التحويلات إلى الخارج بين 2015 و2020: هل المشكلة في الأموال أو في مصدرها؟

عاد ملف التحويلات المالية إلى الواجهة مجددا مع استئناف التحقيقات القضائية في قضية شركة مكتف للصيرفة، وهو ملف لطالما كان الأكثر إثارة للجدل منذ اندلاع الأزمة المالية.
وعلى الرغم من ارتباطه شعبيا بمسألة تهريب الأموال إلى الخارج، فإن جوهر القضية لا يقتصر على التحويلات بذاتها، بل يتعداها إلى البحث في مصدر الأموال المحولة والجهات التي استفادت منها، وما إذا كانت بعض العمليات قد ارتبطت باستغلال نفوذ أو بآليات مالية ساهمت في استنزاف السيولة بالعملات الأجنبية.
فالأعوام الممتدة من 2015 إلى 2020 سبقت إقرار أيّ قانون لـ”الكابيتال كونترول”، ما يعني أن التحويلات إلى الخارج كانت قانونية من حيث المبدأ. بيد أن الانهيار المالي الذي وقع لاحقا دفع القضاء اللبناني وعددا من الجهات القضائية الأوروبية إلى إعادة النظر في بعض هذه العمليات، ليس من زاوية قانونية التحويل، بل من زاوية الظروف التي أحاطت به ومصدر الأموال التي خرجت من لبنان.
في هذا السياق، عاد الحديث عن ملفات ارتبطت بالحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة، ولا سيما تلك المتعلقة بشركات “فوري” و”أوبتيموم إنفست”، والتي تحولت خلال الأعوام الأخيرة إلى محور تحقيقات في لبنان وفرنسا وألمانيا ولوكسمبور. ووفق الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف سمير حمود، فإن التركيز حصرا على الفترة بين عامي 2015 و2020 لا يكفي لفهم الصورة الكاملة، خصوصا أن التدقيق الجنائي الجديد الذي رست مناقصته على شركة “ألفاريز ومارسال” يمتد من عام 1991 إلى عام 2023، ويشمل مختلف العمليات المالية التي نفذها مصرف لبنان، سواء تلك المرتبطة بالدعم أو بالنفقات والتحويلات الأخرى.
ويشير حمود إلى أن “التدقيق موزع على شقين: الأول يتعلق بالأموال التي صرفت ضمن برامج الدعم، والثاني بأموال مصرف لبنان وكيفية إنفاقها خارج إطار الدعم، سواء لتسديد التزامات الدولة أو لتنفيذ عمليات مالية مرتبطة بالقطاع المصرفي. أما تحديد ما إذا كانت بعض التحويلات تنطوي على مخالفات أو جرائم محتملة، فيبقى من اختصاص القضاء والتحقيقات الجارية.
عودة إلى القضاء
تتزامن هذه التطورات مع جلسة التحقيق التي عقدتها قاضية التحقيق الأولى في جبل لبنان ندى الأسمر في الأول من حزيران 2026، حيث استجوبت ممثل شركة مكتف للصيرفة روبير أنطون مكتف، قبل أن تؤجل الجلسة إلى 29 حزيران لاستكمال الاستجواب.
وتعود القضية إلى عام 2021 عندما ادعت القاضية غادة عون على شركة مكتف ورياض سلامة ورئيسة لجنة الرقابة على المصارف سابقا مايا الدباغ ورئيس مجلس إدارة بنك “سوسيتيه جنرال” أنطون الصحناوي، إضافة إلى شركة “برايس ووترهاوس كوبرز”، وذلك استنادا إلى شكوى تقدم بها عدد من المودعين والمحامين.
وقد شمل الادعاء جرائم تبييض الأموال والفساد وصرف النفوذ والإخلال بالواجبات الوظيفية وإساءة استعمال السلطة والتهرّب الضريبي وكتم معلومات عن التحقيق والإفادة الكاذبة وفضّ الأختام، على خلفية تحويلات مالية مشبوهة إلى الخارج بين 2015 و2021 ساهمت في ضرب العملة الوطنية.
وبحسب الرواية التي طرحت آنذاك، فإن جوهر الاتهامات كان يقوم على أن مبالغ كبيرة بالليرة اللبنانية خرجت من مصرف لبنان إلى بعض المصارف، وفي مقدمها “سوسيتيه جنرال”، ثم استخدمت لشراء الدولار من السوق وتحويله إلى الخارج عبر شركة مكتف للصيرفة. ورأى أصحاب الفرضية أن هذه العمليات أسهمت في زيادة الطلب على الدولار واستنزاف السيولة بالعملة الأجنبية، وتاليا في زيادة الضغوط على سعر الصرف.
في المقابل، يسأل البعض “إذا كانت الأموال موجودة أساسا في حسابات أصحابها وكان يحق لهم قانونا التصرف بها وتحويلها إلى الخارج في غياب أيّ قيود قانونية، فأين المخالفة؟”
أين دور مكتف؟
تؤكد المصادر أن شركة مكتف لم تكن صاحبة القرار المالي، بل كانت تؤدي دور الوسيط المنفذ لعمليات التحويل المطلوبة من أصحاب الأموال. ولذلك فإن النقاش القضائي لا يتركز على عملية التحويل نفسها، بل على الظروف التي سبقتها، ومصدر الأموال المستخدمة، وما إذا كانت بعض العمليات تمت استنادا إلى امتيازات أو معلومات أو تسهيلات استثنائية لم تكن متاحة لسائر المودعين.
وفي موازاة هذه التحقيقات، برز التعميم الأساسي الرقم 154 الصادر عن مصرف لبنان في آب 2020 كأحد أبرز المؤشرات الرسمية على حجم الأموال التي خرجت من لبنان خلال السنوات السابقة للأزمة. فقد طلب التعميم من المصارف التواصل مع العملاء الذين حولوا إلى الخارج أكثر من 500 ألف دولار منذ تموز 2017، وحضهم على إعادة إيداع ما يوازي 15% من قيمة التحويلات في حسابات مجمدة لمدة خمس سنوات.
أما رؤساء مجالس الإدارة والأعضاء وكبار المساهمين والإدارات التنفيذية العليا والأشخاص المعرضون سياسيا، فطلب منهم إعادة ما يعادل 30% من قيمة التحويلات.
التحويلات إلى الخارج بين 2015 و2020: هل المشكلة في الأموال أو في مصدرها؟

عاد ملف التحويلات المالية إلى الواجهة مجددا مع استئناف التحقيقات القضائية في قضية شركة مكتف للصيرفة، وهو ملف لطالما كان الأكثر إثارة للجدل منذ اندلاع الأزمة المالية.
وعلى الرغم من ارتباطه شعبيا بمسألة تهريب الأموال إلى الخارج، فإن جوهر القضية لا يقتصر على التحويلات بذاتها، بل يتعداها إلى البحث في مصدر الأموال المحولة والجهات التي استفادت منها، وما إذا كانت بعض العمليات قد ارتبطت باستغلال نفوذ أو بآليات مالية ساهمت في استنزاف السيولة بالعملات الأجنبية.
فالأعوام الممتدة من 2015 إلى 2020 سبقت إقرار أيّ قانون لـ”الكابيتال كونترول”، ما يعني أن التحويلات إلى الخارج كانت قانونية من حيث المبدأ. بيد أن الانهيار المالي الذي وقع لاحقا دفع القضاء اللبناني وعددا من الجهات القضائية الأوروبية إلى إعادة النظر في بعض هذه العمليات، ليس من زاوية قانونية التحويل، بل من زاوية الظروف التي أحاطت به ومصدر الأموال التي خرجت من لبنان.
في هذا السياق، عاد الحديث عن ملفات ارتبطت بالحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة، ولا سيما تلك المتعلقة بشركات “فوري” و”أوبتيموم إنفست”، والتي تحولت خلال الأعوام الأخيرة إلى محور تحقيقات في لبنان وفرنسا وألمانيا ولوكسمبور. ووفق الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف سمير حمود، فإن التركيز حصرا على الفترة بين عامي 2015 و2020 لا يكفي لفهم الصورة الكاملة، خصوصا أن التدقيق الجنائي الجديد الذي رست مناقصته على شركة “ألفاريز ومارسال” يمتد من عام 1991 إلى عام 2023، ويشمل مختلف العمليات المالية التي نفذها مصرف لبنان، سواء تلك المرتبطة بالدعم أو بالنفقات والتحويلات الأخرى.
ويشير حمود إلى أن “التدقيق موزع على شقين: الأول يتعلق بالأموال التي صرفت ضمن برامج الدعم، والثاني بأموال مصرف لبنان وكيفية إنفاقها خارج إطار الدعم، سواء لتسديد التزامات الدولة أو لتنفيذ عمليات مالية مرتبطة بالقطاع المصرفي. أما تحديد ما إذا كانت بعض التحويلات تنطوي على مخالفات أو جرائم محتملة، فيبقى من اختصاص القضاء والتحقيقات الجارية.
عودة إلى القضاء
تتزامن هذه التطورات مع جلسة التحقيق التي عقدتها قاضية التحقيق الأولى في جبل لبنان ندى الأسمر في الأول من حزيران 2026، حيث استجوبت ممثل شركة مكتف للصيرفة روبير أنطون مكتف، قبل أن تؤجل الجلسة إلى 29 حزيران لاستكمال الاستجواب.
وتعود القضية إلى عام 2021 عندما ادعت القاضية غادة عون على شركة مكتف ورياض سلامة ورئيسة لجنة الرقابة على المصارف سابقا مايا الدباغ ورئيس مجلس إدارة بنك “سوسيتيه جنرال” أنطون الصحناوي، إضافة إلى شركة “برايس ووترهاوس كوبرز”، وذلك استنادا إلى شكوى تقدم بها عدد من المودعين والمحامين.
وقد شمل الادعاء جرائم تبييض الأموال والفساد وصرف النفوذ والإخلال بالواجبات الوظيفية وإساءة استعمال السلطة والتهرّب الضريبي وكتم معلومات عن التحقيق والإفادة الكاذبة وفضّ الأختام، على خلفية تحويلات مالية مشبوهة إلى الخارج بين 2015 و2021 ساهمت في ضرب العملة الوطنية.
وبحسب الرواية التي طرحت آنذاك، فإن جوهر الاتهامات كان يقوم على أن مبالغ كبيرة بالليرة اللبنانية خرجت من مصرف لبنان إلى بعض المصارف، وفي مقدمها “سوسيتيه جنرال”، ثم استخدمت لشراء الدولار من السوق وتحويله إلى الخارج عبر شركة مكتف للصيرفة. ورأى أصحاب الفرضية أن هذه العمليات أسهمت في زيادة الطلب على الدولار واستنزاف السيولة بالعملة الأجنبية، وتاليا في زيادة الضغوط على سعر الصرف.
في المقابل، يسأل البعض “إذا كانت الأموال موجودة أساسا في حسابات أصحابها وكان يحق لهم قانونا التصرف بها وتحويلها إلى الخارج في غياب أيّ قيود قانونية، فأين المخالفة؟”
أين دور مكتف؟
تؤكد المصادر أن شركة مكتف لم تكن صاحبة القرار المالي، بل كانت تؤدي دور الوسيط المنفذ لعمليات التحويل المطلوبة من أصحاب الأموال. ولذلك فإن النقاش القضائي لا يتركز على عملية التحويل نفسها، بل على الظروف التي سبقتها، ومصدر الأموال المستخدمة، وما إذا كانت بعض العمليات تمت استنادا إلى امتيازات أو معلومات أو تسهيلات استثنائية لم تكن متاحة لسائر المودعين.
وفي موازاة هذه التحقيقات، برز التعميم الأساسي الرقم 154 الصادر عن مصرف لبنان في آب 2020 كأحد أبرز المؤشرات الرسمية على حجم الأموال التي خرجت من لبنان خلال السنوات السابقة للأزمة. فقد طلب التعميم من المصارف التواصل مع العملاء الذين حولوا إلى الخارج أكثر من 500 ألف دولار منذ تموز 2017، وحضهم على إعادة إيداع ما يوازي 15% من قيمة التحويلات في حسابات مجمدة لمدة خمس سنوات.
أما رؤساء مجالس الإدارة والأعضاء وكبار المساهمين والإدارات التنفيذية العليا والأشخاص المعرضون سياسيا، فطلب منهم إعادة ما يعادل 30% من قيمة التحويلات.




