رودولف هيكل في إسلام آباد: لبنان على طاولة التفاوض رسمياً

الكاتب: غادة حلاوي | المصدر: المدن
6 حزيران 2026

في الوقت كانت فيه الأنظار مشدودة إلى واشنطن، بدا أن جزءاً أساسياً من مستقبل التسوية المرتبطة بلبنان يُطبخ بعيداً عنها. فإسلام آباد تحولت خلال الأسابيع الأخيرة إلى محطة أساسية في شبكة الاتصالات الإقليمية المتصلة بالمفاوضات الأميركية – الإيرانية، وبالترتيبات الأمنية التي يُراد لها أن تشمل جنوب لبنان. ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى باكستان بوصفها زيارة بروتوكولية أو عسكرية عادية، بل باعتبارها مؤشراً إلى دخول لبنان عملياً في مرحلة جديدة من التفاوض غير المباشر على شكل المرحلة المقبلة، وعلى قواعد وقف النار، وحدود الأدوار التي ستُطلب من مؤسسات الدولة اللبنانية في أي اتفاق يجري العمل عليه.

تشكّل الزيارة بدعوة من نظيره الباكستاني عاصم منير، حدثاً بالغ الأهمية. الدعوة صادرة عن الرجل الأقوى في باكستان، والذي يُنسب إليه دور أساسي في ملف المفاوضات بين واشنطن وطهران، وهو ملف يدخل لبنان ضمن بنوده حكماً. 

ووفق المعلومات، ترغب باكستان في الاطلاع على واقع الأرض في الجنوب والمنطقة الأمنية، وكيفية تحقيق وقف إطلاق نار شامل وإنهاء أي ظروف تؤدي إلى التوتر. كما تريد الوقوف على إمكانات الجيش اللبناني ودوره في حال التوصل إلى اتفاق، والمحاذير التي تعاطى معها الجيش خلال المفاوضات الثنائية مع إسرائيل، وما نتج عنها.

وتؤكد الزيارة، في حال قراءتها ضمن سياقها السياسي، ارتباط مسار لبنان بإسلام آباد، خصوصاً أن دعوة من هذا النوع لا تكون عادة بمعزل عن موافقة الجانب الأميركي، وبتنسيق مع الأطراف المعنية عربياً ودولياً.

وكان هيكل قد زار عين التينة والتقى رئيس مجلس النواب، حيث وُصفت أجواء اللقاء بأنها “إيجابية جداً”. واستفسر الرئيس نبيه بري من هيكل عن أجواء المفاوضات العسكرية في واشنطن، وما حصل في دبين، والواقع الميداني في الجنوب، وأبعاد ما نص عليه إعلان المبادئ، ولا سيما ما يتعلق بالحديث عن “مناطق تجريبية”، وهو أمر استوضح بري تفاصيله، خصوصاً أن المطلوب، هو توريط الجيش في مهام تحوّله إلى كشاف لا إلى جيش. كما أن فكرة المناطق التجريبية سبق أن اعتُمدت في اتفاق أوسلو، نتيجتها سلبية وغير مشجعة.

وجاءت زيارة هيكل قبل إعلان رئيس المجلس موقفه من إعلان المبادئ الذي وصفه بأنه “هجين”، معتبراً أنه يتضمن بنوداً “مفخخة”، أبرزها ربط وقف إطلاق النار بانسحاب مقاتلي حزب الله من جنوب نهر الليطاني، من دون نص واضح يلزم إسرائيل بالانسحاب. وانتقد بري غياب أي التزام إسرائيلي واضح، ما يجعل الاتفاق غير متوازن، معتبراً أن التركيز على التزامات طرف واحد ينسف فرص نجاحه.

وطرح بري وقف إطلاق نار كاملاً وشاملاً وغير مشروط براً وبحراً وجواً، يترافق مع وقف عمليات الهدم الإسرائيلية، إلى جانب اعتماد انسحاب متوازن يشمل انسحاب مقاتلي حزب الله من جنوب الليطاني مقابل انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي تسيطر عليها. وقد نسّق بري هذا الموقف مع حزب الله، وقصد من خلاله إبقاء الباب موارباً أمام التحركات العربية، القطرية والسعودية على وجه التحديد، للتأكيد أن موافقته المطلوبة على إعلان المبادئ مشروطة بتحقيق وقف إطلاق نار شامل وانسحاب إسرائيلي كامل من لبنان.

وحسم بيان رئيس مجلس النواب موقف الثنائي، وأطلق رصاصة الرحمة على إعلان المبادئ، أو ما اعتبره الرئيس جوزاف عون «الفرصة الأخيرة للوصول إلى اتفاق»، علماً أن إسرائيل نفسها لم تتعامل مع إعلان المبادئ باعتباره نهائياً، إذ لم يعرضه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على المجلس الوزاري المصغر بعد رفضه من قبل حزب الله.

وكانت المفارقة في إعلان المبادئ خروج رئيس الوفد اللبناني المفاوض، السفير السابق سيمون كرم، من غرفة الاجتماع في وزارة الخارجية اعتراضاً على ما طرحه الوفد الإسرائيلي، قبل أن يعود وينضم إلى المجتمعين بعد اتصال تلقاه من الرئيس عون، الذي كان قد أُبلغ من ندى معوض بأن الوفدين الإسرائيلي والأميركي لم يكونا مرتاحين إلى تشدد كرم.

وأربك بيان بري قصر بعبدا، الذي راجع الأميركيين بشأن ما حصل. ولا تستبعد مصادر مواكبة أن نكون أمام إعلان وقف إطلاق نار شامل خلال الساعات المقبلة، يمنحه الرئيس الأميركي دونالد ترامب للرئيس عون لامتصاص النقمة التي أثارها إعلان المبادئ.

وجاء بيان بري عالي النبرة نتيجة اعتبار أن إعلان المبادئ جاء مغايراً لما وُعد به من نص يتضمن وقفاً شاملاً لإطلاق النار. وتقول المعلومات إن اتصال الأمير السعودي يزيد بن فرحان كان يهدف إلى الطلب من بري عدم الاعتراض على إعلان المبادئ، كما طلبت قطر من معاونه السياسي ألا يكون موقفه معارضاً لمواقف عون في المفاوضات. إلا أن بري فوجئ بإعلان لا يتضمن وقفاً شاملاً للنار، فقرر إصدار بيان حدّد فيه مسار التفاوض والشروط التي يفترض البحث فيها، وأبقى الباب موارباً أمام المبادرات الخارجية التي قد تأتي من دول عربية، محافظاً في الوقت نفسه على موقعه كحلقة وصل بين مختلف الأطراف في الداخل والخارج.

ويدرك بري تماماً أن الاتفاق الأساسي، وفق هذه القراءة، يُصاغ في إسلام آباد أكثر مما يُصاغ في واشنطن عبر المفاوضات المباشرة. ومع إصرار الولايات المتحدة على استمرار المفاوضات، يعتبر الثنائي أنه كان بإمكان لبنان تحقيق مطلبه بوقف إطلاق النار لو لوّح بوقف التفاوض في حال عدم التوصل إلى وقف شامل. وما أثار غضب الثنائي أيضاً تضمين إعلان المبادئ مواقف منسوبة إلى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بشأن اعتبار حزب الله «عدواً للبنان».

وتشير المعلومات إلى أن أجواء إيجابية من إسلام آباد وصلت إلى حزب الله، في وقت يصر فيه ترامب على وجود قنوات تواصل معه. والمقصود، بحسب هذه القراءة، التواصل غير المباشر عبر بري وشبكة المستشارين المحيطين به ممن تربطهم علاقات جيدة بالحزب. كما يسعى السفير الأميركي ميشال عيسى باستمرار إلى إيصال رسائل إلى بري بهدف استمزاج موقف حزب الله منها، ويستفسر عن مواقف الحزب عبر عين التينة قبل نقل خلاصاتها إلى الإدارة الأميركية. وربما هذا ما قصده ترامب عندما تحدث عن وجود علاقة مع حزب الله، وهو أمر لم يؤكده الحزب ولم ينفه، ربما لأنه لا يجد مصلحة في الخوض فيه.

تسارع المواقف والتطورات يجعل الساعات المقبلة شديدة الحساسية، فقد تحمل معها إعلاناً عن مرونة جديدة في إسلام آباد، أو قد يجري تأجيل هذا المسار. وفي كلا الحالين، بات لبنان، مع زيارة هيكل إلى إسلام آباد، حاضراً في المفاوضات الجارية، حيث يصعب فصل المسارات بعضها عن بعض. وبالتوازي، يجري العمل في إسلام آباد على صياغة نص مكتوب مرتبط بلبنان، لا يزال قيد البلورة.

رودولف هيكل في إسلام آباد: لبنان على طاولة التفاوض رسمياً

الكاتب: غادة حلاوي | المصدر: المدن
6 حزيران 2026

في الوقت كانت فيه الأنظار مشدودة إلى واشنطن، بدا أن جزءاً أساسياً من مستقبل التسوية المرتبطة بلبنان يُطبخ بعيداً عنها. فإسلام آباد تحولت خلال الأسابيع الأخيرة إلى محطة أساسية في شبكة الاتصالات الإقليمية المتصلة بالمفاوضات الأميركية – الإيرانية، وبالترتيبات الأمنية التي يُراد لها أن تشمل جنوب لبنان. ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى باكستان بوصفها زيارة بروتوكولية أو عسكرية عادية، بل باعتبارها مؤشراً إلى دخول لبنان عملياً في مرحلة جديدة من التفاوض غير المباشر على شكل المرحلة المقبلة، وعلى قواعد وقف النار، وحدود الأدوار التي ستُطلب من مؤسسات الدولة اللبنانية في أي اتفاق يجري العمل عليه.

تشكّل الزيارة بدعوة من نظيره الباكستاني عاصم منير، حدثاً بالغ الأهمية. الدعوة صادرة عن الرجل الأقوى في باكستان، والذي يُنسب إليه دور أساسي في ملف المفاوضات بين واشنطن وطهران، وهو ملف يدخل لبنان ضمن بنوده حكماً. 

ووفق المعلومات، ترغب باكستان في الاطلاع على واقع الأرض في الجنوب والمنطقة الأمنية، وكيفية تحقيق وقف إطلاق نار شامل وإنهاء أي ظروف تؤدي إلى التوتر. كما تريد الوقوف على إمكانات الجيش اللبناني ودوره في حال التوصل إلى اتفاق، والمحاذير التي تعاطى معها الجيش خلال المفاوضات الثنائية مع إسرائيل، وما نتج عنها.

وتؤكد الزيارة، في حال قراءتها ضمن سياقها السياسي، ارتباط مسار لبنان بإسلام آباد، خصوصاً أن دعوة من هذا النوع لا تكون عادة بمعزل عن موافقة الجانب الأميركي، وبتنسيق مع الأطراف المعنية عربياً ودولياً.

وكان هيكل قد زار عين التينة والتقى رئيس مجلس النواب، حيث وُصفت أجواء اللقاء بأنها “إيجابية جداً”. واستفسر الرئيس نبيه بري من هيكل عن أجواء المفاوضات العسكرية في واشنطن، وما حصل في دبين، والواقع الميداني في الجنوب، وأبعاد ما نص عليه إعلان المبادئ، ولا سيما ما يتعلق بالحديث عن “مناطق تجريبية”، وهو أمر استوضح بري تفاصيله، خصوصاً أن المطلوب، هو توريط الجيش في مهام تحوّله إلى كشاف لا إلى جيش. كما أن فكرة المناطق التجريبية سبق أن اعتُمدت في اتفاق أوسلو، نتيجتها سلبية وغير مشجعة.

وجاءت زيارة هيكل قبل إعلان رئيس المجلس موقفه من إعلان المبادئ الذي وصفه بأنه “هجين”، معتبراً أنه يتضمن بنوداً “مفخخة”، أبرزها ربط وقف إطلاق النار بانسحاب مقاتلي حزب الله من جنوب نهر الليطاني، من دون نص واضح يلزم إسرائيل بالانسحاب. وانتقد بري غياب أي التزام إسرائيلي واضح، ما يجعل الاتفاق غير متوازن، معتبراً أن التركيز على التزامات طرف واحد ينسف فرص نجاحه.

وطرح بري وقف إطلاق نار كاملاً وشاملاً وغير مشروط براً وبحراً وجواً، يترافق مع وقف عمليات الهدم الإسرائيلية، إلى جانب اعتماد انسحاب متوازن يشمل انسحاب مقاتلي حزب الله من جنوب الليطاني مقابل انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي تسيطر عليها. وقد نسّق بري هذا الموقف مع حزب الله، وقصد من خلاله إبقاء الباب موارباً أمام التحركات العربية، القطرية والسعودية على وجه التحديد، للتأكيد أن موافقته المطلوبة على إعلان المبادئ مشروطة بتحقيق وقف إطلاق نار شامل وانسحاب إسرائيلي كامل من لبنان.

وحسم بيان رئيس مجلس النواب موقف الثنائي، وأطلق رصاصة الرحمة على إعلان المبادئ، أو ما اعتبره الرئيس جوزاف عون «الفرصة الأخيرة للوصول إلى اتفاق»، علماً أن إسرائيل نفسها لم تتعامل مع إعلان المبادئ باعتباره نهائياً، إذ لم يعرضه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على المجلس الوزاري المصغر بعد رفضه من قبل حزب الله.

وكانت المفارقة في إعلان المبادئ خروج رئيس الوفد اللبناني المفاوض، السفير السابق سيمون كرم، من غرفة الاجتماع في وزارة الخارجية اعتراضاً على ما طرحه الوفد الإسرائيلي، قبل أن يعود وينضم إلى المجتمعين بعد اتصال تلقاه من الرئيس عون، الذي كان قد أُبلغ من ندى معوض بأن الوفدين الإسرائيلي والأميركي لم يكونا مرتاحين إلى تشدد كرم.

وأربك بيان بري قصر بعبدا، الذي راجع الأميركيين بشأن ما حصل. ولا تستبعد مصادر مواكبة أن نكون أمام إعلان وقف إطلاق نار شامل خلال الساعات المقبلة، يمنحه الرئيس الأميركي دونالد ترامب للرئيس عون لامتصاص النقمة التي أثارها إعلان المبادئ.

وجاء بيان بري عالي النبرة نتيجة اعتبار أن إعلان المبادئ جاء مغايراً لما وُعد به من نص يتضمن وقفاً شاملاً لإطلاق النار. وتقول المعلومات إن اتصال الأمير السعودي يزيد بن فرحان كان يهدف إلى الطلب من بري عدم الاعتراض على إعلان المبادئ، كما طلبت قطر من معاونه السياسي ألا يكون موقفه معارضاً لمواقف عون في المفاوضات. إلا أن بري فوجئ بإعلان لا يتضمن وقفاً شاملاً للنار، فقرر إصدار بيان حدّد فيه مسار التفاوض والشروط التي يفترض البحث فيها، وأبقى الباب موارباً أمام المبادرات الخارجية التي قد تأتي من دول عربية، محافظاً في الوقت نفسه على موقعه كحلقة وصل بين مختلف الأطراف في الداخل والخارج.

ويدرك بري تماماً أن الاتفاق الأساسي، وفق هذه القراءة، يُصاغ في إسلام آباد أكثر مما يُصاغ في واشنطن عبر المفاوضات المباشرة. ومع إصرار الولايات المتحدة على استمرار المفاوضات، يعتبر الثنائي أنه كان بإمكان لبنان تحقيق مطلبه بوقف إطلاق النار لو لوّح بوقف التفاوض في حال عدم التوصل إلى وقف شامل. وما أثار غضب الثنائي أيضاً تضمين إعلان المبادئ مواقف منسوبة إلى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بشأن اعتبار حزب الله «عدواً للبنان».

وتشير المعلومات إلى أن أجواء إيجابية من إسلام آباد وصلت إلى حزب الله، في وقت يصر فيه ترامب على وجود قنوات تواصل معه. والمقصود، بحسب هذه القراءة، التواصل غير المباشر عبر بري وشبكة المستشارين المحيطين به ممن تربطهم علاقات جيدة بالحزب. كما يسعى السفير الأميركي ميشال عيسى باستمرار إلى إيصال رسائل إلى بري بهدف استمزاج موقف حزب الله منها، ويستفسر عن مواقف الحزب عبر عين التينة قبل نقل خلاصاتها إلى الإدارة الأميركية. وربما هذا ما قصده ترامب عندما تحدث عن وجود علاقة مع حزب الله، وهو أمر لم يؤكده الحزب ولم ينفه، ربما لأنه لا يجد مصلحة في الخوض فيه.

تسارع المواقف والتطورات يجعل الساعات المقبلة شديدة الحساسية، فقد تحمل معها إعلاناً عن مرونة جديدة في إسلام آباد، أو قد يجري تأجيل هذا المسار. وفي كلا الحالين، بات لبنان، مع زيارة هيكل إلى إسلام آباد، حاضراً في المفاوضات الجارية، حيث يصعب فصل المسارات بعضها عن بعض. وبالتوازي، يجري العمل في إسلام آباد على صياغة نص مكتوب مرتبط بلبنان، لا يزال قيد البلورة.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار