هل يسعى لبنان إلى توسيع الضامنين الدوليين في المفاوضات مع إسرائيل؟

الكاتب: سمير تويني | المصدر: النهار
1 حزيران 2026

يجد لبنان نفسه اليوم أمام معادلة دقيقة: فمن جهة، لا يمكن تجاوز الدور الأميركي في أي مسار تفاوضي مع إسرائيل؛ ومن جهة أخرى، يتزايد الشعور داخل أوساط سياسية لبنانية بأن ترك الملف حصراً في يد واشنطن يعرّض مصالح لبنان لمعادلةٍ غير متوازنة، بحكم الانحياز البنيوي الأميركي لإسرائيل. هنا تحديداً يبرز السؤال: هل مصلحة لبنان في الاستفراد الأميركي بالوساطة، أم في بناء إطارٍ تفاوضي أوسع تشارك فيه قوى دولية مثل فرنسا، ألمانيا وبريطانيا؟

لا يمكن تجاوز النفوذ الاميركي، فـ الولايات المتحدة تمتلك ثلاثة عناصر تجعلها الوسيط الأكثر تاثيراً في الشرق الاوسط. وهي تتمتع بقدرة الضغط المباشرة على إسرائيل سياسياً وعسكرياً واقتصاديا. وهي تمسك بخيوط التوازنات الإقليمية من إيران إلى الخليج. ولديها سجل تفاوضي سابق في الملف اللبناني كان آخره ترسيم الحدود البحرية بين لبنان واسرائيل. وهذا يعني أن أي مسار تفاوضي واقعي لا يمكن أن يتجاهل واشنطن، بل غالباً ما يحتاج إلى رعايتها كي ينتقل من مستوى الأفكار” إلى مستوى “الاتفاقات”.

 

لكن واشنطن منحازة بشكل هيكلي الى اسرائيل، ويخشى كثيرون في لبنان أن يؤدي الاستفراد الأميركي بالملف إلى إنتاج تسوية “مقبولة دولياً” لكنها منقوصة لبنانياً، خصوصاً في ما يتعلق بالنقاط البرية المتنازع عليها وترتيبات الأمن على الحدود.

في مواجهة دولة مثل إسرائيل مدعومة أميركياً، يصبح الخطر مضاعفاً إذا كان الوسيط الوحيد هو الحليف الاستراتيجي للطرف الأقوى. هنا، لا يعود التفاوض مجرد بحث عن حلول، بل يصبح إدارةً لميزان قوى مختلّ سلفاً نظراً الى غياب الضامن المتوازن. وإذا كان الضامن هو نفسه الحليف الأقرب لإسرائيل، فإن لبنان يخسر ورقة مهمة: إمكان اللجوء إلى طرفٍ دولي آخر عند الخلاف على تفسير بنود الاتفاق أو تطبيقها. إن غياب تعددية الضامنين يعني أن أي نزاع مستقبلي سيُحسم وفق ميزان القوى. ولذا تحولت فرنسا من “صديقٍ تاريخي” الى “شريكٍ تفاوضي” وهي ليست مجرد دولة صديقة للبنان فحسب بل أيضاً قوة رئيسية في “اليونيفيل”، ما يمنحها حضوراً ميدانياً على الحدود بالاضافة الى أنها عضو في مجلس الامن ولها حق “النقض”. وهي شريك تقليدي للجيش اللبناني، وطرف يمكن أن يكون مرجعاً في النقاط الخلافية، وهذا الموقع يسمح لباريس بأن تلعب دوراً مزدوجاً

تقنياً- قانونياً في ما يتعلق بالخرائط والحدود،

وسياسياً ضامناً في ما يتعلق بالترتيبات الامنية والاقتصادية بعد أي اتفاق.

كما يمكن السلطات اللبنانية الاستعانة بألمانيا وبريطانيا لأنهما تشكلان قوة دعم لا يجب الاستهانة بها. قد لا تكونان في الواجهة، لكنهما تمتلكان خبرةً تقنية في ملفات الترسيم والحدود، وقدرةً على التأثير في مواقف الاتحاد الأوروبي ولهما علاقات متينة مع إسرائيل، يمكن توظيفها في اتجاه أكثر توازناً من العلاقة الأميركية-الإسرائيلية.

إذن منطق “التعددية التفاوضية” هو لمصلحة لبنان. ويجب التعويل على توزيع الادوار لا تضاربها. وليس مطلوباً من لبنان أن يستبدل واشنطن بباريس أو برلين أو لندن، بل أن يستفيد من النفوذ الاميركي على اسرائيل لدفع العملية التفاوضية والاستفادة من الحضور الاوروبي لصياغة اتفاق اكثر توازناً، ولتأمين ضمانات متعددة الطرف.

بهذا المعنى، تتحول الوساطة من “استفراد” إلى “شبكة”، ومن “ضغط من طرف واحد” إلى “توازن ضغوط”.

وعلى السلطات اللبنانية البحث عن شرعية دولية أوسع لأي اتفاق، أي اتفاق يصاغ برعاية أميركية- أوروبية مشتركة، ويحظى بدعمٍ أممي سيكون على أي طرف أن يتراجع عنه. وسيكون أسهل على لبنان أن يدافع عنه في الداخل، باعتباره ثمرة توازن دولي لا صفقة ثنائية مفروضة توازناً.

المصلحة الاستراتيجية للبنان لا تكمن في استبدال وسيط بآخر بل بهندسة مسار تفاوضي متعدد الطرف، يدمج بين نفوذ واشنطن وقدرة أوروبا على لعب دور الضامن المتوازن. بهذا فقط يمكن لبنان أن يحوّل منطق “التسوية المفروضة” إلى “اتفاقٍ متوازن”، وأن يحمي حدوده وحقوقه في لحظة إقليمية شديدة الهشاشة…

هل يسعى لبنان إلى توسيع الضامنين الدوليين في المفاوضات مع إسرائيل؟

الكاتب: سمير تويني | المصدر: النهار
1 حزيران 2026

يجد لبنان نفسه اليوم أمام معادلة دقيقة: فمن جهة، لا يمكن تجاوز الدور الأميركي في أي مسار تفاوضي مع إسرائيل؛ ومن جهة أخرى، يتزايد الشعور داخل أوساط سياسية لبنانية بأن ترك الملف حصراً في يد واشنطن يعرّض مصالح لبنان لمعادلةٍ غير متوازنة، بحكم الانحياز البنيوي الأميركي لإسرائيل. هنا تحديداً يبرز السؤال: هل مصلحة لبنان في الاستفراد الأميركي بالوساطة، أم في بناء إطارٍ تفاوضي أوسع تشارك فيه قوى دولية مثل فرنسا، ألمانيا وبريطانيا؟

لا يمكن تجاوز النفوذ الاميركي، فـ الولايات المتحدة تمتلك ثلاثة عناصر تجعلها الوسيط الأكثر تاثيراً في الشرق الاوسط. وهي تتمتع بقدرة الضغط المباشرة على إسرائيل سياسياً وعسكرياً واقتصاديا. وهي تمسك بخيوط التوازنات الإقليمية من إيران إلى الخليج. ولديها سجل تفاوضي سابق في الملف اللبناني كان آخره ترسيم الحدود البحرية بين لبنان واسرائيل. وهذا يعني أن أي مسار تفاوضي واقعي لا يمكن أن يتجاهل واشنطن، بل غالباً ما يحتاج إلى رعايتها كي ينتقل من مستوى الأفكار” إلى مستوى “الاتفاقات”.

 

لكن واشنطن منحازة بشكل هيكلي الى اسرائيل، ويخشى كثيرون في لبنان أن يؤدي الاستفراد الأميركي بالملف إلى إنتاج تسوية “مقبولة دولياً” لكنها منقوصة لبنانياً، خصوصاً في ما يتعلق بالنقاط البرية المتنازع عليها وترتيبات الأمن على الحدود.

في مواجهة دولة مثل إسرائيل مدعومة أميركياً، يصبح الخطر مضاعفاً إذا كان الوسيط الوحيد هو الحليف الاستراتيجي للطرف الأقوى. هنا، لا يعود التفاوض مجرد بحث عن حلول، بل يصبح إدارةً لميزان قوى مختلّ سلفاً نظراً الى غياب الضامن المتوازن. وإذا كان الضامن هو نفسه الحليف الأقرب لإسرائيل، فإن لبنان يخسر ورقة مهمة: إمكان اللجوء إلى طرفٍ دولي آخر عند الخلاف على تفسير بنود الاتفاق أو تطبيقها. إن غياب تعددية الضامنين يعني أن أي نزاع مستقبلي سيُحسم وفق ميزان القوى. ولذا تحولت فرنسا من “صديقٍ تاريخي” الى “شريكٍ تفاوضي” وهي ليست مجرد دولة صديقة للبنان فحسب بل أيضاً قوة رئيسية في “اليونيفيل”، ما يمنحها حضوراً ميدانياً على الحدود بالاضافة الى أنها عضو في مجلس الامن ولها حق “النقض”. وهي شريك تقليدي للجيش اللبناني، وطرف يمكن أن يكون مرجعاً في النقاط الخلافية، وهذا الموقع يسمح لباريس بأن تلعب دوراً مزدوجاً

تقنياً- قانونياً في ما يتعلق بالخرائط والحدود،

وسياسياً ضامناً في ما يتعلق بالترتيبات الامنية والاقتصادية بعد أي اتفاق.

كما يمكن السلطات اللبنانية الاستعانة بألمانيا وبريطانيا لأنهما تشكلان قوة دعم لا يجب الاستهانة بها. قد لا تكونان في الواجهة، لكنهما تمتلكان خبرةً تقنية في ملفات الترسيم والحدود، وقدرةً على التأثير في مواقف الاتحاد الأوروبي ولهما علاقات متينة مع إسرائيل، يمكن توظيفها في اتجاه أكثر توازناً من العلاقة الأميركية-الإسرائيلية.

إذن منطق “التعددية التفاوضية” هو لمصلحة لبنان. ويجب التعويل على توزيع الادوار لا تضاربها. وليس مطلوباً من لبنان أن يستبدل واشنطن بباريس أو برلين أو لندن، بل أن يستفيد من النفوذ الاميركي على اسرائيل لدفع العملية التفاوضية والاستفادة من الحضور الاوروبي لصياغة اتفاق اكثر توازناً، ولتأمين ضمانات متعددة الطرف.

بهذا المعنى، تتحول الوساطة من “استفراد” إلى “شبكة”، ومن “ضغط من طرف واحد” إلى “توازن ضغوط”.

وعلى السلطات اللبنانية البحث عن شرعية دولية أوسع لأي اتفاق، أي اتفاق يصاغ برعاية أميركية- أوروبية مشتركة، ويحظى بدعمٍ أممي سيكون على أي طرف أن يتراجع عنه. وسيكون أسهل على لبنان أن يدافع عنه في الداخل، باعتباره ثمرة توازن دولي لا صفقة ثنائية مفروضة توازناً.

المصلحة الاستراتيجية للبنان لا تكمن في استبدال وسيط بآخر بل بهندسة مسار تفاوضي متعدد الطرف، يدمج بين نفوذ واشنطن وقدرة أوروبا على لعب دور الضامن المتوازن. بهذا فقط يمكن لبنان أن يحوّل منطق “التسوية المفروضة” إلى “اتفاقٍ متوازن”، وأن يحمي حدوده وحقوقه في لحظة إقليمية شديدة الهشاشة…

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار