كواليس الاتفاق وإجهاضه: دعم قطر والسعودية وفخّ إسرائيل

قبل الدخول في تفاصيل البيان الثلاثي الذي جرى التوصل إليه في المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، لا بد من الإشارة إلى جملة أمور، أولها أن مثل هذه المفاوضات تأخذ وقتاً طويلاً لتتحقق نتيجتها. ثانياً، أن الاتفاق جرت محاولات إجهاضه قبل ولادته. ثالثاً، في بواطنه الكثير من مقومات تفخيخه أو تفجيره. رابعاً، رفض حزب الله العلني له. خامساً، بنيامين نتنياهو لديه انتخابات وهو لن يخوضها إلا بمواصلة الحرب، والقول للإسرائيليين إنه على الرغم من كل ضغوط الرئيس الأميركي دونالد ترامب عليه لوقف الحرب ضد حزب الله إلا أنه يواصلها حفاظاً على ما يسميه الأمن القومي الإسرائيلي. سادساً على الرغم من كل المحاولات لفصل جبهة لبنان عن إيران، فإن الوقائع لا تتيح ذلك إلا بحال حصل تغيير كبير في إيران على مستوى النظام. وقد سارع الإيرانيون للرد على الإعلان الثلاثي بالدعم المطلق لحزب الله وفرض شروط الانسحاب الإسرائيلي.
دور الدوحة
قبيل عقد اجتماعات التفاوض، تحركت بقوة جهات دولية وعربية لمساعدة لبنان على تحقيق مطلب وقف إطلاق النار. تولى الاتصالات ثلاثة أطراف على المستوى العربي، ولا سيما دولة قطر، السعودية ومصر. قطر التي توجه إليها الوزير علي حسن خليل يوم الأحد، الزيارة تزامنت مع تصريح لرئيس مجلس النواب نبيه بري أكد فيه أنه في حال تمكن لبنان من الحصول على وقف إطلاق النار فإنه يضمن التزام حزب الله الكامل به. على هذا الأساس تحركت الديبلوماسية القطرية، وأجريت اتصالات مع الأميركيين بهدف ضمان تحقيق وقف النار. كان التنسيق القطري السعودي المصري قائماً، بحثاً عن ضمانات حول التزام إسرائيل بوقف النار الكامل.
اتصال أمير قطر بترامب
تعهد الأميركيون بتأمين وقف النار، لكن من دون توضيح “معنى” وقف النار بالنسبة إليهم، إذ على ما يبدو أنه يقتصر على بيروت والضاحية، بينما الجنوب يبقى خاضعاً للضربات الإسرائيلية. في المقابل نجحت الدول العربية بالحصول على ضمانات بموافقة حزب الله على وقف النار والالتزام به. أما إسرائيل فكان موقفها واضحاً وهو عدم الموافقة على وقف إطلاق النار الشامل، لكن التفاؤل في لبنان كان مردّه للموقف الأميركي الذي اعتبر اللبنانيون أنه سيلزم إسرائيل. في هذا السياق، جاء الاتصال الذي أجري بين أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والرئيس الأميركي دونالد ترامب، وقد خصص جزء أساسي منه للبحث في تثبيت وقف النار في لبنان.
حسابات إسرائيل
كل ذلك كان ينص على مبادئ مرتبطة ببعضها البعض، الحفاظ على وحدة الأراضي اللبنانية وسيادة الدولة اللبنانية عليها، وقف إطلاق النار بشكل كامل، ووضع جدول لانسحاب القوات الإسرائيلية مقابل سيطرة الجيش اللبناني على كامل الأراضي انطلاقاً من جنوب الليطاني. كانت هذه العناوين العريضة التي جرى التفاهم بشأنها، إلا أن الحسابات الإسرائيلية كانت مختلفة تماماً.
على هذا الأساس، خاض الوفد اللبناني جولتي التفاوض، في اليوم الأول لم يتحقق التقدم المطلوب بسبب التباعد في طروحات الطرفين، أما في اليوم الثاني وبعدما تكاثرت الاتصالات الدولية جرى تحقيق تقدم، وهو ما سعى إليه أمير قطر في اتصاله مع ترامب يوم الأربعاء. بناء عليه كانت الآمال في لبنان معقودة حول إنجاز التفاهم، بناء على الضمانات التي جرى تقديمها، وعليه بدأ تسريب الأجواء الإيجابية عن حصول لبنان على وقف النار وتحقيق التقدم في مسار المفاوضات.
موقف المفاوض اللبناني
خلال الاجتماع، حصل تعنت إسرائيلي، دفع برئيس الوفد اللبناني سيمون كرم إلى الانسحاب من الجلسة على اعتبار أن إسرائيل لم تقدم أي تنازل، ولم تلتزم بوقف النار بشكل كامل، كما أنها رفضت تحديد جدول للانسحاب من جنوب لبنان. تمسك كرم خلال الاجتماع بضرورة الالتزام بوقف كامل وشامل لإطلاق النار، وبجدولة الانسحاب، أما طرحه حول المناطق النموذجية فكان يتضمن توفير ظروف عودة أهل القرى والبلدات إليها، والتشديد على ضرورة إعادة الإعمار وعودة السكان. وهو ما رفضه الإسرائيليون. عندها انتفض كرم وهم بالمغادرة، إلا أن اتصالات كثيرة حصلت وقادها وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو.
عندما كادت المفاوضات تتعطل بسبب عدم تقديم إسرائيل أي التزام أو تنازل، إذ تبين أن ما كان متفقاً عليه بين جهات دولية وإقليمية عديدة مع لبنان قد تغير، تحركت الاتصالات مجدداً، والتي عادت وأسهمت في إصدار البيان الذي صدر. بمجرد صدور البيان، انقسمت التقييمات في لبنان، بين من يعتبر أن حزب الله سيوافق عليه، ومن استبعد ذلك بشكل كامل. بعض المسؤولين استمروا على تفاؤلهم، وقد انتظروا بياناً من رئيس مجلس النواب نبيه بري، لكن البيان لم يصدر وعندما سئل بري عن الأمر أجاب بكلمة “لا تعليق”. ما هي إلا ساعات قليلة حتى خرج الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، ونسف الإعلان برمّته.
كلمة سرّ؟
فحزب الله اعتبر أن الإعلان أو الاتفاق، موجهاً ضده حصراً، وأنه تفاهم ما بين لبنان، إسرائيل والولايات المتحدة على كيفية تفكيك سلاحه، خصوصاً أن جزءاً من المداولات الداخلية للمفاوضات، تركز حول الإصرار الإسرائيلي على فتح مسار تنسيق أمني وعسكري مع لبنان حول كيفية العمل على سحب سلاح الحزب وتفكيكه، لأن ما يريده الأميركيون والإسرائيليون هو فصل الدولة اللبنانية عن حزب الله، وعن إيران، وهو ما يرفضه الإيرانيون والحزب الذي أبلغ رفضه الرسمي للإعلان لرئيس مجلس النواب نبيه بري. لم يكن رد حزب الله سياسياً فقط، بل كان في الميدان من خلال تصعيد وتكثيف عملياته العسكرية، وهو الأمر الذي يريد الإسرائيليون الردّ عليه أيضاً، ما يبقي الجنوب ولبنان كله في حالة حرب لا سقف زمنياً لها. ولكن في المقابل، لا يزال هناك من يتحدث عن كلمة سرّ لا تزال موجودة في مكان ما، ولا بد لها أن تظهر.
كواليس الاتفاق وإجهاضه: دعم قطر والسعودية وفخّ إسرائيل

قبل الدخول في تفاصيل البيان الثلاثي الذي جرى التوصل إليه في المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، لا بد من الإشارة إلى جملة أمور، أولها أن مثل هذه المفاوضات تأخذ وقتاً طويلاً لتتحقق نتيجتها. ثانياً، أن الاتفاق جرت محاولات إجهاضه قبل ولادته. ثالثاً، في بواطنه الكثير من مقومات تفخيخه أو تفجيره. رابعاً، رفض حزب الله العلني له. خامساً، بنيامين نتنياهو لديه انتخابات وهو لن يخوضها إلا بمواصلة الحرب، والقول للإسرائيليين إنه على الرغم من كل ضغوط الرئيس الأميركي دونالد ترامب عليه لوقف الحرب ضد حزب الله إلا أنه يواصلها حفاظاً على ما يسميه الأمن القومي الإسرائيلي. سادساً على الرغم من كل المحاولات لفصل جبهة لبنان عن إيران، فإن الوقائع لا تتيح ذلك إلا بحال حصل تغيير كبير في إيران على مستوى النظام. وقد سارع الإيرانيون للرد على الإعلان الثلاثي بالدعم المطلق لحزب الله وفرض شروط الانسحاب الإسرائيلي.
دور الدوحة
قبيل عقد اجتماعات التفاوض، تحركت بقوة جهات دولية وعربية لمساعدة لبنان على تحقيق مطلب وقف إطلاق النار. تولى الاتصالات ثلاثة أطراف على المستوى العربي، ولا سيما دولة قطر، السعودية ومصر. قطر التي توجه إليها الوزير علي حسن خليل يوم الأحد، الزيارة تزامنت مع تصريح لرئيس مجلس النواب نبيه بري أكد فيه أنه في حال تمكن لبنان من الحصول على وقف إطلاق النار فإنه يضمن التزام حزب الله الكامل به. على هذا الأساس تحركت الديبلوماسية القطرية، وأجريت اتصالات مع الأميركيين بهدف ضمان تحقيق وقف النار. كان التنسيق القطري السعودي المصري قائماً، بحثاً عن ضمانات حول التزام إسرائيل بوقف النار الكامل.
اتصال أمير قطر بترامب
تعهد الأميركيون بتأمين وقف النار، لكن من دون توضيح “معنى” وقف النار بالنسبة إليهم، إذ على ما يبدو أنه يقتصر على بيروت والضاحية، بينما الجنوب يبقى خاضعاً للضربات الإسرائيلية. في المقابل نجحت الدول العربية بالحصول على ضمانات بموافقة حزب الله على وقف النار والالتزام به. أما إسرائيل فكان موقفها واضحاً وهو عدم الموافقة على وقف إطلاق النار الشامل، لكن التفاؤل في لبنان كان مردّه للموقف الأميركي الذي اعتبر اللبنانيون أنه سيلزم إسرائيل. في هذا السياق، جاء الاتصال الذي أجري بين أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والرئيس الأميركي دونالد ترامب، وقد خصص جزء أساسي منه للبحث في تثبيت وقف النار في لبنان.
حسابات إسرائيل
كل ذلك كان ينص على مبادئ مرتبطة ببعضها البعض، الحفاظ على وحدة الأراضي اللبنانية وسيادة الدولة اللبنانية عليها، وقف إطلاق النار بشكل كامل، ووضع جدول لانسحاب القوات الإسرائيلية مقابل سيطرة الجيش اللبناني على كامل الأراضي انطلاقاً من جنوب الليطاني. كانت هذه العناوين العريضة التي جرى التفاهم بشأنها، إلا أن الحسابات الإسرائيلية كانت مختلفة تماماً.
على هذا الأساس، خاض الوفد اللبناني جولتي التفاوض، في اليوم الأول لم يتحقق التقدم المطلوب بسبب التباعد في طروحات الطرفين، أما في اليوم الثاني وبعدما تكاثرت الاتصالات الدولية جرى تحقيق تقدم، وهو ما سعى إليه أمير قطر في اتصاله مع ترامب يوم الأربعاء. بناء عليه كانت الآمال في لبنان معقودة حول إنجاز التفاهم، بناء على الضمانات التي جرى تقديمها، وعليه بدأ تسريب الأجواء الإيجابية عن حصول لبنان على وقف النار وتحقيق التقدم في مسار المفاوضات.
موقف المفاوض اللبناني
خلال الاجتماع، حصل تعنت إسرائيلي، دفع برئيس الوفد اللبناني سيمون كرم إلى الانسحاب من الجلسة على اعتبار أن إسرائيل لم تقدم أي تنازل، ولم تلتزم بوقف النار بشكل كامل، كما أنها رفضت تحديد جدول للانسحاب من جنوب لبنان. تمسك كرم خلال الاجتماع بضرورة الالتزام بوقف كامل وشامل لإطلاق النار، وبجدولة الانسحاب، أما طرحه حول المناطق النموذجية فكان يتضمن توفير ظروف عودة أهل القرى والبلدات إليها، والتشديد على ضرورة إعادة الإعمار وعودة السكان. وهو ما رفضه الإسرائيليون. عندها انتفض كرم وهم بالمغادرة، إلا أن اتصالات كثيرة حصلت وقادها وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو.
عندما كادت المفاوضات تتعطل بسبب عدم تقديم إسرائيل أي التزام أو تنازل، إذ تبين أن ما كان متفقاً عليه بين جهات دولية وإقليمية عديدة مع لبنان قد تغير، تحركت الاتصالات مجدداً، والتي عادت وأسهمت في إصدار البيان الذي صدر. بمجرد صدور البيان، انقسمت التقييمات في لبنان، بين من يعتبر أن حزب الله سيوافق عليه، ومن استبعد ذلك بشكل كامل. بعض المسؤولين استمروا على تفاؤلهم، وقد انتظروا بياناً من رئيس مجلس النواب نبيه بري، لكن البيان لم يصدر وعندما سئل بري عن الأمر أجاب بكلمة “لا تعليق”. ما هي إلا ساعات قليلة حتى خرج الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، ونسف الإعلان برمّته.
كلمة سرّ؟
فحزب الله اعتبر أن الإعلان أو الاتفاق، موجهاً ضده حصراً، وأنه تفاهم ما بين لبنان، إسرائيل والولايات المتحدة على كيفية تفكيك سلاحه، خصوصاً أن جزءاً من المداولات الداخلية للمفاوضات، تركز حول الإصرار الإسرائيلي على فتح مسار تنسيق أمني وعسكري مع لبنان حول كيفية العمل على سحب سلاح الحزب وتفكيكه، لأن ما يريده الأميركيون والإسرائيليون هو فصل الدولة اللبنانية عن حزب الله، وعن إيران، وهو ما يرفضه الإيرانيون والحزب الذي أبلغ رفضه الرسمي للإعلان لرئيس مجلس النواب نبيه بري. لم يكن رد حزب الله سياسياً فقط، بل كان في الميدان من خلال تصعيد وتكثيف عملياته العسكرية، وهو الأمر الذي يريد الإسرائيليون الردّ عليه أيضاً، ما يبقي الجنوب ولبنان كله في حالة حرب لا سقف زمنياً لها. ولكن في المقابل، لا يزال هناك من يتحدث عن كلمة سرّ لا تزال موجودة في مكان ما، ولا بد لها أن تظهر.





