إسرائيل مقابل الضاحية: تثبيت المعادلة يحتاج لجولة حرب جديدة

الكاتب: غادة حلاوي | المصدر: المدن
10 حزيران 2026

بين الحرب والتفاوض، يقف لبنان مرة جديدة في المنطقة الرمادية. فلا الحرب قادرة على حسم الخيارات، ولا التفاوض قادر على إنتاج التسويات. وفيما تتصارع القوى الإقليمية على تثبيت معادلات جديدة في المنطقة، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام مشهد مألوف ومؤلم: أرضهم تتحول إلى ساحة رسائل متبادلة، فيما دولتهم تكافح لإثبات حضورها في تقرير مصيرها.

فعلى وقع تثبيت المعادلات بين إيران وإسرائيل، يعيش الجنوب تصعيداً إسرائيلياً يدمر ما تبقى من منازل في البلدات والمدن الجنوبية. وعلى مدى يومين، نالت مدينة صور وجوارها النصيب الأكبر من الغارات، حيث صبّت إسرائيل غضبها على أحيائها التراثية وأبنيتها في عملية انتقامية رداً على البيان الإيراني الصادر عن “خاتم الأنبياء”، والذي كرّس معادلة قصف إسرائيل مقابل استهداف الضاحية.

وحسب تقديرات سياسية متقاطعة بين بيروت وطهران، فإن تكريس هذه المعادلة، وإن لم ينجح كما هو مفترض، قد يحتاج إلى جولات حرب إضافية لفرض الواقع الجديد على إسرائيل. كما أن طهران تريد لاحقاً تكريس معادلة وقف النار في جنوب لبنان، وإلا استئناف إطلاق الصواريخ على المستوطنات.

بالموازاة، يجري العمل على إرساء وقف نار شامل، وقد رُحّل هذا الملف إلى جلسة المفاوضات المباشرة الخامسة المرتقبة في 22 الجاري في واشنطن. مع العلم أن إيران أعلنت وقف استهداف إسرائيل، بينما لا يزال الجنوب تحت الغارات، وبدا حزب الله وكأنه التزم بالمعادلة المتعلقة بالضاحية، فأوقف قصف المستوطنات بالشكل الذي كان عليه سابقاً.

أمام جلسة المفاوضات الخامسة تعقيدات كثيرة. فرفض حزب الله إعلان النوايا يفرغه من مضمونه، ذلك أن التزام السلطة وموافقتها لن يؤمّنا تنفيذ البنود، إلا إذا كان المطلوب رمي الكرة في ملعب الجيش وزجّ قيادته في أتون مواجهة داخلية مع حزب الله.

التحضير للجلسة الخامسة انطلق بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الوفد اللبناني السفير السابق سيمون كرم. ومرة جديدة، يكون أقصى الطموح الحصول على التزام إسرائيلي بوقف النار، وهذا ليس مؤكداً.

وعلى مقلب ثانٍ، يحاول السفير الأميركي ميشال عيسى استقطاب رئيس مجلس النواب إلى موقف من إعلان المبادئ يساعد في ترسيخ بنوده، محاولاً تفسيرها على نحو مطمئن وتقديم ضمانات بانسحاب إسرائيلي لاحق. لكن نبيه بري، وبتفويض من حزب الله، أكد أن أي بحث لن يكون قبل وقف نار شامل، وقبل عودة النازحين والانسحاب الإسرائيلي.

أما بعبدا، فقد استمرت في محاولة استرضاء الثنائي وتليين موقفه عن بعد. فالتواصل لا يزال قائماً بين مستشاري رئيسي الجمهورية ومجلس النواب، كما بين مستشارين في بعبدا ومسؤولين من حزب الله. وحسب المعلومات، فإن موفداً من بعبدا حاول التواصل مع السفير الإيراني للاستفسار عن رأيه في إعلان المبادئ، وحثّ الثنائي على اتخاذ موقف إيجابي منه باعتباره أفضل الممكن، فكان الجواب عدم التدخل.

علماً أن حزب الله كان قد أبلغ بري رفضه مقترح البنود الأربعة الذي أرسلته بعبدا، كما رفض إعلان المبادئ وما ورد فيه، ويصرّ على وقف نار شامل، وانسحاب من الأراضي التي تحتلها إسرائيل، وعودة النازحين.

وصلت العلاقة بين حزب الله ورئيس الجمهورية إلى نقطة اللاعودة. يشعر عون أن حزب الله يريد إنهاء عهده عبر جرّ البلد إلى حرب مع إسرائيل، فيما يتأكد حزب الله أن عون أحرق كل سبل الوصل معه، وهو يصر على مسار التفاوض المباشر مع إسرائيل رغم فشله في تحقيق ولو وقفٍ للنار، بل إنه كان سبباً في إضعاف موقف لبنان في المفاوضات.

لكن عون مقتنع بمساره إلى درجة أنه خالف أكثر من صديق صارحه بضرورة عدم تحمّل وزر المفاوضات وحده، وتقاسم المسؤولية مع الحكومة ورئيس مجلس النواب. حتى المقربون منه نصحوه بتخفيف حدة الموقف تجاه حزب الله.

يذهب عون بعيداً في معاداة حزب الله، في وقت أعلن فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب فتح مفاوضات معه عبر بري. كما بادرت جهات خليجية إلى الاتصال ببري وطلبت لقاء موفده علي حسن خليل لبدء بحث الآلية المناسبة لتطبيق أي اتفاق يمكن التوصل إليه.

وتلعب قطر حالياً دور الوسيط، وبطلب أميركي تسعى إلى معرفة كيفية المساعدة في تحقيق وقف نار شامل وتسهيل التوصل إلى نقاط مشتركة تفضي إلى اتفاق ينهي الحرب.

وحسب المعلومات، فقد أبلغت قطر موفد بري الذي زارها مؤخراً أنها مكلفة ببحث آلية يمكن أن تؤمن تنفيذ أي اتفاق قريب مع حزب الله لوقف النار، وتعتبر قطر أن أي اتفاق قد لا يكون تنفيذه يسيراً، وهو يحتاج إلى راعٍ ووسيط يضمن التزام الأطراف المعنية وتطبيق بنوده. وقد بدأت مسارها العملي بإعداد صيغة توافقية بحكم علاقاتها القريبة من مختلف الجهات.

حزب الله والتصعيد المحتمل

حزب الله، من جهته، يرى في التصعيد الإسرائيلي في الجنوب جواباً على المعادلة التي طرحتها طهران، ويقول إن الإسرائيلي سيضطر إلى الالتزام بها، لأن الجولة الحالية قد تتبعها جولات أخرى. ويصر الحزب على أن إيران ستثبت معادلة الجنوب لاحقاً، بدليل ما قاله قاليباف من أن تكريس مثل هذه المعادلة قد لا يكون فورياً.

وقد تخطى الحزب إعلان المبادئ ويتعاطى معه كأنه غير موجود، وهو أبلغ جوابه بشأنه إلى رئيس مجلس النواب الذي نقله إلى بعبدا، وإن كانت الأخيرة تصر على أنها لا تزال في انتظار جوابه النهائي.

المشكلة أن لبنان بات أمام طريق مسدود. فالمفاوضات المباشرة لم تحقق غايتها، وإن كان المتحمسون لهذا الخيار يبشرون بنتائج قريبة، علماً أن وقف النار غير مؤكد حتى في الجلسة الخامسة. كما أن لبنان المفاوض لا يزال مقتنعاً بأن نقطة البداية يجب أن تكون إعلان حزب الله وقف النار لإلزام إسرائيل بالمثل، بينما يصر حزب الله وبري على أن تبدأ إسرائيل أولاً بوقف الحرب، ليكون ذلك منطلقاً لبحث البنود الأخرى.

 تكمن المعضلة الحقيقية في أن جميع الأطراف يطالبون بضمانات من الآخرين، فيما لم يعد أحد قادراً على تقديم ضمانة للبنان نفسه. ومن يدري ما إذا كان لبنان سيبقى قادراً على استعادة قراره الوطني، أم سيظل رهينة صراعات تُدار فوق أرضه أكثر مما تُدار من أجله.

