تراث “جبل عامل” بين التسخير والإبادة

منذ تشرين الأول 2023، دخل لبنان ومعه جنوبه في واقع جديد اختلف عما سبقه من مآس وحروب وتهجير وتغييرات ديموغرافية، تمثّل بعملية إفراغ الأراضي الجنوبية من أهلها وتدميرها وإنهاء مقوّمات الحياة فيها، وهو ما لم يحصل للجنوب وجبل عامل في كل نكباته ومآسيه على مرّ العصور.
لم يجلب الانخراط في لعبة الأمم للبنان، من “حرب إسناد” إلى “أولي البأس” إلى “العصف المأكول”، سوى الدمار والخراب على الجنوب وجبل عامل: قرى ومدن مدمّرة وممسوحة، لا يمكن العيش فيها، أهلها نازحون ومهجّرون في أصقاع لبنان، خسروا الممتلكات وجنى العمر، والأهم أنهم خسروا ذاكرتهم وذكرياتهم.
ذاكرة جبل عامل وذاكرة اللبنانيين الشيعة
لعل الأهم من الحجر هو الذاكرة والتراث والتاريخ، فهذه المنطقة التي واجهت وتغلّبت على كل ما تعرّضت له من نكبات على مرّ العصور، كوّنت ذاكرة امتدّت لمئات السنين، حملت تاريخ وشجون جماعة لبنانية عانت من التنكيل والإنكار، هي ذاكرة “اللبنانيين الشيعة”. فقد ترادف ذكر “جبل عامل” مع ذكر هذه المجموعة اللبنانية التي وجدت في هذه المنطقة منطقة الارتكاز في انتشارها في لبنان. وبحسب كتاب “تاريخ شيعة لبنان من الماضي الغامض إلى المستقبل المجهول”، الصادر عن “أمم للتوثيق والأبحاث” عام 2023 ضمن “الموسوعة الشيعية”، ظهر بوضوح أنّ الوجود الأول للشيعة في لبنان كان في جبل عامل قبل القرن العاشر الميلادي، لا استنادًا إلى رواية “أبي ذر الغفاري” الذي تنقّل بين قريتَي الصّرفند ومَيْس الجبل، حيث توجد مراقد له. وبالتالي، تحمل ذاكرة جبل عامل تراثًا من آلاف السنين للبنانيين الشيعة على الصعيد الفكري والثقافي والديني والاجتماعي، وأماكن ومراقد وعادات وتقاليد وأبنية تراثية تحفظ هذه الذاكرة وهذا التراث، وتُمازجه مع التراث اللبناني، خاصة بعد إعلان دولة لبنان الكبير وانخراط المجموعة اللبنانية الشيعية في هذا الكيان كمجموعة مؤسسة له، فتحوّل تراث جبل عامل إلى تراث أساسي من تراث الدولة الفتية، وتمازجت عادات تلك المنطقة وتقاليدها مع العادات والتقاليد اللبنانية، وأضحت جزءًا لا يتجزأ من التراث الوطني اللبناني.
بين المصادرة وتسخير التراث والذاكرة لخدمة “مشروع الولاية”
مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران وبدء مشروع تصدير ثورتها إلى لبنان، تظهّرت النمطية الاجتماعية الفكرية الثقافية الدينية للمشروع القائم على رفض كل أنواع الترفيه واعتماد الإطار الديني كركيزة للحالة الاجتماعية في المناطق الشيعية، ولا سيما في جبل عامل، فأضحى لها مُنظِّروها ومؤسّساتها الثقافية وإنتاجها المتعدّد، من الكتابة إلى المسرح والسينما وكل ميادين الثقافة والفكر والفنّ. وتمدّد “النمط الولائي”، فانعدمت الحفلات الفنية في المناطق الشيعية وأُقفلت دور السينما فيها، إما رضائيًا أو مكرهة، فأضحت المناطق الشيعية تلبس لبوسه وتسير وفق أهوائه، وانغلقت تلك المناطق اجتماعيًا وثقافيًا ضمن ضوابط هذه النمطية وأدبياتها، وتيتّم وضعف التراث الثقافي الشيعي الذي كان قبلهم، وانكفأ أمام تمدّد المشروع الثقافي لولاية الفقيه.
وفي سبيل تدعيم المشروع واستمرار السيطرة والقبضة على التراث الثقافي الشيعي، أنشأ “حزب الله” في عام 1998 “جمعية المعارف الإسلامية” كإطار جامع وموحّد لمختلف النشاطات الثقافية، من معارض ومؤتمرات، وإصدار منشورات ثقافية وتبليغية.
التراث الشيعي بين “قبس” و”الباقيات الصالحات”
بما أن الدين هو الركيزة الأساسية لمشروع تصدير الثورة، كان المسجد والمقام الديني من أساسات مشروع الولاية، على اعتبار أن المسجد قاعدة في الدنيا ومنارة للآخرة. وبعدما وضعت الحرب الأهلية أوزارها عام 1990، عمل “حزب الله” على بناء عشرات المساجد والحسينيات والمجمعات في مختلف المناطق اللبنانية، وعمل على السيطرة على المقامات والأضرحة، لا سيما في البقاع الغربي وبعلبك الهرمل، وكانت تتم إدارتها عبر لجان خاصة، إلى أن تم عام 2005 توحيد الإدارة للمساجد من خلال إنشاء “جمعية الباقيات الصالحات”، التي أوكل إليها إدارة مساجده وحسينياته ومجمعاته الدينية. تأخّر تمدّد “حزب الله” إلى التراث المكاني الديني في جبل عامل حتى عام 2000 بفعل الاحتلال الإسرائيلي، ومع انسحاب الأخير، بدأ “الحزب” مصادرة الأضرحة والمقامات الدينية. ولتنظيم العمل في هذا المجال، تم إنشاء جمعية “قبس” في العام 2011 لرعاية المقامات والمزارات الشيعية في مختلف المناطق اللبنانية، وحصلت عام 2013 على علم وخبر من وزارة الداخلية اللبنانية. تقدّم الجمعية نفسها على أنها حافظة للتراث الشيعي، وبأدائها وترخيصها تمكّنت من إدارة مجموعة كبيرة من المقامات والمزارات المنتشرة في المناطق اللبنانية كافة، والتي يقدّر عددها بنحو 150 مقامًا ومزارًا، منها في جبل عامل: مقامات أنبياء يونس في الجية، والخضر في الصرفند والنجّارية، وساري في عدلون، وعمران في القليلة، وشمعون الصفا في شمع، ويحيى في حارة صيدا وحنّاويه، ويوشع في الريحان، وسجد في سجد، وصاليم في عربصاليم، وشيت في جبشيت، ويعقوب في الكفور، النبطية، وهارون في الخرطوم، وياثر في ياطر. ومن مزارات الأولياء في الجنوب أيضًا: بنيامين في محيبيب، وأبو ذر الغفاري في الصرفند، والأنصاري في أنصارية، والقاسم في القاسمية، والمعشوق في البرج الشمالي، والمنصوري في المنصوري، والصدّيق في صدّيقين، وآثا في حداثا، وشمعون الصدّيق في تبنين، ومحمد شاه الخراساني في النبطية الفوقا.
بين السياحة والثقافة والعمل: الدولة و”قبس”
تتعاون جمعية “قبس” مع وزارتَي السياحة والثقافة وسائر تشكيلات المجتمع الأهلي والرسمي ذات الاهتمام المشترك، من أجل تعزيز السياحة الدينية في لبنان والتعريف بالأماكن والمقامات الدينية والأنبياء والأوصياء وأعلام الشيعة الإمامية. وكان لها الباع الطويل في ترسيخ السياحة الدينية ضمن إطار مشروع متكامل للتسويق لمفاهيم وأدبيات “مشروع الولاية”، وتمكّنت خلال فترة قياسية من تعزيز العمل مع وزارة السياحة اللبنانية، والحصول على حصة كبيرة في مشروع دعم السياحة الدينية في لبنان. كما تقوم الجمعية، بالتعاون مع وزارة العمل والبلديات، ولا سيما تلك التي يسيطر عليها “حزب الله”، بدورات حول السياحة الدينية، وتخريج مرشدين لإطلاق الرحلات السياحية التي تهتم بزيارة الأماكن الدينية، إلى جانب السياحة الثقافية و”السياحة الجهادية” المبتدعة من أدبيات “الحزب”. وأطلقت الجمعية مسارات سياحية في الجنوب، تجمع بين السياحات المذكورة، وتهدف إلى تلقين السائح أدبيات وأفكار “حزب الله” من حيث الإطار الديني والتوجّه السياسي والجهادي، منها على سبيل المثال مسار يجمع بين معلم مليتا ومقام النبي صافي، ويجمع بين الموقع الجهادي “مليتا” والموقع الديني “النبي صافي”، في محاولة لتظهير التكامل بين الأمرين. ولدعم عمل الجمعية وتفعيل عمل المرشدين، تم إنشاء “نقابة مرشدي الأماكن السياحية والدينية في لبنان” في عهد وزير العمل مصطفى بيرم عام 2022، ضمن مجموعة النقابات التي أولدها “حزب الله” في الحياة المهنية والعمالية، مستفيدًا من وجود وزير له في وزارة العمل، والتي تعمل على تخريج مرشدين يسوّقون لأفكار وأدبيات وتوجّهات “الحزب” ضمن عملية التعريف التي يقومون بها للسائح.
يظهر مما سلف وقوع جبل عامل بين فكَّي كماشة: تخلّي الدولة عنه وتلزيمه للثنائي، ولا سيما لـ”حزب الله”، واتباع إسرائيل سياسة الأرض المحروقة في معالجتها لمعضلة حماية حدودها الشمالية، فتحوّل جبل عامل إلى ضحية الإهمال والخذلان والتوظيف والتسخير لمشاريع خارجية، وهاجس السابع من تشرين الأول 2023. وبفعل هذه الأمور، تندثر ذاكرة منطقة تحمل تراث وثقافة وتاريخ اللبنانيين الشيعة من خلال عملية المسح والتدمير الممنهج التي يعتمدها الجيش الإسرائيلي، والتي تؤدي إلى ضياع تراث وثقافة اللبنانيين الشيعة في جبل عامل، واندثار آثار ومعالم وذاكرة امتدّت لمئات السنين. فلا بد للدولة اللبنانية من حماية ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذه الآثار والتراث، والعمل على تنقية هذه الذاكرة من الشوائب التي لازمتها لنحو 40 عامًا، وجعلتها وسخّرتها لأجل مشروع تصدير الثورة الإسلامية في لبنان، وإعادة تظهير الحالة الوطنية لهذه الثقافة التي تم طمسها على مدى هذه السنوات، لبناء أجيال جديدة تشعر بالانتماء لهذا الوطن وتلتزم به.
تراث “جبل عامل” بين التسخير والإبادة

منذ تشرين الأول 2023، دخل لبنان ومعه جنوبه في واقع جديد اختلف عما سبقه من مآس وحروب وتهجير وتغييرات ديموغرافية، تمثّل بعملية إفراغ الأراضي الجنوبية من أهلها وتدميرها وإنهاء مقوّمات الحياة فيها، وهو ما لم يحصل للجنوب وجبل عامل في كل نكباته ومآسيه على مرّ العصور.
لم يجلب الانخراط في لعبة الأمم للبنان، من “حرب إسناد” إلى “أولي البأس” إلى “العصف المأكول”، سوى الدمار والخراب على الجنوب وجبل عامل: قرى ومدن مدمّرة وممسوحة، لا يمكن العيش فيها، أهلها نازحون ومهجّرون في أصقاع لبنان، خسروا الممتلكات وجنى العمر، والأهم أنهم خسروا ذاكرتهم وذكرياتهم.
ذاكرة جبل عامل وذاكرة اللبنانيين الشيعة
لعل الأهم من الحجر هو الذاكرة والتراث والتاريخ، فهذه المنطقة التي واجهت وتغلّبت على كل ما تعرّضت له من نكبات على مرّ العصور، كوّنت ذاكرة امتدّت لمئات السنين، حملت تاريخ وشجون جماعة لبنانية عانت من التنكيل والإنكار، هي ذاكرة “اللبنانيين الشيعة”. فقد ترادف ذكر “جبل عامل” مع ذكر هذه المجموعة اللبنانية التي وجدت في هذه المنطقة منطقة الارتكاز في انتشارها في لبنان. وبحسب كتاب “تاريخ شيعة لبنان من الماضي الغامض إلى المستقبل المجهول”، الصادر عن “أمم للتوثيق والأبحاث” عام 2023 ضمن “الموسوعة الشيعية”، ظهر بوضوح أنّ الوجود الأول للشيعة في لبنان كان في جبل عامل قبل القرن العاشر الميلادي، لا استنادًا إلى رواية “أبي ذر الغفاري” الذي تنقّل بين قريتَي الصّرفند ومَيْس الجبل، حيث توجد مراقد له. وبالتالي، تحمل ذاكرة جبل عامل تراثًا من آلاف السنين للبنانيين الشيعة على الصعيد الفكري والثقافي والديني والاجتماعي، وأماكن ومراقد وعادات وتقاليد وأبنية تراثية تحفظ هذه الذاكرة وهذا التراث، وتُمازجه مع التراث اللبناني، خاصة بعد إعلان دولة لبنان الكبير وانخراط المجموعة اللبنانية الشيعية في هذا الكيان كمجموعة مؤسسة له، فتحوّل تراث جبل عامل إلى تراث أساسي من تراث الدولة الفتية، وتمازجت عادات تلك المنطقة وتقاليدها مع العادات والتقاليد اللبنانية، وأضحت جزءًا لا يتجزأ من التراث الوطني اللبناني.
بين المصادرة وتسخير التراث والذاكرة لخدمة “مشروع الولاية”
مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران وبدء مشروع تصدير ثورتها إلى لبنان، تظهّرت النمطية الاجتماعية الفكرية الثقافية الدينية للمشروع القائم على رفض كل أنواع الترفيه واعتماد الإطار الديني كركيزة للحالة الاجتماعية في المناطق الشيعية، ولا سيما في جبل عامل، فأضحى لها مُنظِّروها ومؤسّساتها الثقافية وإنتاجها المتعدّد، من الكتابة إلى المسرح والسينما وكل ميادين الثقافة والفكر والفنّ. وتمدّد “النمط الولائي”، فانعدمت الحفلات الفنية في المناطق الشيعية وأُقفلت دور السينما فيها، إما رضائيًا أو مكرهة، فأضحت المناطق الشيعية تلبس لبوسه وتسير وفق أهوائه، وانغلقت تلك المناطق اجتماعيًا وثقافيًا ضمن ضوابط هذه النمطية وأدبياتها، وتيتّم وضعف التراث الثقافي الشيعي الذي كان قبلهم، وانكفأ أمام تمدّد المشروع الثقافي لولاية الفقيه.
وفي سبيل تدعيم المشروع واستمرار السيطرة والقبضة على التراث الثقافي الشيعي، أنشأ “حزب الله” في عام 1998 “جمعية المعارف الإسلامية” كإطار جامع وموحّد لمختلف النشاطات الثقافية، من معارض ومؤتمرات، وإصدار منشورات ثقافية وتبليغية.
التراث الشيعي بين “قبس” و”الباقيات الصالحات”
بما أن الدين هو الركيزة الأساسية لمشروع تصدير الثورة، كان المسجد والمقام الديني من أساسات مشروع الولاية، على اعتبار أن المسجد قاعدة في الدنيا ومنارة للآخرة. وبعدما وضعت الحرب الأهلية أوزارها عام 1990، عمل “حزب الله” على بناء عشرات المساجد والحسينيات والمجمعات في مختلف المناطق اللبنانية، وعمل على السيطرة على المقامات والأضرحة، لا سيما في البقاع الغربي وبعلبك الهرمل، وكانت تتم إدارتها عبر لجان خاصة، إلى أن تم عام 2005 توحيد الإدارة للمساجد من خلال إنشاء “جمعية الباقيات الصالحات”، التي أوكل إليها إدارة مساجده وحسينياته ومجمعاته الدينية. تأخّر تمدّد “حزب الله” إلى التراث المكاني الديني في جبل عامل حتى عام 2000 بفعل الاحتلال الإسرائيلي، ومع انسحاب الأخير، بدأ “الحزب” مصادرة الأضرحة والمقامات الدينية. ولتنظيم العمل في هذا المجال، تم إنشاء جمعية “قبس” في العام 2011 لرعاية المقامات والمزارات الشيعية في مختلف المناطق اللبنانية، وحصلت عام 2013 على علم وخبر من وزارة الداخلية اللبنانية. تقدّم الجمعية نفسها على أنها حافظة للتراث الشيعي، وبأدائها وترخيصها تمكّنت من إدارة مجموعة كبيرة من المقامات والمزارات المنتشرة في المناطق اللبنانية كافة، والتي يقدّر عددها بنحو 150 مقامًا ومزارًا، منها في جبل عامل: مقامات أنبياء يونس في الجية، والخضر في الصرفند والنجّارية، وساري في عدلون، وعمران في القليلة، وشمعون الصفا في شمع، ويحيى في حارة صيدا وحنّاويه، ويوشع في الريحان، وسجد في سجد، وصاليم في عربصاليم، وشيت في جبشيت، ويعقوب في الكفور، النبطية، وهارون في الخرطوم، وياثر في ياطر. ومن مزارات الأولياء في الجنوب أيضًا: بنيامين في محيبيب، وأبو ذر الغفاري في الصرفند، والأنصاري في أنصارية، والقاسم في القاسمية، والمعشوق في البرج الشمالي، والمنصوري في المنصوري، والصدّيق في صدّيقين، وآثا في حداثا، وشمعون الصدّيق في تبنين، ومحمد شاه الخراساني في النبطية الفوقا.
بين السياحة والثقافة والعمل: الدولة و”قبس”
تتعاون جمعية “قبس” مع وزارتَي السياحة والثقافة وسائر تشكيلات المجتمع الأهلي والرسمي ذات الاهتمام المشترك، من أجل تعزيز السياحة الدينية في لبنان والتعريف بالأماكن والمقامات الدينية والأنبياء والأوصياء وأعلام الشيعة الإمامية. وكان لها الباع الطويل في ترسيخ السياحة الدينية ضمن إطار مشروع متكامل للتسويق لمفاهيم وأدبيات “مشروع الولاية”، وتمكّنت خلال فترة قياسية من تعزيز العمل مع وزارة السياحة اللبنانية، والحصول على حصة كبيرة في مشروع دعم السياحة الدينية في لبنان. كما تقوم الجمعية، بالتعاون مع وزارة العمل والبلديات، ولا سيما تلك التي يسيطر عليها “حزب الله”، بدورات حول السياحة الدينية، وتخريج مرشدين لإطلاق الرحلات السياحية التي تهتم بزيارة الأماكن الدينية، إلى جانب السياحة الثقافية و”السياحة الجهادية” المبتدعة من أدبيات “الحزب”. وأطلقت الجمعية مسارات سياحية في الجنوب، تجمع بين السياحات المذكورة، وتهدف إلى تلقين السائح أدبيات وأفكار “حزب الله” من حيث الإطار الديني والتوجّه السياسي والجهادي، منها على سبيل المثال مسار يجمع بين معلم مليتا ومقام النبي صافي، ويجمع بين الموقع الجهادي “مليتا” والموقع الديني “النبي صافي”، في محاولة لتظهير التكامل بين الأمرين. ولدعم عمل الجمعية وتفعيل عمل المرشدين، تم إنشاء “نقابة مرشدي الأماكن السياحية والدينية في لبنان” في عهد وزير العمل مصطفى بيرم عام 2022، ضمن مجموعة النقابات التي أولدها “حزب الله” في الحياة المهنية والعمالية، مستفيدًا من وجود وزير له في وزارة العمل، والتي تعمل على تخريج مرشدين يسوّقون لأفكار وأدبيات وتوجّهات “الحزب” ضمن عملية التعريف التي يقومون بها للسائح.
يظهر مما سلف وقوع جبل عامل بين فكَّي كماشة: تخلّي الدولة عنه وتلزيمه للثنائي، ولا سيما لـ”حزب الله”، واتباع إسرائيل سياسة الأرض المحروقة في معالجتها لمعضلة حماية حدودها الشمالية، فتحوّل جبل عامل إلى ضحية الإهمال والخذلان والتوظيف والتسخير لمشاريع خارجية، وهاجس السابع من تشرين الأول 2023. وبفعل هذه الأمور، تندثر ذاكرة منطقة تحمل تراث وثقافة وتاريخ اللبنانيين الشيعة من خلال عملية المسح والتدمير الممنهج التي يعتمدها الجيش الإسرائيلي، والتي تؤدي إلى ضياع تراث وثقافة اللبنانيين الشيعة في جبل عامل، واندثار آثار ومعالم وذاكرة امتدّت لمئات السنين. فلا بد للدولة اللبنانية من حماية ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذه الآثار والتراث، والعمل على تنقية هذه الذاكرة من الشوائب التي لازمتها لنحو 40 عامًا، وجعلتها وسخّرتها لأجل مشروع تصدير الثورة الإسلامية في لبنان، وإعادة تظهير الحالة الوطنية لهذه الثقافة التي تم طمسها على مدى هذه السنوات، لبناء أجيال جديدة تشعر بالانتماء لهذا الوطن وتلتزم به.






