بين مطرقة الميدان وسندان التفاوض… هل تنجح واشنطن في إنقاذ الهدنة؟

لم يستطع المترجمون أن يفلحوا في إيصال الفكرة إلى أعضاء الوفدين الأميركي والإسرائيلي إلى مفاوضات واشنطن، التي يعتمد عليها الرئيس نبيه بري في أي مسألة تحتمل التأويل والتأجيل والمماطلة والمناورة، وهي ألاّ يقول المرء “فولًا قبل أن يصبح في المكيول”، وهذا يعني كترجمة حرفية لما يصدر عن لقاءات واشنطن أن أي حديث عن وقف إطلاق النار لن يكون جدّيًا ما لم توقف
إسرائيل مواصلة قصف البلدات والقرى الجنوبية وليس الاكتفاء بالامتناع عن استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، باعتبار أن الجنوب ليس جزيرة منفصلة عن لبنان، إذ أن ما يصيبه يصيب كل الوطن.
ففي خضم مفاوضات شاقة ناتجة عن وضع معقد ومركب ومتشعب لم تعد تقتصر مندرجاته على بعض التفاصيل الهامشية أحيانًا والجوهرية أحيانًا أخرى للمسار التفاوضي اللبناني – الإسرائيلي، بل دخلت على خط التسويات المطروحة عوامل كثيرة، ومن بينها حسابات نتنياهو الداخلية، وهواجس لبنان المتنقلة ما بين همّ إنهاء الاحتلال من جهة وكيفية ترجمة القرارات الحكومية في شأن “حصرية السلاح” في يد القوى الشرعية دون غيرها من قوى الأمر الواقع من جهة ثانية، فيما لا تزال واشنطن تراهن على مدى إمكانية نجاح الضغوطات، التي مارسها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على نتنياهو مقابل قيام طهران بدور مماثل والضغط على “حزب الله” للسير بالتسوية، التي تعمل عليها الإدارة الأميركية في إطار عملية واسعة تشمل دول المنطقة بأسرها، ومن ضمنها لبنان.
فالمفاوضات الجارية في واشنطن شاقة جدّا، وكادت المراوغة الإسرائيلية أن تطيح بها لولا تدّخل مباشر من وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو، الذي نجح في اقناع رئيس الوفد اللبناني سيمون كرم بالعودة إلى طاولة البحث بعدما كان قد طلب تعليقها اعتراضًا على ما لمسه مما كان يسعى إليه الوفد الإسرائيلي لجهة فرض شروطه التفاوضية، على رغم علم الوفد اللبناني أنه قد ذهب إلى العاصمة الأميركية وهو لا يملك أي ورقة ضغط عسكرية لوقف الآلة الحربية الإسرائيلية، متكلًا على إصرار الرئيس الأميركي على تسجيل إنجاز، لا سيما بعد تدخله الشخصي الذي أفضى إلى تجنب ضربات كانت ستطال الضاحية الجنوبية لبيروت بصورة عنيفة، فاستطاع بذلك أن يؤّمن حماية كافية لها بعدما لمس جدّية من قِبل “حزب الله” في وقف استهداف شمال إسرائيل بصواريخه ومسيّراته.
وفق ما يتسرّب من معلومات من داخل أروقة لقاءات واشنطن فإن الإدارة الأميركية، وبإشراف مباشر من ترامب، تعمل على ثلاث مبادرات محتملة، وهي: إمكانية التوصل إلى اتفاق أمني دائم يشمل انسحاب الجيش الإسرائيلي ودخول الجيش إلى المناطق التي سينسحب منها، ونزع سلاح “حزب الله” تمهيداً لاتفاق سلام. أمّا إذا فشل هذا الاحتمال فإن تل أبيب ستلجأ إلى خيار “السيناريو الكارثي”، إذ يجد نتنياهو نفسه مضطرًا للهروب من أي مواجهة سياسية ضده في الداخل الإسرائيلي فيلجأ إلى قصف الضاحية في شكل هستيري ومدّمر
أمّا المراقبون الدوليون فيرجحون إمكانية نجاح واشنطن في إحداث خرق في المفاوضات الثنائية، لجهة التوصل إلى تمديد تقني لوقف إطلاق النار وتثبيته، ووضع ترتيبات أمنية وآليات للمراقبة، عبر جلسات متتالية بين البنتاغون ووزارة الخارجية الأميركية.
غير أنّ ما يجعل هذه المفاوضات مختلفة عن كل الجولات السابقة ليس فقط حجم الملفات المطروحة، بل طبيعة التحولات الإقليمية التي تجري بالتوازي معها. فلبنان لم يعد يتفاوض في فراغ سياسي أو أمني، بل في ظل إعادة رسم واسعة لخريطة النفوذ في الشرق الأوسط، حيث تحاول واشنطن استثمار ما تعتبره فرصة تاريخية لترتيب مجموعة من الملفات المتشابكة دفعة واحدة، من البرنامج النووي الإيراني إلى أمن إسرائيل وحدودها الشمالية، مرورًا بمستقبل القوى المسلحة غير النظامية في المنطقة.
وفي هذا السياق، لا تبدو إسرائيل مستعجلة للوصول إلى تسوية نهائية بقدر ما هي حريصة على تحسين شروطها التفاوضية يومًا بعد يوم. ولذلك يلاحظ المراقبون أن كل تقدم تحرزه على الأرض يتحول تلقائيًا إلى ورقة تفاوضية ضاغطة على الطاولة. ومن هنا يمكن فهم استمرار الغارات والاغتيالات وعمليات التوغل المحدودة، إذ تعتبر تل أبيب أن الميدان يجب أن يبقى عنصر ضغط دائم على الجانب اللبناني إلى حين انتزاع أكبر قدر ممكن من الضمانات الأمنية.
أما لبنان، فيخوض المفاوضات من موقع مختلف تمامًا. فهو يدرك أن قدرته على المناورة محدودة، لكنه يراهن على عنصرين أساسيين: الأول يتمثل في الحاجة الأميركية إلى إنجاح مسار التفاوض وعدم السماح بانفجاره، والثاني في اقتناع جزء من المجتمع الدولي بأن استمرار الحرب المفتوحة سيؤدي إلى مزيد من الانهيار اللبناني، وما يستتبعه ذلك من تداعيات أمنية واقتصادية وإنسانية على المنطقة بأسرها.
وتشير المعطيات الديبلوماسية إلى أن النقاشات لم تعد تقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار أو الانسحاب الإسرائيلي فحسب، بل بدأت تتناول بصورة غير مباشرة شكل المرحلة التالية. فواشنطن تتحدث عن دور أكبر للجيش ، وعن آليات رقابة أكثر فاعلية، وعن ترتيبات أمنية طويلة الأمد تضمن عدم عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل اندلاع المواجهة الأخيرة. وفي المقابل، يحاول لبنان ربط أي التزام إضافي بانسحاب إسرائيلي كامل ووقف نهائي للاعتداءات وإطلاق ورشة إعادة إعمار جدية للمناطق المدمرة
لكن العقدة الأساسية تبقى في مكان آخر. فإسرائيل تريد ضمانات مسبقة تتعلق بمستقبل سلاح “حزب الله”، فيما يتمسك لبنان الرسمي بمبدأ التدرج، انطلاقًا من أن أي معالجة لهذا الملف تحتاج أولًا إلى تثبيت الاستقرار ووقف النار وإعادة بناء الثقة الداخلية والخارجية بالدولة ومؤسساتها. وهذا التباين في ترتيب الأولويات هو الذي يفسر بطء المفاوضات وتعثرها المتكرر.
ومع ذلك، فإن المؤشرات المتوافرة لا توحي بانهيار المسار التفاوضي. فالإدارة الأميركية لا تزال تعتبر أن نافذة الفرصة لم تُقفل بعد، وأن البديل عن المفاوضات هو العودة إلى منطق الحرب المفتوحة، وهو خيار لا يبدو أن أيًا من الأطراف المعنية مستعد لتحمل كلفته الكاملة في هذه المرحلة.
لذلك، قد لا يكون السؤال الحقيقي اليوم ما إذا كانت المفاوضات الجارية في واشنطن ستنجح أو ستفشل، بل ما إذا كانت واشنطن قادرة على تحويل الهدنة الهشة القائمة إلى مسار سياسي دائم، يخرج لبنان تدريجيًا من دائرة الاشتباك المفتوح، ويمنع إسرائيل من فرض وقائع جديدة بالقوة العسكرية وحدها.
بين مطرقة الميدان وسندان التفاوض… هل تنجح واشنطن في إنقاذ الهدنة؟

لم يستطع المترجمون أن يفلحوا في إيصال الفكرة إلى أعضاء الوفدين الأميركي والإسرائيلي إلى مفاوضات واشنطن، التي يعتمد عليها الرئيس نبيه بري في أي مسألة تحتمل التأويل والتأجيل والمماطلة والمناورة، وهي ألاّ يقول المرء “فولًا قبل أن يصبح في المكيول”، وهذا يعني كترجمة حرفية لما يصدر عن لقاءات واشنطن أن أي حديث عن وقف إطلاق النار لن يكون جدّيًا ما لم توقف
إسرائيل مواصلة قصف البلدات والقرى الجنوبية وليس الاكتفاء بالامتناع عن استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، باعتبار أن الجنوب ليس جزيرة منفصلة عن لبنان، إذ أن ما يصيبه يصيب كل الوطن.
ففي خضم مفاوضات شاقة ناتجة عن وضع معقد ومركب ومتشعب لم تعد تقتصر مندرجاته على بعض التفاصيل الهامشية أحيانًا والجوهرية أحيانًا أخرى للمسار التفاوضي اللبناني – الإسرائيلي، بل دخلت على خط التسويات المطروحة عوامل كثيرة، ومن بينها حسابات نتنياهو الداخلية، وهواجس لبنان المتنقلة ما بين همّ إنهاء الاحتلال من جهة وكيفية ترجمة القرارات الحكومية في شأن “حصرية السلاح” في يد القوى الشرعية دون غيرها من قوى الأمر الواقع من جهة ثانية، فيما لا تزال واشنطن تراهن على مدى إمكانية نجاح الضغوطات، التي مارسها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على نتنياهو مقابل قيام طهران بدور مماثل والضغط على “حزب الله” للسير بالتسوية، التي تعمل عليها الإدارة الأميركية في إطار عملية واسعة تشمل دول المنطقة بأسرها، ومن ضمنها لبنان.
فالمفاوضات الجارية في واشنطن شاقة جدّا، وكادت المراوغة الإسرائيلية أن تطيح بها لولا تدّخل مباشر من وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو، الذي نجح في اقناع رئيس الوفد اللبناني سيمون كرم بالعودة إلى طاولة البحث بعدما كان قد طلب تعليقها اعتراضًا على ما لمسه مما كان يسعى إليه الوفد الإسرائيلي لجهة فرض شروطه التفاوضية، على رغم علم الوفد اللبناني أنه قد ذهب إلى العاصمة الأميركية وهو لا يملك أي ورقة ضغط عسكرية لوقف الآلة الحربية الإسرائيلية، متكلًا على إصرار الرئيس الأميركي على تسجيل إنجاز، لا سيما بعد تدخله الشخصي الذي أفضى إلى تجنب ضربات كانت ستطال الضاحية الجنوبية لبيروت بصورة عنيفة، فاستطاع بذلك أن يؤّمن حماية كافية لها بعدما لمس جدّية من قِبل “حزب الله” في وقف استهداف شمال إسرائيل بصواريخه ومسيّراته.
وفق ما يتسرّب من معلومات من داخل أروقة لقاءات واشنطن فإن الإدارة الأميركية، وبإشراف مباشر من ترامب، تعمل على ثلاث مبادرات محتملة، وهي: إمكانية التوصل إلى اتفاق أمني دائم يشمل انسحاب الجيش الإسرائيلي ودخول الجيش إلى المناطق التي سينسحب منها، ونزع سلاح “حزب الله” تمهيداً لاتفاق سلام. أمّا إذا فشل هذا الاحتمال فإن تل أبيب ستلجأ إلى خيار “السيناريو الكارثي”، إذ يجد نتنياهو نفسه مضطرًا للهروب من أي مواجهة سياسية ضده في الداخل الإسرائيلي فيلجأ إلى قصف الضاحية في شكل هستيري ومدّمر
أمّا المراقبون الدوليون فيرجحون إمكانية نجاح واشنطن في إحداث خرق في المفاوضات الثنائية، لجهة التوصل إلى تمديد تقني لوقف إطلاق النار وتثبيته، ووضع ترتيبات أمنية وآليات للمراقبة، عبر جلسات متتالية بين البنتاغون ووزارة الخارجية الأميركية.
غير أنّ ما يجعل هذه المفاوضات مختلفة عن كل الجولات السابقة ليس فقط حجم الملفات المطروحة، بل طبيعة التحولات الإقليمية التي تجري بالتوازي معها. فلبنان لم يعد يتفاوض في فراغ سياسي أو أمني، بل في ظل إعادة رسم واسعة لخريطة النفوذ في الشرق الأوسط، حيث تحاول واشنطن استثمار ما تعتبره فرصة تاريخية لترتيب مجموعة من الملفات المتشابكة دفعة واحدة، من البرنامج النووي الإيراني إلى أمن إسرائيل وحدودها الشمالية، مرورًا بمستقبل القوى المسلحة غير النظامية في المنطقة.
وفي هذا السياق، لا تبدو إسرائيل مستعجلة للوصول إلى تسوية نهائية بقدر ما هي حريصة على تحسين شروطها التفاوضية يومًا بعد يوم. ولذلك يلاحظ المراقبون أن كل تقدم تحرزه على الأرض يتحول تلقائيًا إلى ورقة تفاوضية ضاغطة على الطاولة. ومن هنا يمكن فهم استمرار الغارات والاغتيالات وعمليات التوغل المحدودة، إذ تعتبر تل أبيب أن الميدان يجب أن يبقى عنصر ضغط دائم على الجانب اللبناني إلى حين انتزاع أكبر قدر ممكن من الضمانات الأمنية.
أما لبنان، فيخوض المفاوضات من موقع مختلف تمامًا. فهو يدرك أن قدرته على المناورة محدودة، لكنه يراهن على عنصرين أساسيين: الأول يتمثل في الحاجة الأميركية إلى إنجاح مسار التفاوض وعدم السماح بانفجاره، والثاني في اقتناع جزء من المجتمع الدولي بأن استمرار الحرب المفتوحة سيؤدي إلى مزيد من الانهيار اللبناني، وما يستتبعه ذلك من تداعيات أمنية واقتصادية وإنسانية على المنطقة بأسرها.
وتشير المعطيات الديبلوماسية إلى أن النقاشات لم تعد تقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار أو الانسحاب الإسرائيلي فحسب، بل بدأت تتناول بصورة غير مباشرة شكل المرحلة التالية. فواشنطن تتحدث عن دور أكبر للجيش ، وعن آليات رقابة أكثر فاعلية، وعن ترتيبات أمنية طويلة الأمد تضمن عدم عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل اندلاع المواجهة الأخيرة. وفي المقابل، يحاول لبنان ربط أي التزام إضافي بانسحاب إسرائيلي كامل ووقف نهائي للاعتداءات وإطلاق ورشة إعادة إعمار جدية للمناطق المدمرة
لكن العقدة الأساسية تبقى في مكان آخر. فإسرائيل تريد ضمانات مسبقة تتعلق بمستقبل سلاح “حزب الله”، فيما يتمسك لبنان الرسمي بمبدأ التدرج، انطلاقًا من أن أي معالجة لهذا الملف تحتاج أولًا إلى تثبيت الاستقرار ووقف النار وإعادة بناء الثقة الداخلية والخارجية بالدولة ومؤسساتها. وهذا التباين في ترتيب الأولويات هو الذي يفسر بطء المفاوضات وتعثرها المتكرر.
ومع ذلك، فإن المؤشرات المتوافرة لا توحي بانهيار المسار التفاوضي. فالإدارة الأميركية لا تزال تعتبر أن نافذة الفرصة لم تُقفل بعد، وأن البديل عن المفاوضات هو العودة إلى منطق الحرب المفتوحة، وهو خيار لا يبدو أن أيًا من الأطراف المعنية مستعد لتحمل كلفته الكاملة في هذه المرحلة.
لذلك، قد لا يكون السؤال الحقيقي اليوم ما إذا كانت المفاوضات الجارية في واشنطن ستنجح أو ستفشل، بل ما إذا كانت واشنطن قادرة على تحويل الهدنة الهشة القائمة إلى مسار سياسي دائم، يخرج لبنان تدريجيًا من دائرة الاشتباك المفتوح، ويمنع إسرائيل من فرض وقائع جديدة بالقوة العسكرية وحدها.






