وقف إطلاق النّار = احتلال من دون مقاومة!

على وقع عاملَيْن متناقضَين، جرت يوم الجمعة المفاوضات الأمنيّة بين الوفدين العسكريَّين اللبنانيّ والإسرائيليّ في مقرّ وزارة الدفاع الأميركيّة في واشنطن: التصعيد العسكريّ الإسرائيليّ في الجنوب اللبنانيّ، والتسريبات الغربيّة والإيرانيّة عن قرب التوصّل إلى اتّفاق إطار بين واشنطن وطهران يُقال أنّ وقف إطلاق النار في لبنان سيكون جزءاً منه.
خلال الأيّام القليلة الماضية، وسّعت إسرائيل دائرة احتلالها في جنوب لبنان، وتدفع بقوّاتها إلى مواقع جديدة، وتفرض وقائع ميدانيّة من خلال عمليّات الإخلاء القسريّ لقرى وبلدات بكاملها، بهدف رفع سقف الأثمان السياسيّة والأمنيّة التي سيُطلب من لبنان، ومن خلفه “الحزب”، دفعها مقابل أيّ انسحاب مستقبليّ.
لا تنظر تل أبيب إلى المناطق التي سيطرت عليها بوصفها مكاسب عسكريّة مؤقّتة، بل باعتبارها أوراق ضغط تفاوضيّة يمكن استثمارها على طاولة المفاوضات. كلّما اتّسعت رقعة الأراضي الواقعة تحت سيطرتها، ازدادت قدرتها على فرض شروطها المتعلّقة بالترتيبات الأمنيّة، آليّات المراقبة، وسلاح “الحزب”.
بالتوازي، كان الوسطاء الدوليّون والإقليميّون يضعون اللمسات الأخيرة على اتّفاق يُفترض أن يشكّل الإطار الناظم للعلاقة بين إدارة دونالد ترامب وإيران في المرحلة المقبلة. لا يقتصر هدف الاتّفاق على وقف الأعمال العسكريّة في الاقليم فحسب، بل يُراد له أن يمتدّ إلى الحدود اللبنانيّة ـ الإسرائيليّة، وتحديد الالتزامات المتبادلة التي تضمن هدوءاً طويل الأمد، ويراهن عليه “الحزب” ليلتقط أنفاسه.
ينظر “الحزب”، الذي استنزفته الحرب بشريّاً وعسكريّاً وماليّاً، إلى أيّ اتّفاق يؤدّي إلى وقف العمليّات العسكريّة بوصفه فرصة ثمينة لإعادة تنظيم صفوفه. يمنحه الوقت اللازم لإعادة ترتيب علاقاته داخل بيئته الحاضنة التي تحمّلت أعباء الحرب والنزوح والدمار، ولإعادة تقويم تجربة المواجهة وما أفرزته من تحوّلات في موازين القوى الداخليّة والإقليميّة.
من هنا، تبدو المفاوضات الجارية، بشقّيها السياسيّ والأمنيّ، أشبه بسباق بين منطِقين متناقضَين: منطق إسرائيليّ يسابق الوقت لتكريس أكبر قدر ممكن من الوقائع الميدانيّة قبل تثبيت أيّ تسوية، ومنطق يقوده “الحزب” وحلفاؤه يسعى إلى الوصول سريعاً إلى اتّفاق يوقف النزف ويمنحهم فرصة إعادة التموضع استعداداً لمرحلة سياسيّة وأمنيّة جديدة.
هل يلتزم “الحزب”؟
لكنّ الإشكاليّة الأساسيّة ليست في وقف النار بحدّ ذاته، بل في ما يليه. هل يعني أيّ اتّفاق محتمل أنّ “الحزب” سيذهب إلى تعليق عمليّاته العسكريّة بشكل كامل، بما يكرّس واقعاً أمنيّاً جديداً على الحدود؟ بمعنى آخر، هل يتحوّل وقف النار إلى تثبيت لوقائع جديدة على الأرض؟ ماذا سيقول “الحزب” لناسه بشأن احتلال 8% من مساحة لبنان وأكثر من 100 قرية تمّ إخلاؤها بسبب الإنذارات؟ هل يستسلم لواقع الاحتلال؟
وفق المعنيّين، سيلتزم “الحزب” وقف إطلاق النار لمدّة ستّين يوماً إذا جاء القرار على صهوة اتّفاق أميركيّ – إيرانيّ، وهذا يعني أنّ إسرائيل ستكرّس واقع احتلالها لعشرات القرى الجنوبيّة على نحو هادىء عسكريّاً من دون أيّ مواجهة من جانب “الحزب” الذي سيراهن من جديد على اتّفاق عميق وشامل بين واشنطن وطهران يُفترض أن يولد بعد مهلة الستّين يوماً ويكون لبنان جزءاً منه ويعيد صياغة دوره بعد الاحتفاظ بسلاحه.
يقول هؤلاء إنّ رفض “الحزب” لمنطق المفاوضات المباشرة التي تقودها الدولة يعود إلى رغبته بأن يتولّى بنفسه هذه المفاوضات، ولو بواسطة رئيس البرلمان نبيه برّي، لأنّه يريد توظيف الخطّ المفتوح بين طهران وواشنطن لتحسين موقعه فيما الدولة تفاوض على سلاحه.
وفق هؤلاء، صارت ولادة اتّفاق الإطار الأميركيّ – الإيرانيّ مسألة أيّام قليلة على أبعد تقدير، يسعى رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو إلى الاستفادة منها لتعميق احتلاله في الجنوب اللبنانيّ لأنّه يعرف أنّ وقف إطلاق النار سيشمل كلّ لبنان هذه المرّة. لهذا بات السؤال: ماذا بعد مهلة الستّين يوماً؟ هل يكون لبنان جزءاً من الاتّفاق الكبير بين واشنطن وطهران؟ ما الذي سيدفع الإسرائيليّ إلى الانسحاب من الجنوب؟ مقابل ماذا؟
المعضلة الكبرى التي يواجهها “الحزب” في هذه الجولة من الحرب أنّ الكلفة صارت كبيرة جدّاً، لا تشبه تلك التي تكبّدها في 2006 ولا في 2024، والأثمان ستُدفع من جيبه فقط. الخشية أن تخرج إيران من الحرب باتّفاق حدٍّ أدنى مع الولايات المتّحدة لا يعطي “الحزب” إلّا وقفاً لإطلاق النار لمدّة ستّين يوماً يُترك بعدها للتوحّش الإسرائيليّ.
ثلاث طبقات أمنيّة في الجنوب
شهدت الجبهة الجنوبيّة خلال اليومين الأخيرين تصعيداً ميدانيّاً لافتاً مع توسّع التوغّلات الإسرائيليّة إلى مناطق أبعد من نطاق العمليّات التقليديّة التي سادت خلال الأشهر الماضية. لم يعد الأمر مقتصراً على غارات جوّيّة أو عمليّات محدودة قرب الحدود، بل بات يتّخذ طابعاً أكثر عمقاً من خلال محاولات فرض واقع جغرافيّ وأمنيّ جديد داخل الجنوب اللبنانيّ.
تشير المعطيات الميدانيّة إلى أنّ الجيش الإسرائيليّ وسّع نطاق تحرّكاته البرّيّة في أكثر من محور، متجاوزاً في بعض المناطق الخطوط التي كانت تُعدّ سابقاً حدوداً غير معلنة للعمليّات العسكريّة. ترافق هذا التقدّم مع إنذارات إخلاء للسكّان من مناطق واسعة، وتصنيف مساحات إضافيّة من الجنوب مناطق قتال، فنشأت موجات نزوح جديدة وعاد إلى الواجهة مشهد القرى الفارغة التي تحوّلت إلى ساحات مفتوحة للعمليّات العسكريّة. هذا ما جعل من جغرافية الجنوب موزّعة إلى ثلاث طبقات:
في الطبقة الأولى، وهي “منطقة التماسّ المباشر”، تتمركز العمليّات الأكثر كثافة، وتشمل الشريط الحدوديّ والقرى المحاذية له مباشرة، حيث يتحوّل الوجود المدنيّ إلى وجود متقطّع أو شبه معدوم بفعل القصف المتكرّر وإنذارات الإخلاء. هذه المنطقة هي خطّ الاحتكاك اليوميّ الذي تُدار فيه العمليّات بوتيرة سريعة وغير مستقرّة.
في الطبقة الثانية، حيث “منطقة الضغط والإفراغ التدريجيّ”، تمتدّ العمليّات إلى نطاق أوسع داخل العمق الجنوبيّ القريب، ويتمّ استهداف البنى التحتيّة وطرق الحركة، فيحدث تفريغ تدريجيّ للبلدات الصغيرة والمتوسّطة الحجم من سكّانها. هذه المنطقة لا تُدار كمساحة سيطرة دائمة، بل كحزام تعطيل يمنع عودة الحياة الطبيعيّة ويُبقيها خارج معادلة الاستقرار.
أمّا الطبقة الثالثة فهي “منطقة العمق العمليّاتيّ المرن”، وتشمل القرى والبلدات الأبعد نسبيّاً عن خطّ التماسّ، حيث لا يوجد تمركز دائم، لكن يتم استخدامها بشكل متقطّع كمساحة تحرّك وضغط، وفق متطلّبات الميدان. تمثّل هذه المنطقة هامش المناورة الذي يُعاد تعريفه باستمرار تبعاً لتطوّر العمليّات.
وقف إطلاق النّار = احتلال من دون مقاومة!

على وقع عاملَيْن متناقضَين، جرت يوم الجمعة المفاوضات الأمنيّة بين الوفدين العسكريَّين اللبنانيّ والإسرائيليّ في مقرّ وزارة الدفاع الأميركيّة في واشنطن: التصعيد العسكريّ الإسرائيليّ في الجنوب اللبنانيّ، والتسريبات الغربيّة والإيرانيّة عن قرب التوصّل إلى اتّفاق إطار بين واشنطن وطهران يُقال أنّ وقف إطلاق النار في لبنان سيكون جزءاً منه.
خلال الأيّام القليلة الماضية، وسّعت إسرائيل دائرة احتلالها في جنوب لبنان، وتدفع بقوّاتها إلى مواقع جديدة، وتفرض وقائع ميدانيّة من خلال عمليّات الإخلاء القسريّ لقرى وبلدات بكاملها، بهدف رفع سقف الأثمان السياسيّة والأمنيّة التي سيُطلب من لبنان، ومن خلفه “الحزب”، دفعها مقابل أيّ انسحاب مستقبليّ.
لا تنظر تل أبيب إلى المناطق التي سيطرت عليها بوصفها مكاسب عسكريّة مؤقّتة، بل باعتبارها أوراق ضغط تفاوضيّة يمكن استثمارها على طاولة المفاوضات. كلّما اتّسعت رقعة الأراضي الواقعة تحت سيطرتها، ازدادت قدرتها على فرض شروطها المتعلّقة بالترتيبات الأمنيّة، آليّات المراقبة، وسلاح “الحزب”.
بالتوازي، كان الوسطاء الدوليّون والإقليميّون يضعون اللمسات الأخيرة على اتّفاق يُفترض أن يشكّل الإطار الناظم للعلاقة بين إدارة دونالد ترامب وإيران في المرحلة المقبلة. لا يقتصر هدف الاتّفاق على وقف الأعمال العسكريّة في الاقليم فحسب، بل يُراد له أن يمتدّ إلى الحدود اللبنانيّة ـ الإسرائيليّة، وتحديد الالتزامات المتبادلة التي تضمن هدوءاً طويل الأمد، ويراهن عليه “الحزب” ليلتقط أنفاسه.
ينظر “الحزب”، الذي استنزفته الحرب بشريّاً وعسكريّاً وماليّاً، إلى أيّ اتّفاق يؤدّي إلى وقف العمليّات العسكريّة بوصفه فرصة ثمينة لإعادة تنظيم صفوفه. يمنحه الوقت اللازم لإعادة ترتيب علاقاته داخل بيئته الحاضنة التي تحمّلت أعباء الحرب والنزوح والدمار، ولإعادة تقويم تجربة المواجهة وما أفرزته من تحوّلات في موازين القوى الداخليّة والإقليميّة.
من هنا، تبدو المفاوضات الجارية، بشقّيها السياسيّ والأمنيّ، أشبه بسباق بين منطِقين متناقضَين: منطق إسرائيليّ يسابق الوقت لتكريس أكبر قدر ممكن من الوقائع الميدانيّة قبل تثبيت أيّ تسوية، ومنطق يقوده “الحزب” وحلفاؤه يسعى إلى الوصول سريعاً إلى اتّفاق يوقف النزف ويمنحهم فرصة إعادة التموضع استعداداً لمرحلة سياسيّة وأمنيّة جديدة.
هل يلتزم “الحزب”؟
لكنّ الإشكاليّة الأساسيّة ليست في وقف النار بحدّ ذاته، بل في ما يليه. هل يعني أيّ اتّفاق محتمل أنّ “الحزب” سيذهب إلى تعليق عمليّاته العسكريّة بشكل كامل، بما يكرّس واقعاً أمنيّاً جديداً على الحدود؟ بمعنى آخر، هل يتحوّل وقف النار إلى تثبيت لوقائع جديدة على الأرض؟ ماذا سيقول “الحزب” لناسه بشأن احتلال 8% من مساحة لبنان وأكثر من 100 قرية تمّ إخلاؤها بسبب الإنذارات؟ هل يستسلم لواقع الاحتلال؟
وفق المعنيّين، سيلتزم “الحزب” وقف إطلاق النار لمدّة ستّين يوماً إذا جاء القرار على صهوة اتّفاق أميركيّ – إيرانيّ، وهذا يعني أنّ إسرائيل ستكرّس واقع احتلالها لعشرات القرى الجنوبيّة على نحو هادىء عسكريّاً من دون أيّ مواجهة من جانب “الحزب” الذي سيراهن من جديد على اتّفاق عميق وشامل بين واشنطن وطهران يُفترض أن يولد بعد مهلة الستّين يوماً ويكون لبنان جزءاً منه ويعيد صياغة دوره بعد الاحتفاظ بسلاحه.
يقول هؤلاء إنّ رفض “الحزب” لمنطق المفاوضات المباشرة التي تقودها الدولة يعود إلى رغبته بأن يتولّى بنفسه هذه المفاوضات، ولو بواسطة رئيس البرلمان نبيه برّي، لأنّه يريد توظيف الخطّ المفتوح بين طهران وواشنطن لتحسين موقعه فيما الدولة تفاوض على سلاحه.
وفق هؤلاء، صارت ولادة اتّفاق الإطار الأميركيّ – الإيرانيّ مسألة أيّام قليلة على أبعد تقدير، يسعى رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو إلى الاستفادة منها لتعميق احتلاله في الجنوب اللبنانيّ لأنّه يعرف أنّ وقف إطلاق النار سيشمل كلّ لبنان هذه المرّة. لهذا بات السؤال: ماذا بعد مهلة الستّين يوماً؟ هل يكون لبنان جزءاً من الاتّفاق الكبير بين واشنطن وطهران؟ ما الذي سيدفع الإسرائيليّ إلى الانسحاب من الجنوب؟ مقابل ماذا؟
المعضلة الكبرى التي يواجهها “الحزب” في هذه الجولة من الحرب أنّ الكلفة صارت كبيرة جدّاً، لا تشبه تلك التي تكبّدها في 2006 ولا في 2024، والأثمان ستُدفع من جيبه فقط. الخشية أن تخرج إيران من الحرب باتّفاق حدٍّ أدنى مع الولايات المتّحدة لا يعطي “الحزب” إلّا وقفاً لإطلاق النار لمدّة ستّين يوماً يُترك بعدها للتوحّش الإسرائيليّ.
ثلاث طبقات أمنيّة في الجنوب
شهدت الجبهة الجنوبيّة خلال اليومين الأخيرين تصعيداً ميدانيّاً لافتاً مع توسّع التوغّلات الإسرائيليّة إلى مناطق أبعد من نطاق العمليّات التقليديّة التي سادت خلال الأشهر الماضية. لم يعد الأمر مقتصراً على غارات جوّيّة أو عمليّات محدودة قرب الحدود، بل بات يتّخذ طابعاً أكثر عمقاً من خلال محاولات فرض واقع جغرافيّ وأمنيّ جديد داخل الجنوب اللبنانيّ.
تشير المعطيات الميدانيّة إلى أنّ الجيش الإسرائيليّ وسّع نطاق تحرّكاته البرّيّة في أكثر من محور، متجاوزاً في بعض المناطق الخطوط التي كانت تُعدّ سابقاً حدوداً غير معلنة للعمليّات العسكريّة. ترافق هذا التقدّم مع إنذارات إخلاء للسكّان من مناطق واسعة، وتصنيف مساحات إضافيّة من الجنوب مناطق قتال، فنشأت موجات نزوح جديدة وعاد إلى الواجهة مشهد القرى الفارغة التي تحوّلت إلى ساحات مفتوحة للعمليّات العسكريّة. هذا ما جعل من جغرافية الجنوب موزّعة إلى ثلاث طبقات:
في الطبقة الأولى، وهي “منطقة التماسّ المباشر”، تتمركز العمليّات الأكثر كثافة، وتشمل الشريط الحدوديّ والقرى المحاذية له مباشرة، حيث يتحوّل الوجود المدنيّ إلى وجود متقطّع أو شبه معدوم بفعل القصف المتكرّر وإنذارات الإخلاء. هذه المنطقة هي خطّ الاحتكاك اليوميّ الذي تُدار فيه العمليّات بوتيرة سريعة وغير مستقرّة.
في الطبقة الثانية، حيث “منطقة الضغط والإفراغ التدريجيّ”، تمتدّ العمليّات إلى نطاق أوسع داخل العمق الجنوبيّ القريب، ويتمّ استهداف البنى التحتيّة وطرق الحركة، فيحدث تفريغ تدريجيّ للبلدات الصغيرة والمتوسّطة الحجم من سكّانها. هذه المنطقة لا تُدار كمساحة سيطرة دائمة، بل كحزام تعطيل يمنع عودة الحياة الطبيعيّة ويُبقيها خارج معادلة الاستقرار.
أمّا الطبقة الثالثة فهي “منطقة العمق العمليّاتيّ المرن”، وتشمل القرى والبلدات الأبعد نسبيّاً عن خطّ التماسّ، حيث لا يوجد تمركز دائم، لكن يتم استخدامها بشكل متقطّع كمساحة تحرّك وضغط، وفق متطلّبات الميدان. تمثّل هذه المنطقة هامش المناورة الذي يُعاد تعريفه باستمرار تبعاً لتطوّر العمليّات.









