أراد قاسم إسقاط الاتّفاق… فأنقذ نتنياهو

جاء موقف نعيم قاسم بمثابة هدية سياسية غير متوقعة لرئيس الحكومة الإسرائيلية. فبدلاً من أن يضطر نتنياهو إلى مواجهة وزرائه أو إلى تبرير أي تنازل أمام الرأي العام الإسرائيلي، انتقلت المسؤولية بالكامل إلى الطرف الآخر….
قد يبدو للوهلة الأولى أن رفض الأمين العام لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم التفاهمات التي خرجت من مفاوضات واشنطن شكّل تحدياً لإسرائيل وللولايات المتحدة.
لكن التمعّن في المشهد السياسي الذي أعقب الإعلان الأميركي يقود إلى استنتاج مختلف تماماً: الرجل الذي أراد إسقاط الاتفاق أراح، عملياً، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وربما حرره من واحد من أكثر المآزق السياسية تعقيداً التي واجهها منذ اندلاع الحرب.
فالمشكلة لم تكن في أن إسرائيل كانت متحمسة للاتفاق فيما كان “الحزب” يرفضه. على العكس تماماً… ما كشفته النقاشات داخل المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي، الخميس الماضي أظهر أن حكومة نتنياهو نفسها كانت منقسمة حيال أي وقف لإطلاق النار. وزراء بارزون دعوا إلى مواصلة الحرب وتوسيع العمليات العسكرية، وبعضهم طالب باستكمال ما يعتبره “تفكيكاً” للبنية العسكرية للحزب قبل الحديث عن أي تسوية.
كان نتنياهو، عملياً، يقف بين ضغطين متعارضين من جهة، إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي بدت حريصة على تحقيق اختراق سياسي في لبنان وإنتاج مسار جديد يوقف الحرب ويعيد رسم قواعد الاشتباك على الحدود. ومن جهة أخرى، شركاؤه في الائتلاف الذين يرون أن وقف النار الآن يعني تفويت فرصة استراتيجية لإضعاف “الحزب” أكثر.
وسط هذا التناقض، جاء موقف نعيم قاسم بمثابة هدية سياسية غير متوقعة لرئيس الحكومة الإسرائيلية. فبدلاً من أن يضطر نتنياهو إلى مواجهة وزرائه أو إلى تبرير أي تنازل أمام الرأي العام الإسرائيلي، انتقلت المسؤولية بالكامل إلى الطرف الآخر. لم يعد مطلوباً من إسرائيل أن ترفض أو أن توافق. بات بإمكان نتنياهو ببساطة أن يقول ما قاله بالفعل أمام وزرائه: لا يوجد اتفاق لأن “الحزب” يرفضه.
بهذا المعنى، لم يعد نتنياهو في موقع المتهم بإفشال المبادرة الأميركية، بل في موقع المنتظر لقرار خصمه. وانتقلت كرة المسؤولية من تل أبيب إلى الضاحية الجنوبية، لكن المفارقة الأهم لا تتعلق بإسرائيل وحدها، بل بلبنان أيضاً.
لبنان والفرصة الأميركية… المهدورة
ففي موازاة الحراك الأميركي، كانت الدولة اللبنانية تحاول استثمار لحظة سياسية نادرة. للمرة الأولى منذ سنوات، بدا أن هناك نافذة مفتوحة في واشنطن يمكن للبنان أن يستفيد منها؛ فالرئيس جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام والوفد اللبناني المفاوض سعوا إلى استغلال الرغبة الأميركية في تحقيق إنجاز سياسي على الجبهة اللبنانية، وإلى الاستفادة من التباين الذي بدأ يظهر بين ترامب ونتنياهو حيال إدارة الحرب ومآلاتها.
ومن هنا جاء الإصرار اللبناني على انتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية والأمنية قبل الوصول إلى أي تفاهم نهائي. فالمفاوض اللبناني لم يكن يفاوض على وقف إطلاق نار فحسب، بل كان يحاول الحصول على ضمانات أميركية تتصل بوقف شامل للحرب، وتعزيز دور الجيش اللبناني، وفتح الباب أمام انسحابات إسرائيلية أوسع، وربما إعادة تثبيت موقع الدولة اللبنانية بوصفها الشريك الوحيد المعترف به دولياً في إدارة الجنوب.
لهذا السبب، لم يكن الإعلان الأميركي مجرد هدنة عسكرية. لقد حمل في طياته بداية مسار سياسي مختلف يقوم على تعزيز حضور الدولة اللبنانية في المناطق الحدودية، وعلى اختبار نموذج جديد تكون فيه السلطة الشرعية هي المرجعية الأمنية الوحيدة جنوب الليطاني.
غير أن رفض “الحزب” السريع للتفاهمات غيّر المشهد كله. فبدلاً من وضع نتنياهو في مواجهة الضغوط الأميركية، خفف عنه هذه الضغوط. وبدلاً من تمكين الدولة اللبنانية من استثمار اندفاعة ترامب نحو تسوية، أضعف موقعها التفاوضي. وبدلاً من إبقاء الأنظار مركزة على الشروط الإسرائيلية وعلى ضرورة وقف الاعتداءات، تحولت الأنظار إلى الجهة التي أعلنت رفض الاتفاق من أساسه.
هنا تكمن المعضلة الأساسية التي تواجه لبنان اليوم. فبينما تحاول الدولة الاستفادة من أي تباين أميركي – إسرائيلي لتحصيل مكاسب وطنية، يصر “الحزب” على التعامل مع الملف من زاوية مختلفة تماماً، مرتبطة بحسابات الصراع الإقليمي وموقعه داخل المحور الإيراني.
والنتيجة أن لبنان الرسمي وجد نفسه يخسر ورقة كان يحاول توظيفها، فيما وجد نتنياهو نفسه يتخلص من عبء سياسي ثقيل كان يهدد بتفجير خلافات داخل حكومته.
لهذا قد لا يكون السؤال الحقيقي هو لماذا رفض نعيم قاسم اتفاق واشنطن، بل ماذا حقق هذا الرفض فعلياً؟
حتى الآن، تبدو الإجابة واضحة: لقد منح نتنياهو ما كان يحتاج إليه أكثر من أي شيء آخر؛ مبرراً لمواصلة الحرب من دون أن يتحمل مسؤولية إفشال فرصة وقفها.
أراد قاسم إسقاط الاتّفاق… فأنقذ نتنياهو

جاء موقف نعيم قاسم بمثابة هدية سياسية غير متوقعة لرئيس الحكومة الإسرائيلية. فبدلاً من أن يضطر نتنياهو إلى مواجهة وزرائه أو إلى تبرير أي تنازل أمام الرأي العام الإسرائيلي، انتقلت المسؤولية بالكامل إلى الطرف الآخر….
قد يبدو للوهلة الأولى أن رفض الأمين العام لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم التفاهمات التي خرجت من مفاوضات واشنطن شكّل تحدياً لإسرائيل وللولايات المتحدة.
لكن التمعّن في المشهد السياسي الذي أعقب الإعلان الأميركي يقود إلى استنتاج مختلف تماماً: الرجل الذي أراد إسقاط الاتفاق أراح، عملياً، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وربما حرره من واحد من أكثر المآزق السياسية تعقيداً التي واجهها منذ اندلاع الحرب.
فالمشكلة لم تكن في أن إسرائيل كانت متحمسة للاتفاق فيما كان “الحزب” يرفضه. على العكس تماماً… ما كشفته النقاشات داخل المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي، الخميس الماضي أظهر أن حكومة نتنياهو نفسها كانت منقسمة حيال أي وقف لإطلاق النار. وزراء بارزون دعوا إلى مواصلة الحرب وتوسيع العمليات العسكرية، وبعضهم طالب باستكمال ما يعتبره “تفكيكاً” للبنية العسكرية للحزب قبل الحديث عن أي تسوية.
كان نتنياهو، عملياً، يقف بين ضغطين متعارضين من جهة، إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي بدت حريصة على تحقيق اختراق سياسي في لبنان وإنتاج مسار جديد يوقف الحرب ويعيد رسم قواعد الاشتباك على الحدود. ومن جهة أخرى، شركاؤه في الائتلاف الذين يرون أن وقف النار الآن يعني تفويت فرصة استراتيجية لإضعاف “الحزب” أكثر.
وسط هذا التناقض، جاء موقف نعيم قاسم بمثابة هدية سياسية غير متوقعة لرئيس الحكومة الإسرائيلية. فبدلاً من أن يضطر نتنياهو إلى مواجهة وزرائه أو إلى تبرير أي تنازل أمام الرأي العام الإسرائيلي، انتقلت المسؤولية بالكامل إلى الطرف الآخر. لم يعد مطلوباً من إسرائيل أن ترفض أو أن توافق. بات بإمكان نتنياهو ببساطة أن يقول ما قاله بالفعل أمام وزرائه: لا يوجد اتفاق لأن “الحزب” يرفضه.
بهذا المعنى، لم يعد نتنياهو في موقع المتهم بإفشال المبادرة الأميركية، بل في موقع المنتظر لقرار خصمه. وانتقلت كرة المسؤولية من تل أبيب إلى الضاحية الجنوبية، لكن المفارقة الأهم لا تتعلق بإسرائيل وحدها، بل بلبنان أيضاً.
لبنان والفرصة الأميركية… المهدورة
ففي موازاة الحراك الأميركي، كانت الدولة اللبنانية تحاول استثمار لحظة سياسية نادرة. للمرة الأولى منذ سنوات، بدا أن هناك نافذة مفتوحة في واشنطن يمكن للبنان أن يستفيد منها؛ فالرئيس جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام والوفد اللبناني المفاوض سعوا إلى استغلال الرغبة الأميركية في تحقيق إنجاز سياسي على الجبهة اللبنانية، وإلى الاستفادة من التباين الذي بدأ يظهر بين ترامب ونتنياهو حيال إدارة الحرب ومآلاتها.
ومن هنا جاء الإصرار اللبناني على انتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية والأمنية قبل الوصول إلى أي تفاهم نهائي. فالمفاوض اللبناني لم يكن يفاوض على وقف إطلاق نار فحسب، بل كان يحاول الحصول على ضمانات أميركية تتصل بوقف شامل للحرب، وتعزيز دور الجيش اللبناني، وفتح الباب أمام انسحابات إسرائيلية أوسع، وربما إعادة تثبيت موقع الدولة اللبنانية بوصفها الشريك الوحيد المعترف به دولياً في إدارة الجنوب.
لهذا السبب، لم يكن الإعلان الأميركي مجرد هدنة عسكرية. لقد حمل في طياته بداية مسار سياسي مختلف يقوم على تعزيز حضور الدولة اللبنانية في المناطق الحدودية، وعلى اختبار نموذج جديد تكون فيه السلطة الشرعية هي المرجعية الأمنية الوحيدة جنوب الليطاني.
غير أن رفض “الحزب” السريع للتفاهمات غيّر المشهد كله. فبدلاً من وضع نتنياهو في مواجهة الضغوط الأميركية، خفف عنه هذه الضغوط. وبدلاً من تمكين الدولة اللبنانية من استثمار اندفاعة ترامب نحو تسوية، أضعف موقعها التفاوضي. وبدلاً من إبقاء الأنظار مركزة على الشروط الإسرائيلية وعلى ضرورة وقف الاعتداءات، تحولت الأنظار إلى الجهة التي أعلنت رفض الاتفاق من أساسه.
هنا تكمن المعضلة الأساسية التي تواجه لبنان اليوم. فبينما تحاول الدولة الاستفادة من أي تباين أميركي – إسرائيلي لتحصيل مكاسب وطنية، يصر “الحزب” على التعامل مع الملف من زاوية مختلفة تماماً، مرتبطة بحسابات الصراع الإقليمي وموقعه داخل المحور الإيراني.
والنتيجة أن لبنان الرسمي وجد نفسه يخسر ورقة كان يحاول توظيفها، فيما وجد نتنياهو نفسه يتخلص من عبء سياسي ثقيل كان يهدد بتفجير خلافات داخل حكومته.
لهذا قد لا يكون السؤال الحقيقي هو لماذا رفض نعيم قاسم اتفاق واشنطن، بل ماذا حقق هذا الرفض فعلياً؟
حتى الآن، تبدو الإجابة واضحة: لقد منح نتنياهو ما كان يحتاج إليه أكثر من أي شيء آخر؛ مبرراً لمواصلة الحرب من دون أن يتحمل مسؤولية إفشال فرصة وقفها.



