ما هو أبعد من اتفاق وقف النار: نظام لبنان ومستقبل المكوّنات

الكاتب: منير الربيع | المصدر: المدن
5 حزيران 2026

يعكس البيان الأميركي الإسرائيلي اللبناني المشترك الذي صدر بختام الجولة الرابعة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، تحولاً بنيوياً في الوجهة السياسية اللبنانية. ربما هو يعكس الصورة الدقيقة لموازين القوى، والسعي الواضح لبنانياً وأميركياً لإخراج لبنان من “كنف إيران” أو فصل الملفين عن بعضهما البعض. يمثل الإعلان اختياراً لبنانياً لوجهة جديدة، تقود في النهاية إلى سلام مع إسرائيل، على الرغم من عدم توفر مقوماته. يُختصر البيان بإنهاء “حالة العداء بين لبنان وإسرائيل”، إذ يشير إلى أن لا نوايا عدائية بين البلدين تجاه بعضهما البعض، وهو ما سيفتح الباب أمام تفاصيل كثيرة من بينها الضغط باتجاه إلغاء القوانين التي تجرم التعامل أو التعاطي مع إسرائيل أو الإسرائيليين. 

وضوح تام

لا يحتمل البيان أي لبس، بخلاف ما صدر في اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 الذي أطلقت عليه تفسيرات متعددة لا يزال الاختلاف بشأنها قائماً حتى اليوم. وهو بيان واضح ومنشور ولا يحتمل التأويل وفق صيغ الترجمة، وهو يؤكد استعداد لبنان الالتزام بمسار إنهاء حالة العداء مع إسرائيل واتفاق ترتيبات أمنية، وهو يتجاوز اتفاق الهدنة 1949. كذلك تحدث البيان بوضوح عن تفكيك حزب الله، بدلاً من الحديث عن نزع سلاح الحزب، وهذا يذهب إلى مدى أبعد، أي تفكيك البنى المختلفة في الحزب، العسكرية والأمنية وكل المؤسسات الأخرى المالية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو التربوية. 

نظرة مشتركة للإقليم

نقطة ثالثة أساسية وردت في البيان، هي استنكار لبنان مع إسرائيل وأميركا اعتداءات إيران المنطقة، وهو يتضمن موقفاً مشتركاً مع إسرائيل تجاه تطورات الوضع في المنطقة، علماً أن هجمات إيران في المنطقة طالت إسرائيل ودول الخليج. كما استنكر البيان التحركات الإيرانية التي تزعزع الاستقرار في الشرق الأوسط وليس في الخليج، بل إسرائيل ضمناً. وهنا لا يمكن إغفال مسألة ضرورة فصل ملف لبنان عن إيران، الأمر الذي يرفضه الحزب كما يرفضه الإيرانيون الذين ردوا سريعاً على لسان قائد فيلق القدس اسماعيل قآني. 

إبعاد فرنسا

أما المقطع الذي يتحدث عن تأكيد الولايات المتحدة الأميركية لجهود لبنان وإسرائيل حول فرض سيادة الدولة اللبنانية على أراضيها، مع التأكيد على أن أي اتفاق لوقف الأعمال العدائية يجب أن يحصل بين الحكومتين بتنسيق مع قبل واشنطن وليس عبر أي مسار آخر، فهذا يعني إخراج لبنان من مسار المبادرة العربية للسلام، أو ربط الملف اللبناني بالملف الإيراني، إضافة إلى عدم إدخال أي طرف وسيط بين الدول الثلاث، ما يعني الاستمرار في إبعاد فرنسا أو الأمم المتحدة. 

ضربٌ لما ساد سابقاً

عملياً هو موقف لبناني لم يكن لأحد أن يتوقع إمكانية صدوره. أما في المضمون، فهو ضرب كل ما كان سائداً في السابق لبنانياً، من خلال عدم الالتزام بمبادرة السلام العربية، واستمرار التفاوض المباشر لخلق مسارات ثقة ومعالجة الإشكاليات للوصول إلى اتفاق شامل وكامل، وإعلان الخصومة مع إيران والتزام الدولة بتفكيك حزب الله. وعليه فإن مضمون الكلام هو أبعد بكثير من كل الاتفاقات أو التفاهمات السابقة التي وردت في اتفاقية الهدنة 1949، أو تفاهم نيسان 1996، أو القرار 1701 أو اتفاق ترسيم الحدود البحرية، أو اتفاق ترتيبات وقف الأعمال العدائية في تشرين 2024. كما أن البيان لا يتضمن أي إشارة حول الالتزام بالانسحاب الإسرائيلي وعودة الأهالي بل جاء ذلك على سبيل المطالبة اللبنانية بذلك.

النظام والمكونات

عملياً، تطرح تساؤلات كثيرة حول كيفية تطبيق هذا الاتفاق، إذ بحال لم يلتزم لبنان فإن إسرائيل ستواصل عملياتها واحتلالها للجنوب، أما بحال التزم لبنان فإن واشنطن ستقدم الدعم اللازم للجيش اللبناني لتعزيز قدراته والانتشار في الجنوب وبسط السيطرة،ا ولكن ذلك سيقود إلى المزيد من الصراعات الداخلية سياسياً، وربما أمنياً وعسكرياً في حال لم تتوافر مقومات التفاهم الداخلي والإقليمي. عملياً، إذا ما أريد لهذا الإعلان أن يتحول إلى اتفاق أو تفاهم، فإن ذلك سينطوي على متغيرات كثيرة في صلب “النظام السياسي” أو المكونات السياسية اللبنانية وأدوارها، وهو ما يجري التمهيد له أميركياً إما بالعلاقات السياسية أو العقوبات، وإسرائيلياً بعمليات الاغتيال، وعلى مستويات أخرى من خلال تحضير أشخاص وأرضيات. 

ما هو أبعد من اتفاق وقف النار: نظام لبنان ومستقبل المكوّنات

الكاتب: منير الربيع | المصدر: المدن
5 حزيران 2026

يعكس البيان الأميركي الإسرائيلي اللبناني المشترك الذي صدر بختام الجولة الرابعة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، تحولاً بنيوياً في الوجهة السياسية اللبنانية. ربما هو يعكس الصورة الدقيقة لموازين القوى، والسعي الواضح لبنانياً وأميركياً لإخراج لبنان من “كنف إيران” أو فصل الملفين عن بعضهما البعض. يمثل الإعلان اختياراً لبنانياً لوجهة جديدة، تقود في النهاية إلى سلام مع إسرائيل، على الرغم من عدم توفر مقوماته. يُختصر البيان بإنهاء “حالة العداء بين لبنان وإسرائيل”، إذ يشير إلى أن لا نوايا عدائية بين البلدين تجاه بعضهما البعض، وهو ما سيفتح الباب أمام تفاصيل كثيرة من بينها الضغط باتجاه إلغاء القوانين التي تجرم التعامل أو التعاطي مع إسرائيل أو الإسرائيليين. 

وضوح تام

لا يحتمل البيان أي لبس، بخلاف ما صدر في اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 الذي أطلقت عليه تفسيرات متعددة لا يزال الاختلاف بشأنها قائماً حتى اليوم. وهو بيان واضح ومنشور ولا يحتمل التأويل وفق صيغ الترجمة، وهو يؤكد استعداد لبنان الالتزام بمسار إنهاء حالة العداء مع إسرائيل واتفاق ترتيبات أمنية، وهو يتجاوز اتفاق الهدنة 1949. كذلك تحدث البيان بوضوح عن تفكيك حزب الله، بدلاً من الحديث عن نزع سلاح الحزب، وهذا يذهب إلى مدى أبعد، أي تفكيك البنى المختلفة في الحزب، العسكرية والأمنية وكل المؤسسات الأخرى المالية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو التربوية. 

نظرة مشتركة للإقليم

نقطة ثالثة أساسية وردت في البيان، هي استنكار لبنان مع إسرائيل وأميركا اعتداءات إيران المنطقة، وهو يتضمن موقفاً مشتركاً مع إسرائيل تجاه تطورات الوضع في المنطقة، علماً أن هجمات إيران في المنطقة طالت إسرائيل ودول الخليج. كما استنكر البيان التحركات الإيرانية التي تزعزع الاستقرار في الشرق الأوسط وليس في الخليج، بل إسرائيل ضمناً. وهنا لا يمكن إغفال مسألة ضرورة فصل ملف لبنان عن إيران، الأمر الذي يرفضه الحزب كما يرفضه الإيرانيون الذين ردوا سريعاً على لسان قائد فيلق القدس اسماعيل قآني. 

إبعاد فرنسا

أما المقطع الذي يتحدث عن تأكيد الولايات المتحدة الأميركية لجهود لبنان وإسرائيل حول فرض سيادة الدولة اللبنانية على أراضيها، مع التأكيد على أن أي اتفاق لوقف الأعمال العدائية يجب أن يحصل بين الحكومتين بتنسيق مع قبل واشنطن وليس عبر أي مسار آخر، فهذا يعني إخراج لبنان من مسار المبادرة العربية للسلام، أو ربط الملف اللبناني بالملف الإيراني، إضافة إلى عدم إدخال أي طرف وسيط بين الدول الثلاث، ما يعني الاستمرار في إبعاد فرنسا أو الأمم المتحدة. 

ضربٌ لما ساد سابقاً

عملياً هو موقف لبناني لم يكن لأحد أن يتوقع إمكانية صدوره. أما في المضمون، فهو ضرب كل ما كان سائداً في السابق لبنانياً، من خلال عدم الالتزام بمبادرة السلام العربية، واستمرار التفاوض المباشر لخلق مسارات ثقة ومعالجة الإشكاليات للوصول إلى اتفاق شامل وكامل، وإعلان الخصومة مع إيران والتزام الدولة بتفكيك حزب الله. وعليه فإن مضمون الكلام هو أبعد بكثير من كل الاتفاقات أو التفاهمات السابقة التي وردت في اتفاقية الهدنة 1949، أو تفاهم نيسان 1996، أو القرار 1701 أو اتفاق ترسيم الحدود البحرية، أو اتفاق ترتيبات وقف الأعمال العدائية في تشرين 2024. كما أن البيان لا يتضمن أي إشارة حول الالتزام بالانسحاب الإسرائيلي وعودة الأهالي بل جاء ذلك على سبيل المطالبة اللبنانية بذلك.

النظام والمكونات

عملياً، تطرح تساؤلات كثيرة حول كيفية تطبيق هذا الاتفاق، إذ بحال لم يلتزم لبنان فإن إسرائيل ستواصل عملياتها واحتلالها للجنوب، أما بحال التزم لبنان فإن واشنطن ستقدم الدعم اللازم للجيش اللبناني لتعزيز قدراته والانتشار في الجنوب وبسط السيطرة،ا ولكن ذلك سيقود إلى المزيد من الصراعات الداخلية سياسياً، وربما أمنياً وعسكرياً في حال لم تتوافر مقومات التفاهم الداخلي والإقليمي. عملياً، إذا ما أريد لهذا الإعلان أن يتحول إلى اتفاق أو تفاهم، فإن ذلك سينطوي على متغيرات كثيرة في صلب “النظام السياسي” أو المكونات السياسية اللبنانية وأدوارها، وهو ما يجري التمهيد له أميركياً إما بالعلاقات السياسية أو العقوبات، وإسرائيلياً بعمليات الاغتيال، وعلى مستويات أخرى من خلال تحضير أشخاص وأرضيات. 

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار