تركيا- السعودية- قطر وتفاهمات الإقليم: من يطفئ خاصرة لبنان؟

إنها حرب إسرائيلية أميركية مشتركة لتغيير وجه المنطقة والمشرق العربي خصوصاً. حرب تُخاض المفاوضات بشأن إنهائها بالنار أو بالحصار. يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض حصاره على إيران، وكما يقول بوضوح فهو غير مستعجل، ربما يعتبر أنه كلما أطال الحصار بدأت نتائجه تظهر اقتصادياً على إيران وعلى الصين، وعلى دول العالم أيضاً. الضغط الأميركي في هرمز لا يطال إيران والصين فقط، بل يشكل عنصر ضغط على دول الخليج التي دعاها ترامب بوضوح إلى الدخول في مشروع اتفاقيات أبراهام، وهو ما ترفضه السعودية وقطر. أما في لبنان فإن الغطاء الأميركي لا يزال ممنوحاً لإسرائيل بمواصلة عمليتها العسكرية وتعميقها، بغض النظر عن المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية ومسارها، وبغض النظر عن كل المساعي المبذولة ديبلوماسياً لأجل الوصول إلى وقف لإطلاق النار.
أي وقف للنار؟
لا يزال لبنان يجري اتصالات بحثاً عن وقف للنار، وهو ما يسعى إليه مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. لكن إسرائيل تعلن مواصلة عمليتها وتعميقها، بينما الأميركيون يبلغون لبنان باستعدادهم للوصول إلى وقف النار، إلا أن ذلك يبقى مشروطاً بخطوات فعلية تتخذها الدولة اللبنانية أولاً لمنع حزب الله من مواصلة عملياته ضد القوات الإسرائيلية، بما فيها تلك المتوغلة داخل الأراضي اللبنانية وحتى في شمال نهر الليطاني. ثانياً، من خلال اتخاذ قرار واضح للجيش ودفعه للدخول إلى الضاحية الجنوبية لبيروت والسيطرة عليها، والدخول إلى صور والنبطية مثلاً وتفكيك بنية حزب الله منها. أي المقصود أميركياً هنا أن يبدأ الجيش خطوات عملانية في عملية سحب سلاح الحزب. لكن أي وقف لإطلاق النار لا يبدو مرتبطاً بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها، وهو ما يدفع تل أبيب لتوسيع نطاق سيطرتها وتسريع عمليتها العسكرية لتحقيق المزيد من عمليات القضم وتكريس أمر واقع قبل حصول أي تطور يتعلق بإجبارها على وقف النار.
خريطة جديدة
كلام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول إزالة تهديد حزب الله، وقوله إن المعركة تحتاج إلى مزيد من الوقت، إضافة إلى كلامه على استمرار العمل في جنوب لبنان وفي سوريا أيضاً، يشير إلى أن حرب نتنياهو أبعد بكثير من إزالة التهديدات، وأنها فعلاً ترتبط بمسار إسرائيلي واضح لإعادة رسم خريطة المنطقة سياسياً وجغرافياً.
ففي جنوب لبنان يواصل الإسرائيليون عملية مزج الجغرافيا اللبنانية بالسورية، وفي سوريا يواصلون عمليات التوغل باتجاه قرىً وبلدات في محافظتي القنيطرة ودرعا. وأن يتحدث نتنياهو عن مواصلة العمل في سوريا، يعني أن أهدافه ذات مدىً أبعد، تتصل بفرض واقع عسكري وسياسي جديد على سوريا كما لبنان ودفعهما إلى اتفاق سلام معه بناء على هذا الوضع العسكري.
مهمّة باراك
إصرار نتنياهو في حديثه عن مواصلة العمل في سوريا، يطرح الكثير من التساؤلات المتعلقة بالوضع السوري، بينما كانت هناك مساعٍ جدية وحثيثة يبذلها المبعوث الأميركي توم باراك سعياً إلى تفاهمات وتجديد مسار المفاوضات، من أجل التوصل إلى اتفاق ترتيبات أمنية سورية إسرائيلية. في هذا السياق، جاء الخبر من واشنطن، عن أن باراك أنهى مهلة عمله كمبعوث لسوريا، لكنه سيواصل لعب دور أساسي في ملفات سوريا، تركيا والعراق، وفق ما أكد وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو. ووفق مصادر، فإن باراك سيواصل مهامه، ولكن بصفة جديدة قد تكون “منسقاً لشؤون السلام والأمن” في المنطقة، وهي تشمل ملفات سوريا، تركيا، العراق، إسرائيل ومن الممكن أن يكون له صلة بالملف اللبناني.
لا شك في أن هناك الكثير من الاعتراضات داخل أميركا وحتى داخل إسرائيل على أداء باراك وموقفه الذي يوفر الدعم الكامل للسلطة السورية الجديدة، كما أن بعض الإسرائيليين يتهمونه بأنه ينظر إلى المنطقة من منظور تركي. لذلك يتعرض باراك دوماً لضغوط إسرائيلية داخل أميركا لأجل تقويض عمله أو إنهائه، علماً أن ذلك سيكون مرتبطاً بمدى إمكان الوصول إلى تفاهمات بين تركيا وإسرائيل حول سوريا والمنطقة. هذا ما سيلعب باراك دوراً أساسياً فيه، وهو كان قد عمل على ذلك ونجح في تهدئة الأوضاع نسبياً، بينما يتضح المزيد من التقدم التركي في سوريا، من خلال تزويد الجيش السوري بالمزيد من المعدات العسكرية، وإدخال تركيا بطاريات أنظمة دفاع جوي إلى سوريا، وتحديداً الساحل وحمص.
حرب بلا أفق؟
ذلك أيضاً، لا ينفصل عن موقف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الذي تحدث عن استعداد للتفاهم مع إسرائيل، ولكن ضمن شروط سقف الموقف العربي والإسلامي المرتبط بحل الدولتين، وحق الشعب الفلسطيني بدولته المستقلة. فأي مسار جدي من هذا النوع يمكنه أن يدفع دول المنطقة إلى التفاهم مع إسرائيل، وذلك لا يبدو وارداً بالنسبة إلى نتنياهو في هذه المرحلة، لأنه يصر على مواصلة الحرب في ظل رفضه المطلق للدولة الفلسطينية.
عملياً، تحاول تركيا، مع دول الخليج العربي ولا سيما السعودية وقطر، إضافة إلى مصر وباكستان، العمل على تشكيل نوع من مظلة إقليمية، تسعى مع الأميركيين لوقف الحرب على إيران، وإلى وقف الحرب الإسرائيلية على المنطقة. وإذ تحاول واشنطن فصل ملف لبنان بالكامل عن إيران، فلا بد لدول أخرى أن تهتم بالملف اللبناني، لا سيما دول خليجية مثل السعودية وقطر التي تبذل جهوداً لوقف النار، إذ تنسق الدولتان مع فرنسا والولايات المتحدة الأميركية لذلك، كما أن تركيا تستعد للدخول على الخط انطلاقاً من دورها في سوريا. وما لم تتوافر الظروف والمقومات لفرض وقف إطلاق النار، فالمنطقة ستكون قابعة في حرب لا نهاية لها في الأفق.
تركيا- السعودية- قطر وتفاهمات الإقليم: من يطفئ خاصرة لبنان؟

إنها حرب إسرائيلية أميركية مشتركة لتغيير وجه المنطقة والمشرق العربي خصوصاً. حرب تُخاض المفاوضات بشأن إنهائها بالنار أو بالحصار. يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض حصاره على إيران، وكما يقول بوضوح فهو غير مستعجل، ربما يعتبر أنه كلما أطال الحصار بدأت نتائجه تظهر اقتصادياً على إيران وعلى الصين، وعلى دول العالم أيضاً. الضغط الأميركي في هرمز لا يطال إيران والصين فقط، بل يشكل عنصر ضغط على دول الخليج التي دعاها ترامب بوضوح إلى الدخول في مشروع اتفاقيات أبراهام، وهو ما ترفضه السعودية وقطر. أما في لبنان فإن الغطاء الأميركي لا يزال ممنوحاً لإسرائيل بمواصلة عمليتها العسكرية وتعميقها، بغض النظر عن المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية ومسارها، وبغض النظر عن كل المساعي المبذولة ديبلوماسياً لأجل الوصول إلى وقف لإطلاق النار.
أي وقف للنار؟
لا يزال لبنان يجري اتصالات بحثاً عن وقف للنار، وهو ما يسعى إليه مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. لكن إسرائيل تعلن مواصلة عمليتها وتعميقها، بينما الأميركيون يبلغون لبنان باستعدادهم للوصول إلى وقف النار، إلا أن ذلك يبقى مشروطاً بخطوات فعلية تتخذها الدولة اللبنانية أولاً لمنع حزب الله من مواصلة عملياته ضد القوات الإسرائيلية، بما فيها تلك المتوغلة داخل الأراضي اللبنانية وحتى في شمال نهر الليطاني. ثانياً، من خلال اتخاذ قرار واضح للجيش ودفعه للدخول إلى الضاحية الجنوبية لبيروت والسيطرة عليها، والدخول إلى صور والنبطية مثلاً وتفكيك بنية حزب الله منها. أي المقصود أميركياً هنا أن يبدأ الجيش خطوات عملانية في عملية سحب سلاح الحزب. لكن أي وقف لإطلاق النار لا يبدو مرتبطاً بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها، وهو ما يدفع تل أبيب لتوسيع نطاق سيطرتها وتسريع عمليتها العسكرية لتحقيق المزيد من عمليات القضم وتكريس أمر واقع قبل حصول أي تطور يتعلق بإجبارها على وقف النار.
خريطة جديدة
كلام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول إزالة تهديد حزب الله، وقوله إن المعركة تحتاج إلى مزيد من الوقت، إضافة إلى كلامه على استمرار العمل في جنوب لبنان وفي سوريا أيضاً، يشير إلى أن حرب نتنياهو أبعد بكثير من إزالة التهديدات، وأنها فعلاً ترتبط بمسار إسرائيلي واضح لإعادة رسم خريطة المنطقة سياسياً وجغرافياً.
ففي جنوب لبنان يواصل الإسرائيليون عملية مزج الجغرافيا اللبنانية بالسورية، وفي سوريا يواصلون عمليات التوغل باتجاه قرىً وبلدات في محافظتي القنيطرة ودرعا. وأن يتحدث نتنياهو عن مواصلة العمل في سوريا، يعني أن أهدافه ذات مدىً أبعد، تتصل بفرض واقع عسكري وسياسي جديد على سوريا كما لبنان ودفعهما إلى اتفاق سلام معه بناء على هذا الوضع العسكري.
مهمّة باراك
إصرار نتنياهو في حديثه عن مواصلة العمل في سوريا، يطرح الكثير من التساؤلات المتعلقة بالوضع السوري، بينما كانت هناك مساعٍ جدية وحثيثة يبذلها المبعوث الأميركي توم باراك سعياً إلى تفاهمات وتجديد مسار المفاوضات، من أجل التوصل إلى اتفاق ترتيبات أمنية سورية إسرائيلية. في هذا السياق، جاء الخبر من واشنطن، عن أن باراك أنهى مهلة عمله كمبعوث لسوريا، لكنه سيواصل لعب دور أساسي في ملفات سوريا، تركيا والعراق، وفق ما أكد وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو. ووفق مصادر، فإن باراك سيواصل مهامه، ولكن بصفة جديدة قد تكون “منسقاً لشؤون السلام والأمن” في المنطقة، وهي تشمل ملفات سوريا، تركيا، العراق، إسرائيل ومن الممكن أن يكون له صلة بالملف اللبناني.
لا شك في أن هناك الكثير من الاعتراضات داخل أميركا وحتى داخل إسرائيل على أداء باراك وموقفه الذي يوفر الدعم الكامل للسلطة السورية الجديدة، كما أن بعض الإسرائيليين يتهمونه بأنه ينظر إلى المنطقة من منظور تركي. لذلك يتعرض باراك دوماً لضغوط إسرائيلية داخل أميركا لأجل تقويض عمله أو إنهائه، علماً أن ذلك سيكون مرتبطاً بمدى إمكان الوصول إلى تفاهمات بين تركيا وإسرائيل حول سوريا والمنطقة. هذا ما سيلعب باراك دوراً أساسياً فيه، وهو كان قد عمل على ذلك ونجح في تهدئة الأوضاع نسبياً، بينما يتضح المزيد من التقدم التركي في سوريا، من خلال تزويد الجيش السوري بالمزيد من المعدات العسكرية، وإدخال تركيا بطاريات أنظمة دفاع جوي إلى سوريا، وتحديداً الساحل وحمص.
حرب بلا أفق؟
ذلك أيضاً، لا ينفصل عن موقف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الذي تحدث عن استعداد للتفاهم مع إسرائيل، ولكن ضمن شروط سقف الموقف العربي والإسلامي المرتبط بحل الدولتين، وحق الشعب الفلسطيني بدولته المستقلة. فأي مسار جدي من هذا النوع يمكنه أن يدفع دول المنطقة إلى التفاهم مع إسرائيل، وذلك لا يبدو وارداً بالنسبة إلى نتنياهو في هذه المرحلة، لأنه يصر على مواصلة الحرب في ظل رفضه المطلق للدولة الفلسطينية.
عملياً، تحاول تركيا، مع دول الخليج العربي ولا سيما السعودية وقطر، إضافة إلى مصر وباكستان، العمل على تشكيل نوع من مظلة إقليمية، تسعى مع الأميركيين لوقف الحرب على إيران، وإلى وقف الحرب الإسرائيلية على المنطقة. وإذ تحاول واشنطن فصل ملف لبنان بالكامل عن إيران، فلا بد لدول أخرى أن تهتم بالملف اللبناني، لا سيما دول خليجية مثل السعودية وقطر التي تبذل جهوداً لوقف النار، إذ تنسق الدولتان مع فرنسا والولايات المتحدة الأميركية لذلك، كما أن تركيا تستعد للدخول على الخط انطلاقاً من دورها في سوريا. وما لم تتوافر الظروف والمقومات لفرض وقف إطلاق النار، فالمنطقة ستكون قابعة في حرب لا نهاية لها في الأفق.