إسرائيل مقابل الضاحية: تثبيت المعادلة يحتاج لجولة حرب جديدة

الكاتب: غادة حلاوي | المصدر: المدن
10 حزيران 2026

بين الحرب والتفاوض، يقف لبنان مرة جديدة في المنطقة الرمادية. فلا الحرب قادرة على حسم الخيارات، ولا التفاوض قادر على إنتاج التسويات. وفيما تتصارع القوى الإقليمية على تثبيت معادلات جديدة في المنطقة، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام مشهد مألوف ومؤلم: أرضهم تتحول إلى ساحة رسائل متبادلة، فيما دولتهم تكافح لإثبات حضورها في تقرير مصيرها.

فعلى وقع تثبيت المعادلات بين إيران وإسرائيل، يعيش الجنوب تصعيداً إسرائيلياً يدمر ما تبقى من منازل في البلدات والمدن الجنوبية. وعلى مدى يومين، نالت مدينة صور وجوارها النصيب الأكبر من الغارات، حيث صبّت إسرائيل غضبها على أحيائها التراثية وأبنيتها في عملية انتقامية رداً على البيان الإيراني الصادر عن “خاتم الأنبياء”، والذي كرّس معادلة قصف إسرائيل مقابل استهداف الضاحية.

وحسب تقديرات سياسية متقاطعة بين بيروت وطهران، فإن تكريس هذه المعادلة، وإن لم ينجح كما هو مفترض، قد يحتاج إلى جولات حرب إضافية لفرض الواقع الجديد على إسرائيل. كما أن طهران تريد لاحقاً تكريس معادلة وقف النار في جنوب لبنان، وإلا استئناف إطلاق الصواريخ على المستوطنات.

بالموازاة، يجري العمل على إرساء وقف نار شامل، وقد رُحّل هذا الملف إلى جلسة المفاوضات المباشرة الخامسة المرتقبة في 22 الجاري في واشنطن. مع العلم أن إيران أعلنت وقف استهداف إسرائيل، بينما لا يزال الجنوب تحت الغارات، وبدا حزب الله وكأنه التزم بالمعادلة المتعلقة بالضاحية، فأوقف قصف المستوطنات بالشكل الذي كان عليه سابقاً.

أمام جلسة المفاوضات الخامسة تعقيدات كثيرة. فرفض حزب الله إعلان النوايا يفرغه من مضمونه، ذلك أن التزام السلطة وموافقتها لن يؤمّنا تنفيذ البنود، إلا إذا كان المطلوب رمي الكرة في ملعب الجيش وزجّ قيادته في أتون مواجهة داخلية مع حزب الله.

التحضير للجلسة الخامسة انطلق بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الوفد اللبناني السفير السابق سيمون كرم. ومرة جديدة، يكون أقصى الطموح الحصول على التزام إسرائيلي بوقف النار، وهذا ليس مؤكداً.

وعلى مقلب ثانٍ، يحاول السفير الأميركي ميشال عيسى استقطاب رئيس مجلس النواب إلى موقف من إعلان المبادئ يساعد في ترسيخ بنوده، محاولاً تفسيرها على نحو مطمئن وتقديم ضمانات بانسحاب إسرائيلي لاحق. لكن نبيه بري، وبتفويض من حزب الله، أكد أن أي بحث لن يكون قبل وقف نار شامل، وقبل عودة النازحين والانسحاب الإسرائيلي.

أما بعبدا، فقد استمرت في محاولة استرضاء الثنائي وتليين موقفه عن بعد. فالتواصل لا يزال قائماً بين مستشاري رئيسي الجمهورية ومجلس النواب، كما بين مستشارين في بعبدا ومسؤولين من حزب الله. وحسب المعلومات، فإن موفداً من بعبدا حاول التواصل مع السفير الإيراني للاستفسار عن رأيه في إعلان المبادئ، وحثّ الثنائي على اتخاذ موقف إيجابي منه باعتباره أفضل الممكن، فكان الجواب عدم التدخل.

علماً أن حزب الله كان قد أبلغ بري رفضه مقترح البنود الأربعة الذي أرسلته بعبدا، كما رفض إعلان المبادئ وما ورد فيه، ويصرّ على وقف نار شامل، وانسحاب من الأراضي التي تحتلها إسرائيل، وعودة النازحين.

وصلت العلاقة بين حزب الله ورئيس الجمهورية إلى نقطة اللاعودة. يشعر عون أن حزب الله يريد إنهاء عهده عبر جرّ البلد إلى حرب مع إسرائيل، فيما يتأكد حزب الله أن عون أحرق كل سبل الوصل معه، وهو يصر على مسار التفاوض المباشر مع إسرائيل رغم فشله في تحقيق ولو وقفٍ للنار، بل إنه كان سبباً في إضعاف موقف لبنان في المفاوضات.

لكن عون مقتنع بمساره إلى درجة أنه خالف أكثر من صديق صارحه بضرورة عدم تحمّل وزر المفاوضات وحده، وتقاسم المسؤولية مع الحكومة ورئيس مجلس النواب. حتى المقربون منه نصحوه بتخفيف حدة الموقف تجاه حزب الله.

يذهب عون بعيداً في معاداة حزب الله، في وقت أعلن فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب فتح مفاوضات معه عبر بري. كما بادرت جهات خليجية إلى الاتصال ببري وطلبت لقاء موفده علي حسن خليل لبدء بحث الآلية المناسبة لتطبيق أي اتفاق يمكن التوصل إليه.

وتلعب قطر حالياً دور الوسيط، وبطلب أميركي تسعى إلى معرفة كيفية المساعدة في تحقيق وقف نار شامل وتسهيل التوصل إلى نقاط مشتركة تفضي إلى اتفاق ينهي الحرب.

وحسب المعلومات، فقد أبلغت قطر موفد بري الذي زارها مؤخراً أنها مكلفة ببحث آلية يمكن أن تؤمن تنفيذ أي اتفاق قريب مع حزب الله لوقف النار، وتعتبر قطر أن أي اتفاق قد لا يكون تنفيذه يسيراً، وهو يحتاج إلى راعٍ ووسيط يضمن التزام الأطراف المعنية وتطبيق بنوده. وقد بدأت مسارها العملي بإعداد صيغة توافقية بحكم علاقاتها القريبة من مختلف الجهات.

حزب الله والتصعيد المحتمل

حزب الله، من جهته، يرى في التصعيد الإسرائيلي في الجنوب جواباً على المعادلة التي طرحتها طهران، ويقول إن الإسرائيلي سيضطر إلى الالتزام بها، لأن الجولة الحالية قد تتبعها جولات أخرى. ويصر الحزب على أن إيران ستثبت معادلة الجنوب لاحقاً، بدليل ما قاله قاليباف من أن تكريس مثل هذه المعادلة قد لا يكون فورياً.

وقد تخطى الحزب إعلان المبادئ ويتعاطى معه كأنه غير موجود، وهو أبلغ جوابه بشأنه إلى رئيس مجلس النواب الذي نقله إلى بعبدا، وإن كانت الأخيرة تصر على أنها لا تزال في انتظار جوابه النهائي.

المشكلة أن لبنان بات أمام طريق مسدود. فالمفاوضات المباشرة لم تحقق غايتها، وإن كان المتحمسون لهذا الخيار يبشرون بنتائج قريبة، علماً أن وقف النار غير مؤكد حتى في الجلسة الخامسة. كما أن لبنان المفاوض لا يزال مقتنعاً بأن نقطة البداية يجب أن تكون إعلان حزب الله وقف النار لإلزام إسرائيل بالمثل، بينما يصر حزب الله وبري على أن تبدأ إسرائيل أولاً بوقف الحرب، ليكون ذلك منطلقاً لبحث البنود الأخرى.

 تكمن المعضلة الحقيقية في أن جميع الأطراف يطالبون بضمانات من الآخرين، فيما لم يعد أحد قادراً على تقديم ضمانة للبنان نفسه. ومن يدري ما إذا كان لبنان سيبقى قادراً على استعادة قراره الوطني، أم سيظل رهينة صراعات تُدار فوق أرضه أكثر مما تُدار من أجله.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار