المنطقة التجريبية: اختبار لعودة الدولة إلى الجنوب

ماذا تعني المنطقة التجريبية، وكيف تنظر إليها كل من الولايات المتحدة الأميركية ولبنان وإسرائيل، مع العلم أن ثمة انقسامًا لبنانينًا بالنسبة إلى هذه المعادلة الجديدة.
وكما لم يستفد لبنان من المنطقة الاقتصادية الخالصة، التي بشّر بها توم برّاك قبل أن تتحّول إلى اللون الأصفر، فإن فرصة “المنطقة التجريبية” ستضيع من بين أيدي اللبنانيين، الذين لن يتوافقوا ولو على أمر واحد مفيد. ولو أن هذا التوافق كان واردًا في الحسابات الفردية المرتبطة أساسًا بمصالح خارجية لما وقعت الحرب، التي أعادت لبنان سنوات ضوئية إلى الوراء، مع ما تركته من قتلى وجرحى ودمار وخراب وأرض محروقة قد لا تعود إلى ما كانت عليه إلا في حال النظر إلى الواقع المأسوي بنظرة أكثر عقلانية وجدّية، إذ لا يكفي رفض هذه الفكرة بمجرد أن طرحها وسوّق لها السفير الأميركي في لبنان السفير ميشال عيسى، الذي لا يحتاج إلى مترجم لنقل ما لديه من أفكار وطروحات تأتيه من واشنطن، وهو الذي يتكلم باللهجة اللبنانية أفضل من كثيرين من المسؤولين، الذين لا يزالون يتلعثمون عندما يريدون أن يوصلوا أي فكرة إلى الرأي العام.
المنطقة التجريبية كما فهمها الرئيس جوزاف عون تعني أمرًا واحد ولا شيء آخر، أي انسحاب كامل للجيش الإسرائيلي من كل شبر أرض يحتله في الجنوب، أو في ما يُعرف بـ “المنطقة الصفراء” ليحلّ مكانه الجيش بعد أن يُعطى كل الدعم والغطاء السياسيين من قِبل أركان السلطة، وبعد أن يفكّ “حزب الله” ارتباطه المباشر بطهران، وبعد أن يقتنع بأن الحرب لم تؤدِ ولن تؤدي سوى إلى المزيد من المعاناة والخراب والتدمير والقتل والتشريد، خصوصًا أن ما يعانيه أهل الجنوب المهجّرين في أماكن الإيواء لم يعد مقبولًا، لا شرعًا ولا انسانيًا
.
ومتى حسم “حزب الله” أمره لناحية تسليم سلاحه إلى الجيش يكون لبنان قد قطع شوطًا لا يُستهان به على طريق تحرير أرضه الجنوبية من كل احتلال، خصوصًا أن فكرة “المنطقة التجريبية” من شأنها أن تعزّز حضور الدولة بكل مؤسساتها في بقعة جغرافية تبدأ ضيقة وما تلبث أن تتوسع، مع ما يتطلبه ذلك من إعادة إعمار ومن عودة كريمة وآمنة لأهالي القرى الحدودية.
غير أن السؤال الجوهري هو: هل تملك القوى السياسية اللبنانية الإرادة الفعلية لتحويل هذه الفكرة إلى مشروع وطني جامع، أم أنها ستتعامل معها كما تعاملت مع عشرات الفرص التي ضاعت في زواريب الحسابات الضيقة والانقسامات المزمنة؟
فالولايات المتحدة تنظر إلى “المنطقة التجريبية” باعتبارها نموذجًا عمليًا لاختبار قدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها الكاملة على أراضيها، وإثبات أن الجيش قادر، متى توافرت له الإمكانات والدعم السياسي، على الإمساك بالأرض وضبط الحدود ومنع أي عمل عسكري خارج إطار الشرعية. ومن وجهة النظر الأميركية، فإن نجاح هذا النموذج قد يفتح الباب أمام استثمارات ومشاريع إنمائية وإعادة إعمار واسعة النطاق، ويعيد الثقة الدولية بلبنان بعد سنوات من العزلة والتردد.
أما إسرائيل، فإنها تنظر إلى هذه المنطقة من زاوية أمنية بحتة، وتعتبر أن أي انسحاب نهائي من الأراضي التي تحتلها يجب أن يقترن بضمانات واضحة تمنع عودة الوضع إلى ما كان عليه قبل الحرب. وهي، وإن كانت لا تعلن ذلك صراحة، تدرك أن وجود الجيش وحده على الحدود، بعيدًا من أي سلاح آخر، يشكل بالنسبة إليها الضمانة الأكثر واقعية لاستقرار طويل الأمد، ولو بقيت الخلافات السياسية والحدودية قائمة.
وفي المقابل، ينقسم اللبنانيون بين من يرى في هذه المبادرة فرصة نادرة لإعادة الاعتبار إلى الدولة ومؤسساتها، وبين من يتوجس منها باعتبارها مدخلًا لتنفيذ “أجندات” خارجية أو فرض وقائع سياسية جديدة تحت عنوان الاستقرار الأمني. غير أن هذا الانقسام، مهما كانت مبرراته، لا يلغي حقيقة أن البديل المطروح حتى الآن لم ينتج سوى المزيد من الخسائر والتراجعات.
فلبنان اليوم يقف عند مفترق طرق حقيقي. فإما أن يختار الانتقال من منطق الساحات المفتوحة والصراعات بالوكالة إلى منطق الدولة القادرة والعلاقات الطبيعية مع المجتمع الدولي، وإما أن يبقى أسير المعادلات نفسها التي أوصلته إلى الانهيار المالي والاقتصادي والسياسي والأمني.
ومن هنا، فإن نجاح “المنطقة التجريبية” لا يرتبط فقط بانسحاب إسرائيلي أو بانتشار الجيش أو حتى بموقف “حزب الله”، بل بقدرة اللبنانيين أنفسهم على استعادة ثقتهم بدولتهم. فالمشكلة الأساسية لم تكن يومًا في نقص المبادرات أو الوساطات أو الأفكار، بل في غياب القرار الوطني الموحّد.
وعليه، قد تكون هذه المنطقة بالفعل تجربة، ولكنها ليست تجربة للجنوب وحده، بل للبنان كله. إنها اختبار لقدرة الدولة على النهوض من تحت الركام، واختبار للقوى السياسية التي لطالما رفعت شعارات السيادة والاستقلال، واختبار لشعب أنهكته الحروب والانقسامات. فإذا نجحت التجربة، يكون لبنان قد فتح نافذة أمل جديدة نحو الاستقرار والازدهار. أما إذا فشلت، فستضاف إلى سجل طويل من الفرص الضائعة التي دفع اللبنانيون أثمانها من أمنهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم.
المنطقة التجريبية: اختبار لعودة الدولة إلى الجنوب

ماذا تعني المنطقة التجريبية، وكيف تنظر إليها كل من الولايات المتحدة الأميركية ولبنان وإسرائيل، مع العلم أن ثمة انقسامًا لبنانينًا بالنسبة إلى هذه المعادلة الجديدة.
وكما لم يستفد لبنان من المنطقة الاقتصادية الخالصة، التي بشّر بها توم برّاك قبل أن تتحّول إلى اللون الأصفر، فإن فرصة “المنطقة التجريبية” ستضيع من بين أيدي اللبنانيين، الذين لن يتوافقوا ولو على أمر واحد مفيد. ولو أن هذا التوافق كان واردًا في الحسابات الفردية المرتبطة أساسًا بمصالح خارجية لما وقعت الحرب، التي أعادت لبنان سنوات ضوئية إلى الوراء، مع ما تركته من قتلى وجرحى ودمار وخراب وأرض محروقة قد لا تعود إلى ما كانت عليه إلا في حال النظر إلى الواقع المأسوي بنظرة أكثر عقلانية وجدّية، إذ لا يكفي رفض هذه الفكرة بمجرد أن طرحها وسوّق لها السفير الأميركي في لبنان السفير ميشال عيسى، الذي لا يحتاج إلى مترجم لنقل ما لديه من أفكار وطروحات تأتيه من واشنطن، وهو الذي يتكلم باللهجة اللبنانية أفضل من كثيرين من المسؤولين، الذين لا يزالون يتلعثمون عندما يريدون أن يوصلوا أي فكرة إلى الرأي العام.
المنطقة التجريبية كما فهمها الرئيس جوزاف عون تعني أمرًا واحد ولا شيء آخر، أي انسحاب كامل للجيش الإسرائيلي من كل شبر أرض يحتله في الجنوب، أو في ما يُعرف بـ “المنطقة الصفراء” ليحلّ مكانه الجيش بعد أن يُعطى كل الدعم والغطاء السياسيين من قِبل أركان السلطة، وبعد أن يفكّ “حزب الله” ارتباطه المباشر بطهران، وبعد أن يقتنع بأن الحرب لم تؤدِ ولن تؤدي سوى إلى المزيد من المعاناة والخراب والتدمير والقتل والتشريد، خصوصًا أن ما يعانيه أهل الجنوب المهجّرين في أماكن الإيواء لم يعد مقبولًا، لا شرعًا ولا انسانيًا
.
ومتى حسم “حزب الله” أمره لناحية تسليم سلاحه إلى الجيش يكون لبنان قد قطع شوطًا لا يُستهان به على طريق تحرير أرضه الجنوبية من كل احتلال، خصوصًا أن فكرة “المنطقة التجريبية” من شأنها أن تعزّز حضور الدولة بكل مؤسساتها في بقعة جغرافية تبدأ ضيقة وما تلبث أن تتوسع، مع ما يتطلبه ذلك من إعادة إعمار ومن عودة كريمة وآمنة لأهالي القرى الحدودية.
غير أن السؤال الجوهري هو: هل تملك القوى السياسية اللبنانية الإرادة الفعلية لتحويل هذه الفكرة إلى مشروع وطني جامع، أم أنها ستتعامل معها كما تعاملت مع عشرات الفرص التي ضاعت في زواريب الحسابات الضيقة والانقسامات المزمنة؟
فالولايات المتحدة تنظر إلى “المنطقة التجريبية” باعتبارها نموذجًا عمليًا لاختبار قدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها الكاملة على أراضيها، وإثبات أن الجيش قادر، متى توافرت له الإمكانات والدعم السياسي، على الإمساك بالأرض وضبط الحدود ومنع أي عمل عسكري خارج إطار الشرعية. ومن وجهة النظر الأميركية، فإن نجاح هذا النموذج قد يفتح الباب أمام استثمارات ومشاريع إنمائية وإعادة إعمار واسعة النطاق، ويعيد الثقة الدولية بلبنان بعد سنوات من العزلة والتردد.
أما إسرائيل، فإنها تنظر إلى هذه المنطقة من زاوية أمنية بحتة، وتعتبر أن أي انسحاب نهائي من الأراضي التي تحتلها يجب أن يقترن بضمانات واضحة تمنع عودة الوضع إلى ما كان عليه قبل الحرب. وهي، وإن كانت لا تعلن ذلك صراحة، تدرك أن وجود الجيش وحده على الحدود، بعيدًا من أي سلاح آخر، يشكل بالنسبة إليها الضمانة الأكثر واقعية لاستقرار طويل الأمد، ولو بقيت الخلافات السياسية والحدودية قائمة.
وفي المقابل، ينقسم اللبنانيون بين من يرى في هذه المبادرة فرصة نادرة لإعادة الاعتبار إلى الدولة ومؤسساتها، وبين من يتوجس منها باعتبارها مدخلًا لتنفيذ “أجندات” خارجية أو فرض وقائع سياسية جديدة تحت عنوان الاستقرار الأمني. غير أن هذا الانقسام، مهما كانت مبرراته، لا يلغي حقيقة أن البديل المطروح حتى الآن لم ينتج سوى المزيد من الخسائر والتراجعات.
فلبنان اليوم يقف عند مفترق طرق حقيقي. فإما أن يختار الانتقال من منطق الساحات المفتوحة والصراعات بالوكالة إلى منطق الدولة القادرة والعلاقات الطبيعية مع المجتمع الدولي، وإما أن يبقى أسير المعادلات نفسها التي أوصلته إلى الانهيار المالي والاقتصادي والسياسي والأمني.
ومن هنا، فإن نجاح “المنطقة التجريبية” لا يرتبط فقط بانسحاب إسرائيلي أو بانتشار الجيش أو حتى بموقف “حزب الله”، بل بقدرة اللبنانيين أنفسهم على استعادة ثقتهم بدولتهم. فالمشكلة الأساسية لم تكن يومًا في نقص المبادرات أو الوساطات أو الأفكار، بل في غياب القرار الوطني الموحّد.
وعليه، قد تكون هذه المنطقة بالفعل تجربة، ولكنها ليست تجربة للجنوب وحده، بل للبنان كله. إنها اختبار لقدرة الدولة على النهوض من تحت الركام، واختبار للقوى السياسية التي لطالما رفعت شعارات السيادة والاستقلال، واختبار لشعب أنهكته الحروب والانقسامات. فإذا نجحت التجربة، يكون لبنان قد فتح نافذة أمل جديدة نحو الاستقرار والازدهار. أما إذا فشلت، فستضاف إلى سجل طويل من الفرص الضائعة التي دفع اللبنانيون أثمانها من أمنهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم.






