لـ60 يوماً

الكاتب: ابراهيم ريحان | المصدر: اساس ميديا
31 أيار 2026

تتسارَع عقاربُ السّاعةِ السّياسيّة في منطقةِ الشّرق الأوسطِ فوقَ صفيحٍ من التّرقّب الأمنيّ – الدّبلوماسيّ غير المسبوق. إذ يبدو أنّ “غرفة العمليّاتِ” في البيتِ الأبيض قد تحوّلَت إلى خليّةِ نحلٍ عابرة للقارّات، بالتّزامنِ مع حراكٍ مُكثّف، منهُ ما هو مُعلنٌ ومنه ما هو غيرُ معلنٍ، في عواصمِ الوساطة، لا سيّما الدّوحة وإسلام آباد.

يشي المشهدُ، على تعقيدِه الشّديد، بأنّ المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة خطَت خطوةً نوعيّةً نحوَ صياغة “اتّفاقِ ضرورة” أو “نصف اتّفاقٍ” إطاريّ، يكونُ الهدفُ منهُ نزعَ فتيل مواجهةٍ عسكريّة جديدةٍ تُشتعلُ في مياهِ الخليجِ العربيّ، والذّهاب نحوَ هدنة مؤقّتةٍ ومُقنّنةٍ تُمهّدُ لترتيبات أمنيّة أوسع وأشمل.

 

كما جرتِ العادة في كواليس “البازار” الإيرانيّ وحسابات “الصّفقةِ الكاملةِ” لدى الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب، فإنّ الشّياطينَ تكمُنُ في أدقّ تفاصيلِ الملفَّيْن الأكثر حساسيّة: مصير “الغبار النّوويّ” (اليورانيوم العالي التخصيب)، والملياراتِ الإيرانيّة المُجمّدة في الحسابات المُعقّدة.

ملامح “صفقة الضّرورة”

تُفيدُ المعطياتُ والتّقارير الدّبلوماسيّة المُتقاطعة أنّ القنوات الوسيطة نجحت، إلى حدّ كبيرٍ، في صياغةِ مسوّدة تفاهمٍ مبدئيٍّ، لا ترقى إلى مُستوى مُعاهدةٍ نوويّة دائمة وإنّما ترسُم حدود “تهدئةٍ مؤقّتة” لمدّة 60 يوماً.

تتمحورُ الخطوطُ العريضة لهذا المُقترح حول صيغةِ “الميدان مُقابل الاقتصادِ الشّريانيّ”. كانَ واحدٌ من المؤشّراتِ إعلان ترامب عبر منصّتهِ “تروث سوشيل” توجّهاً جادّاً لرفعِ الحصارِ البحريّ عن موانئِ طهران وتسهيل حركةِ السّفنِ العالقة بينَ مياهِ الخليجِ العربيّ وبحر عُمان، وذلكَ بالتّزامن مع اشتراطِ واشنطن إعادةَ فتحِ مضيق هرمز بشكلٍ فوريّ وضمان حرّيّة الملاحة في الاتّجاهَيْن من دون أيّ رسومٍ للعبور، ودعوة طهران إلى التزامِ إزالةِ الألغام البحريّة التي زرعتها خلال الفترة الماضية.

تبدو هذه الخطوة، من منظور إدارةِ ترامب، ممرّاً إلزاميّاً لضمانِ استقرار سلاسلِ الإمدادِ وتجنّب حربٍ إقليميّة استنزافيّة لا تُريدها واشنطن. لكنّ الفارقَ الجوهريّ هذه المرّة يكمُنُ في الرّابطِ العضويّ الذي تُقيمُه واشنطن بين خطّ التهدئةِ والملفّاتِ السّاخنةِ الأخرى من خلال الضغط لربطِ الهدنةِ بترتيبات تخصّ الجبهات الإقليميّة ومُستقبل النّفوذ الإيرانيّ في منطقةِ الشّرق الأدنى.

معركة “الغبار النّوويّ”

لئن كانَ الاتّفاقُ الميدانيّ على فتحِ المعابِر البحريّة وتمديدِ وقف إطلاقِ النّار يسيرُ على سكّة التّوافقات القسريّة، يظلُّ الملفّ النّوويّ جداراً سميكاً من الخلافِ المُشتعل. تدورُ المعركةُ الكبرى على ما اصطُلحَ على تسميته لدى الرّئيس ترامب بـ”الغبار النّوويّ المدفون في أعماقِ الأرض”، والمقصودُ الفنّيّ بهِ هو مخزونُ إيران من اليورانيوم العالي التخصيب بنسبةِ 60%، والذي يُمثّلُ نظريّاً “عتبة الاختراق المُحتمل” لإنتاجِ سلاحٍ نوويٍّ.

تؤكّدُ مصادر دبلوماسيّة لـ”أساس” ما تسرّبَ من عرضٍ تقدّمت به كازاخستان لاستقبال الغبار النّوويّ الإيرانيّ، وذلكَ بدفعٍ مُشتركٍ من الولايات المُتّحدةِ والصّين. لم ترفض طهران حتّى السّاعة هذا المُقترح، لكنّها تُطالبُ بضماناتٍ صينيّة – أميركيّة لرفعِ العقوباتِ وعدم العودةِ للحربِ مرّةً أخرى.

على التّوازي، يُصرّ الموقفُ الأميركيّ الصّارم، الذي يقوده المبعوث الخاصّ للبيتِ الأبيض ستيف ويتكوف، وكبير مستشاري ترامب جاريد كوشنر، على ضرورةِ قيام الولايات المُتّحدةِ بالتّنسيق مع “الوكالةِ الدّوليّة للطّاقة الذرّيّة” باستخراجِ هذا المخزون ونقله إلى خارج أراضي إيران وتدميرهِ من ضمن شرطٍ لا غنى عنه للعبورِ من الهدنةِ المؤقّتةِ إلى أيّ اتّفاقِ سلامٍ مُستدام. تدعمُ هذه المقاربة ضغوطاتٍ فرنسيّة مُتجدّدة لوّحت بتفعيلِ آليّة “سناب باك” لإعادة فرضِ العقوبات الأمميّة التّلقائيّة على طهران في حالِ مماطلتها في التّفاوض في الشأن النّوويّ.

تخوضُ طهران في المُقابل مناورةً وجوديّة. إذ سارعت الأوساط المُقرّبة من “حرس الثّورة الإسلاميّة” عبر وكالةِ “تسنيم” إلى نفي التّوصّل إلى اتّفاقٍ نهائيّ، واعتبرَت الإعلانات الأميركيّة محاولةً لـ”تسويقٍ نصرٍ سياسيّ مُزيّف” لترامب.

الاستراتيجية الإيرانيّة واضحة:

– التّمسّك بمخزون اليورانيوم العالي التّخصيب بما هو أكبر ورقةِ قوّةٍ سياديّة وتفاوضيّة.

– رفض الحديثِ عن برنامج الصّواريخِ الباليستيّة والشّروط التي تمسّ ترسانةَ طهران.

– استغلال مُهلة الـ60 يوماً للتفاوض على “نهجٍ تجاريّ” يقومُ على تجميدٍ جزئيّ للبرنامجِ النّوويّ مُقابل صفقات استثمار واقتصاداتٍ بديلةٍ وبناء مفاعلاتٍ جديدةٍ للأغراض السّلميّة بمشاركةٍ دوليّة.

المليارات مقابل الضّمانات

يدورُ خلفَ كواليس السّياسة صراعٌ ماليّ محموم على الأرصدةِ الإيرانيّة المُجمّدةِ في مصارفِ الأرض بفعل العقوبات الأميركيّة. تُقدّر القيمة التّاريخيّة الإجماليّة المُتراكمة لهذه الأموال بـ 100 مليار دولار.

لكنّ “البندَ رقم 1” على طاولة المفاوضات في الدّوحة يتعلّق مباشرةً بـ24 مليار دولار تُطالب طهران بالإفراجِ الفوريّ عنها لتكون شريان حياةٍ طارئاً لاقتصادِها المُتأرجح. هذا ما ركّزَ عليه المفاوض الإيرانيّ محمّد باقر قاليباف في زيارته الخاطفة للعاصمة القطريّة قبل أيّام والتي التقى فيها أمير البلاد الشّيخ تميم بن حمَد.

تتوزّع الخريطة الجغرافيّة لهذه الأموال الساخنة على بؤرٍ مصرفيّة مُحدّدة كالآتي:

– قطر: سبب زيارة قاليباف لقطر هو أنّ النّواة الصّلبة للأموال المُتنازَع عليها محجوزةٌ في مصارفِ الدّوحة. تقدّر قيمتها بـ12 مليار دولار، من بينها 6 مليارات حُوّلت في 2023 من كوريا الجنوبيّة، وتشترطُ طهران أن يكون تسييلها خطوة أولى قبل التّوقيع.

– الصين والهند: تحتفظ بكّين بالكتلة الكبرى، البالغة نحو 20 مليار دولار، وهي ائتمانات نفطيّة مُقيّدة، وتليها الهند بنحو 7 مليارات دولار.

– العراق: تبلغ أرصدة صفقات الكهرباء لديه نحو 6 مليارات دولار، محتجزة تحت مراقبة مشدّدة من وزارة الخزانة الأميركيّة في مصرف التّجارة العراقي.

تكمُنُ العقدة التفاوضيّة هنا في “أزمةِ الثّقة”. يتخوّفُ الوفدُ المفاوضُ الإيرانيّ من تكرار تجارب الماضي، ويرفضُ “الوعود الشّفويّة”. لذلكَ تشير مصادر “أساس” إلى أنّ محافظ البنك المركزيّ الإيرانيّ وعضو الفريق المُفاوض عبدالنّاصر همّتي طالبَا بآليّة صرفٍ مُباشرة ومضمونة قانونيّاً تمنعُ واشنطن من إعادة تجميدِ الأموالِ الإيرانيّة مُستقبلاً تحت أيّ ظرفٍ.

لكنّ إدارة ترامب تتعامل مع “المليارات المُجمّدة” بوصفها “دفعات على الحسابِ”، لا تُصرف إلّا بالتّوازي مع خطواتٍ تنفيذيّة ملموسة تُقدّمها إيران على صعيد تفكيك أجهزة الطّرد المركزيّ وتأمين خطوطِ الملاحةِ البحريّة.

تبريد أم تأجيل؟

يقفُ الملفُّ الأميركيّ – الإيرانيّ أمام مفترقِ طُرقٍ حاسم. تعكسُ المؤشّرات الخارجةُ من واشنطُن وطهران حالةَ “الإنكار المتبادل” في العلن، والتوافق البراغماتيّ القسريّ في الغرف المغلقة.

إنّ “اتّفاق الـ60 يوماً” المتوقَّع هو بالدرجة الأولى مُحاولةٌ لـ “شراء الوقت” لمنعِ تفجّر الأوضاع عسكريّاً ولحمايةِ الاستقرارِ الاقتصاديّ الإقليميّ والدّوليّ.

لكنّ هذا المسار محفوف بهشاشة بالغة. إنّ تراجعَ لغةِ الصّواريخِ والمُسيّرات في مضيقِ هرمُز وموانئِ “بندر عبّاس” يظلّ مرهوناً بمدى التزام طهران تقديم تنازلات حقيقيّة في عمق منشآتها النوويّة، وهو ما قد يصطدم براديكاليّة الحرس الثوريّ وتوازنات القوى الداخليّة الإيرانيّة.

الأكيد أنّ المنطقةَ دخلت مرحلة اختبارِ النّيّات الأقسى، حيثُ تتَداخَل الأموال باليورانيوم المُخصّب، وحيث يظلّ خيار الحرب حاضراً ومستقرّاً على الطاولة ذاتها التي تُكتب عليها مسوّدات السّلام الهشّ.

واشنطن- طهران: اتّفاق الضّرورة لـ60 يوماً

الكاتب: ابراهيم ريحان | المصدر: اساس ميديا
31 أيار 2026

تتسارَع عقاربُ السّاعةِ السّياسيّة في منطقةِ الشّرق الأوسطِ فوقَ صفيحٍ من التّرقّب الأمنيّ – الدّبلوماسيّ غير المسبوق. إذ يبدو أنّ “غرفة العمليّاتِ” في البيتِ الأبيض قد تحوّلَت إلى خليّةِ نحلٍ عابرة للقارّات، بالتّزامنِ مع حراكٍ مُكثّف، منهُ ما هو مُعلنٌ ومنه ما هو غيرُ معلنٍ، في عواصمِ الوساطة، لا سيّما الدّوحة وإسلام آباد.

يشي المشهدُ، على تعقيدِه الشّديد، بأنّ المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة خطَت خطوةً نوعيّةً نحوَ صياغة “اتّفاقِ ضرورة” أو “نصف اتّفاقٍ” إطاريّ، يكونُ الهدفُ منهُ نزعَ فتيل مواجهةٍ عسكريّة جديدةٍ تُشتعلُ في مياهِ الخليجِ العربيّ، والذّهاب نحوَ هدنة مؤقّتةٍ ومُقنّنةٍ تُمهّدُ لترتيبات أمنيّة أوسع وأشمل.

 

كما جرتِ العادة في كواليس “البازار” الإيرانيّ وحسابات “الصّفقةِ الكاملةِ” لدى الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب، فإنّ الشّياطينَ تكمُنُ في أدقّ تفاصيلِ الملفَّيْن الأكثر حساسيّة: مصير “الغبار النّوويّ” (اليورانيوم العالي التخصيب)، والملياراتِ الإيرانيّة المُجمّدة في الحسابات المُعقّدة.

ملامح “صفقة الضّرورة”

تُفيدُ المعطياتُ والتّقارير الدّبلوماسيّة المُتقاطعة أنّ القنوات الوسيطة نجحت، إلى حدّ كبيرٍ، في صياغةِ مسوّدة تفاهمٍ مبدئيٍّ، لا ترقى إلى مُستوى مُعاهدةٍ نوويّة دائمة وإنّما ترسُم حدود “تهدئةٍ مؤقّتة” لمدّة 60 يوماً.

تتمحورُ الخطوطُ العريضة لهذا المُقترح حول صيغةِ “الميدان مُقابل الاقتصادِ الشّريانيّ”. كانَ واحدٌ من المؤشّراتِ إعلان ترامب عبر منصّتهِ “تروث سوشيل” توجّهاً جادّاً لرفعِ الحصارِ البحريّ عن موانئِ طهران وتسهيل حركةِ السّفنِ العالقة بينَ مياهِ الخليجِ العربيّ وبحر عُمان، وذلكَ بالتّزامن مع اشتراطِ واشنطن إعادةَ فتحِ مضيق هرمز بشكلٍ فوريّ وضمان حرّيّة الملاحة في الاتّجاهَيْن من دون أيّ رسومٍ للعبور، ودعوة طهران إلى التزامِ إزالةِ الألغام البحريّة التي زرعتها خلال الفترة الماضية.

تبدو هذه الخطوة، من منظور إدارةِ ترامب، ممرّاً إلزاميّاً لضمانِ استقرار سلاسلِ الإمدادِ وتجنّب حربٍ إقليميّة استنزافيّة لا تُريدها واشنطن. لكنّ الفارقَ الجوهريّ هذه المرّة يكمُنُ في الرّابطِ العضويّ الذي تُقيمُه واشنطن بين خطّ التهدئةِ والملفّاتِ السّاخنةِ الأخرى من خلال الضغط لربطِ الهدنةِ بترتيبات تخصّ الجبهات الإقليميّة ومُستقبل النّفوذ الإيرانيّ في منطقةِ الشّرق الأدنى.

معركة “الغبار النّوويّ”

لئن كانَ الاتّفاقُ الميدانيّ على فتحِ المعابِر البحريّة وتمديدِ وقف إطلاقِ النّار يسيرُ على سكّة التّوافقات القسريّة، يظلُّ الملفّ النّوويّ جداراً سميكاً من الخلافِ المُشتعل. تدورُ المعركةُ الكبرى على ما اصطُلحَ على تسميته لدى الرّئيس ترامب بـ”الغبار النّوويّ المدفون في أعماقِ الأرض”، والمقصودُ الفنّيّ بهِ هو مخزونُ إيران من اليورانيوم العالي التخصيب بنسبةِ 60%، والذي يُمثّلُ نظريّاً “عتبة الاختراق المُحتمل” لإنتاجِ سلاحٍ نوويٍّ.

تؤكّدُ مصادر دبلوماسيّة لـ”أساس” ما تسرّبَ من عرضٍ تقدّمت به كازاخستان لاستقبال الغبار النّوويّ الإيرانيّ، وذلكَ بدفعٍ مُشتركٍ من الولايات المُتّحدةِ والصّين. لم ترفض طهران حتّى السّاعة هذا المُقترح، لكنّها تُطالبُ بضماناتٍ صينيّة – أميركيّة لرفعِ العقوباتِ وعدم العودةِ للحربِ مرّةً أخرى.

على التّوازي، يُصرّ الموقفُ الأميركيّ الصّارم، الذي يقوده المبعوث الخاصّ للبيتِ الأبيض ستيف ويتكوف، وكبير مستشاري ترامب جاريد كوشنر، على ضرورةِ قيام الولايات المُتّحدةِ بالتّنسيق مع “الوكالةِ الدّوليّة للطّاقة الذرّيّة” باستخراجِ هذا المخزون ونقله إلى خارج أراضي إيران وتدميرهِ من ضمن شرطٍ لا غنى عنه للعبورِ من الهدنةِ المؤقّتةِ إلى أيّ اتّفاقِ سلامٍ مُستدام. تدعمُ هذه المقاربة ضغوطاتٍ فرنسيّة مُتجدّدة لوّحت بتفعيلِ آليّة “سناب باك” لإعادة فرضِ العقوبات الأمميّة التّلقائيّة على طهران في حالِ مماطلتها في التّفاوض في الشأن النّوويّ.

تخوضُ طهران في المُقابل مناورةً وجوديّة. إذ سارعت الأوساط المُقرّبة من “حرس الثّورة الإسلاميّة” عبر وكالةِ “تسنيم” إلى نفي التّوصّل إلى اتّفاقٍ نهائيّ، واعتبرَت الإعلانات الأميركيّة محاولةً لـ”تسويقٍ نصرٍ سياسيّ مُزيّف” لترامب.

الاستراتيجية الإيرانيّة واضحة:

– التّمسّك بمخزون اليورانيوم العالي التّخصيب بما هو أكبر ورقةِ قوّةٍ سياديّة وتفاوضيّة.

– رفض الحديثِ عن برنامج الصّواريخِ الباليستيّة والشّروط التي تمسّ ترسانةَ طهران.

– استغلال مُهلة الـ60 يوماً للتفاوض على “نهجٍ تجاريّ” يقومُ على تجميدٍ جزئيّ للبرنامجِ النّوويّ مُقابل صفقات استثمار واقتصاداتٍ بديلةٍ وبناء مفاعلاتٍ جديدةٍ للأغراض السّلميّة بمشاركةٍ دوليّة.

المليارات مقابل الضّمانات

يدورُ خلفَ كواليس السّياسة صراعٌ ماليّ محموم على الأرصدةِ الإيرانيّة المُجمّدةِ في مصارفِ الأرض بفعل العقوبات الأميركيّة. تُقدّر القيمة التّاريخيّة الإجماليّة المُتراكمة لهذه الأموال بـ 100 مليار دولار.

لكنّ “البندَ رقم 1” على طاولة المفاوضات في الدّوحة يتعلّق مباشرةً بـ24 مليار دولار تُطالب طهران بالإفراجِ الفوريّ عنها لتكون شريان حياةٍ طارئاً لاقتصادِها المُتأرجح. هذا ما ركّزَ عليه المفاوض الإيرانيّ محمّد باقر قاليباف في زيارته الخاطفة للعاصمة القطريّة قبل أيّام والتي التقى فيها أمير البلاد الشّيخ تميم بن حمَد.

تتوزّع الخريطة الجغرافيّة لهذه الأموال الساخنة على بؤرٍ مصرفيّة مُحدّدة كالآتي:

– قطر: سبب زيارة قاليباف لقطر هو أنّ النّواة الصّلبة للأموال المُتنازَع عليها محجوزةٌ في مصارفِ الدّوحة. تقدّر قيمتها بـ12 مليار دولار، من بينها 6 مليارات حُوّلت في 2023 من كوريا الجنوبيّة، وتشترطُ طهران أن يكون تسييلها خطوة أولى قبل التّوقيع.

– الصين والهند: تحتفظ بكّين بالكتلة الكبرى، البالغة نحو 20 مليار دولار، وهي ائتمانات نفطيّة مُقيّدة، وتليها الهند بنحو 7 مليارات دولار.

– العراق: تبلغ أرصدة صفقات الكهرباء لديه نحو 6 مليارات دولار، محتجزة تحت مراقبة مشدّدة من وزارة الخزانة الأميركيّة في مصرف التّجارة العراقي.

تكمُنُ العقدة التفاوضيّة هنا في “أزمةِ الثّقة”. يتخوّفُ الوفدُ المفاوضُ الإيرانيّ من تكرار تجارب الماضي، ويرفضُ “الوعود الشّفويّة”. لذلكَ تشير مصادر “أساس” إلى أنّ محافظ البنك المركزيّ الإيرانيّ وعضو الفريق المُفاوض عبدالنّاصر همّتي طالبَا بآليّة صرفٍ مُباشرة ومضمونة قانونيّاً تمنعُ واشنطن من إعادة تجميدِ الأموالِ الإيرانيّة مُستقبلاً تحت أيّ ظرفٍ.

لكنّ إدارة ترامب تتعامل مع “المليارات المُجمّدة” بوصفها “دفعات على الحسابِ”، لا تُصرف إلّا بالتّوازي مع خطواتٍ تنفيذيّة ملموسة تُقدّمها إيران على صعيد تفكيك أجهزة الطّرد المركزيّ وتأمين خطوطِ الملاحةِ البحريّة.

تبريد أم تأجيل؟

يقفُ الملفُّ الأميركيّ – الإيرانيّ أمام مفترقِ طُرقٍ حاسم. تعكسُ المؤشّرات الخارجةُ من واشنطُن وطهران حالةَ “الإنكار المتبادل” في العلن، والتوافق البراغماتيّ القسريّ في الغرف المغلقة.

إنّ “اتّفاق الـ60 يوماً” المتوقَّع هو بالدرجة الأولى مُحاولةٌ لـ “شراء الوقت” لمنعِ تفجّر الأوضاع عسكريّاً ولحمايةِ الاستقرارِ الاقتصاديّ الإقليميّ والدّوليّ.

لكنّ هذا المسار محفوف بهشاشة بالغة. إنّ تراجعَ لغةِ الصّواريخِ والمُسيّرات في مضيقِ هرمُز وموانئِ “بندر عبّاس” يظلّ مرهوناً بمدى التزام طهران تقديم تنازلات حقيقيّة في عمق منشآتها النوويّة، وهو ما قد يصطدم براديكاليّة الحرس الثوريّ وتوازنات القوى الداخليّة الإيرانيّة.

الأكيد أنّ المنطقةَ دخلت مرحلة اختبارِ النّيّات الأقسى، حيثُ تتَداخَل الأموال باليورانيوم المُخصّب، وحيث يظلّ خيار الحرب حاضراً ومستقرّاً على الطاولة ذاتها التي تُكتب عليها مسوّدات السّلام الهشّ.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار