قطار المحكومين السوريين: دفعتان ثانية وثالثة على “السكة”

سجن
الكاتب: فرح منصور | المصدر: المدن
5 حزيران 2026

لم تعد فرملة ملف تسليم المحكومين السوريين من السجون اللبنانية إلى دمشق مجرد مناورة سياسية مرتبطة بحسابات “عيد الأضحى” أو بـ”مخاوف عابرة من انتفاضة داخل النظارات”. يتحرك هذا الملف القضائي الشائك خلف الكواليس على خطوط ساخنة متداخلة، يختلط فيها اللوجستي المعقد بالسياسي والأمني الحذر، وسط طفرة أرقامٍ جديدة تجاوزت السقوف التي حددت مع توقيع الاتفاقية القضائية الثنائية الموقعة بين البلدين.

ينقل مصدر قضائي لـ”المدن” مستجدات حول مسار الترحيل والتسليم. فبعدما جمدت الاندفاعة لتسليم الدفعة الثانية من المحكومين قبل عيد الأضحى خوفًا من إثارة حساسية السجناء اللبنانيين الذين ينتظرون قانون عفو عام يبدو بعيد المنال، كشف المصدر أن قطار التسليم عاد إلى السكة بشكل وشيك.

وفق الخطة المرسومة، من المتوقع إطلاق الدفعة الثانية التي تضم 129 محكومًا سوريًا في غضون الأيام العشرة المقبلة.

المثير للانتباه ليس توقيت هذه الدفعة فحسب، بل الكشف عن التحضير الفوري لدفعةٍ ثالثة ستليها مباشرةً، وتضم ما بين 70 إلى 80 محكومًا إضافيًا، ما يؤكد أن أعداد الموقوفين الذين يطلبون طوعًا إكمال عقوباتهم في سوريا باتت تفوق التوقعات والقدرة الاستيعابية اللوجستية التي حددتها الخطوات الأولى للاتفاق.

 

مراسلات دمشق

لكن الخبر الجديد الذي تبلغته أروقة القرار الأمني والقضائي في بيروت جاء من دمشق. يوضح المصدر القضائي لـ”المدن” أن القضاء السوري أرسل كتابًا رسميًا لنظيره اللبناني يبلغه فيه بإخلاء سبيل أكثر من 20 شخصًا من أصل 120 سلّموا بالدفعة الأولى، وذلك على اعتبار أن محكومياتهم قد انقضت واحتسبت مدتها وفق المفاعيل القانونية المطبقة في السجون السورية.

 

هذا الإجراء السوري، وإن كان قانونيًا، فإنه يمثل ذروة الهواجس بالنسبة للسلطات اللبنانية. إذ إن خروج هؤلاء السجناء إلى الحرية فور وصولهم إلى سوريا سيعزز حتمًا شعور “الغبن” لدى السجناء اللبنانيين، الذين يدركون أن زملاءهم السوريين نالوا حريتهم أو خففت عقوباتهم بمجرد عبور الحدود، بينما يقبع اللبنانيون في زنازين مكتظة بسبب عرقلة قانون العفو العام.

 

عقدة الحق الشخصي

في مقلب آخر من المشهد، لا يبدو الغربال القضائي اللبناني متساهلًا في تخلية سبيل جميع المحكومين السوريين. تكشف المعطيات أن القضاء اللبناني رفض بشكل قاطع 33 طلبًا لمحكومين سوريين كانوا مدرجين ضمن الدفعة الثانية الحالية. يعود سبب الرفض لتعقيدات قانونية – جنائية، حيث ترتبط قضايا هؤلاء إما بـ”الحق الشخصي” لضحايا لبنانيين (تعويضات أو جرائم قتل واعتداء)، أو لكونهم ملاحقين في قضايا وجرائم أخرى غير تلك التي طلب التسليم على أساسها.

من أجل حل هذه المعضلة القانونية التي تحمي حقوق المدعين، طرح القضاء اللبناني مخرجًا يقوم على خيارين:

الأول: أن يقوم المحكومون أو ذووهم بدفع الكفالة المالية المترتبة عليهم لإسقاط الحق الشخصي قانونًا.

أما الثاني: استكمال ما تبقى من محكومياتهم داخل السجون اللبنانية واستثنائهم كليًا من لوائح التسليم إلى سوريا.

 

عقدة الجنوب

أما العقدة الإجرائية الأحدث التي تواجه النيابة العامة التمييزية، فترتبط بالواقع الميداني والعسكري المعقد في مناطق مختلفة من جنوب لبنان.

تتابع النيابة العامة التمييزية في بيروت ملفات السجناء بدقة، إلا أن قسمًا من هذه الملفات والسجلات القضائية الأساسية يقع في قصور عدل ومحاكم تقع ضمن مناطق تتعرض بشكل مباشر ويومي للحرب الإسرائيلية العنيفة، وتحديدًا في النبطية.

يحول هذا الواقع الأمني دون قدرة الموظفين والقضاة على الوصول الآمن والمنتظم إلى تلك المحاكم لسحب الملفات ومطابقتها، ما يتسبب ببطء شديد في عملية التدقيق الجنائي ببعض الأسماء، ويفرض عبئًا إضافيًا على اللجان القضائية المشتركة.

بين مهلة العشرة أيام الفاصلة عن موعد الدفعة الثانية، وبين مراسلات دمشق التي تؤكد إخلاء سبيل الموقوفين، يسير لبنان على حبل مشدود. يوازن فيه بين رغبته الملحة في التخلص من عبء السجون الثقيل، وبين خوفه من أن يتحول ترحيل السوريين إلى فتيل يشعل انتفاضة السجناء اللبنانيين المنسيين في النفق المظلم للسياسة المحلية.

قطار المحكومين السوريين: دفعتان ثانية وثالثة على “السكة”

سجن
الكاتب: فرح منصور | المصدر: المدن
5 حزيران 2026

لم تعد فرملة ملف تسليم المحكومين السوريين من السجون اللبنانية إلى دمشق مجرد مناورة سياسية مرتبطة بحسابات “عيد الأضحى” أو بـ”مخاوف عابرة من انتفاضة داخل النظارات”. يتحرك هذا الملف القضائي الشائك خلف الكواليس على خطوط ساخنة متداخلة، يختلط فيها اللوجستي المعقد بالسياسي والأمني الحذر، وسط طفرة أرقامٍ جديدة تجاوزت السقوف التي حددت مع توقيع الاتفاقية القضائية الثنائية الموقعة بين البلدين.

ينقل مصدر قضائي لـ”المدن” مستجدات حول مسار الترحيل والتسليم. فبعدما جمدت الاندفاعة لتسليم الدفعة الثانية من المحكومين قبل عيد الأضحى خوفًا من إثارة حساسية السجناء اللبنانيين الذين ينتظرون قانون عفو عام يبدو بعيد المنال، كشف المصدر أن قطار التسليم عاد إلى السكة بشكل وشيك.

وفق الخطة المرسومة، من المتوقع إطلاق الدفعة الثانية التي تضم 129 محكومًا سوريًا في غضون الأيام العشرة المقبلة.

المثير للانتباه ليس توقيت هذه الدفعة فحسب، بل الكشف عن التحضير الفوري لدفعةٍ ثالثة ستليها مباشرةً، وتضم ما بين 70 إلى 80 محكومًا إضافيًا، ما يؤكد أن أعداد الموقوفين الذين يطلبون طوعًا إكمال عقوباتهم في سوريا باتت تفوق التوقعات والقدرة الاستيعابية اللوجستية التي حددتها الخطوات الأولى للاتفاق.

 

مراسلات دمشق

لكن الخبر الجديد الذي تبلغته أروقة القرار الأمني والقضائي في بيروت جاء من دمشق. يوضح المصدر القضائي لـ”المدن” أن القضاء السوري أرسل كتابًا رسميًا لنظيره اللبناني يبلغه فيه بإخلاء سبيل أكثر من 20 شخصًا من أصل 120 سلّموا بالدفعة الأولى، وذلك على اعتبار أن محكومياتهم قد انقضت واحتسبت مدتها وفق المفاعيل القانونية المطبقة في السجون السورية.

 

هذا الإجراء السوري، وإن كان قانونيًا، فإنه يمثل ذروة الهواجس بالنسبة للسلطات اللبنانية. إذ إن خروج هؤلاء السجناء إلى الحرية فور وصولهم إلى سوريا سيعزز حتمًا شعور “الغبن” لدى السجناء اللبنانيين، الذين يدركون أن زملاءهم السوريين نالوا حريتهم أو خففت عقوباتهم بمجرد عبور الحدود، بينما يقبع اللبنانيون في زنازين مكتظة بسبب عرقلة قانون العفو العام.

 

عقدة الحق الشخصي

في مقلب آخر من المشهد، لا يبدو الغربال القضائي اللبناني متساهلًا في تخلية سبيل جميع المحكومين السوريين. تكشف المعطيات أن القضاء اللبناني رفض بشكل قاطع 33 طلبًا لمحكومين سوريين كانوا مدرجين ضمن الدفعة الثانية الحالية. يعود سبب الرفض لتعقيدات قانونية – جنائية، حيث ترتبط قضايا هؤلاء إما بـ”الحق الشخصي” لضحايا لبنانيين (تعويضات أو جرائم قتل واعتداء)، أو لكونهم ملاحقين في قضايا وجرائم أخرى غير تلك التي طلب التسليم على أساسها.

من أجل حل هذه المعضلة القانونية التي تحمي حقوق المدعين، طرح القضاء اللبناني مخرجًا يقوم على خيارين:

الأول: أن يقوم المحكومون أو ذووهم بدفع الكفالة المالية المترتبة عليهم لإسقاط الحق الشخصي قانونًا.

أما الثاني: استكمال ما تبقى من محكومياتهم داخل السجون اللبنانية واستثنائهم كليًا من لوائح التسليم إلى سوريا.

 

عقدة الجنوب

أما العقدة الإجرائية الأحدث التي تواجه النيابة العامة التمييزية، فترتبط بالواقع الميداني والعسكري المعقد في مناطق مختلفة من جنوب لبنان.

تتابع النيابة العامة التمييزية في بيروت ملفات السجناء بدقة، إلا أن قسمًا من هذه الملفات والسجلات القضائية الأساسية يقع في قصور عدل ومحاكم تقع ضمن مناطق تتعرض بشكل مباشر ويومي للحرب الإسرائيلية العنيفة، وتحديدًا في النبطية.

يحول هذا الواقع الأمني دون قدرة الموظفين والقضاة على الوصول الآمن والمنتظم إلى تلك المحاكم لسحب الملفات ومطابقتها، ما يتسبب ببطء شديد في عملية التدقيق الجنائي ببعض الأسماء، ويفرض عبئًا إضافيًا على اللجان القضائية المشتركة.

بين مهلة العشرة أيام الفاصلة عن موعد الدفعة الثانية، وبين مراسلات دمشق التي تؤكد إخلاء سبيل الموقوفين، يسير لبنان على حبل مشدود. يوازن فيه بين رغبته الملحة في التخلص من عبء السجون الثقيل، وبين خوفه من أن يتحول ترحيل السوريين إلى فتيل يشعل انتفاضة السجناء اللبنانيين المنسيين في النفق المظلم للسياسة المحلية.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار