أيّ اتفاق أميركي – إيراني يكشف حزب الله

أيّ تقارب أميركي – إيراني قد يُضعف إحدى أهم ركائز خطاب التعبئة لدى الحزب، وهي فكرة المواجهة الدائمة والمفتوحة بين واشنطن وطهران. فإذا كانت إيران نفسها قادرة على التفاوض مع الولايات المتحدة والوصول إلى تفاهماتٍ معها عندما تقتضي مصالحها ذلك، فإنّ خصوم الحزب سيسألون: لماذا يبقى لبنان ساحةً مفتوحةً للصّراعات بينما تتّجه القوى الكبرى إلى التسويات؟
الاتفاق الأميركي الإيراني، في حال إنجازه، هو الامتحان الأصعب لحزب الله.
فعلى مدى عقود، بنى حزب الله جزءًا كبيرًا من شرعيّته السياسية والإيديولوجية على صورة القوّة المستقلّة التي تتخذ قراراتها وفق ما تراه مناسبًا لمواجهة إسرائيل وحماية مشروع “المقاومة”. إلّا أنّ أيّ اتفاق شامل أو حتّى تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران من شأنه أن يضع الحزب أمام امتحان بالغ الصعوبة، ليس فقط على مستوى دوره الإقليمي، بل أيضًا على مستوى صورته أمام جمهوره وخصومه في لبنان. فمثل هذا الاتفاق قد يكشف حقيقة طالما حاول الحزب تجنّب النقاش حولها: إلى أي حدّ يملك قرارًا مستقلًا، وإلى أي حّد يبقى جزءًا من منظومة إيرانية أوسع تحدّد له سقوف الحركة والقرار؟
المشكلة بالنسبة إلى الحزب لا تكمن في الاتفاق نفسه، بل في نتائجه السياسية. فمنذ تأسيسه في ثمانينيّات القرن الماضي، لم يُخفِ الحزب ارتباطه العضوي العقائدي والسياسي بإيران، بل اعتبر هذا الارتباط مصدر قوة وفخر. غير أن الخطاب السياسي للحزب سعى دائمًا إلى الجمع بين الولاء الاستراتيجي لطهران وبين التأكيد أنّ قراراته المتعلقة بلبنان تنطلق من حسابات لبنانية ووطنية. لكن أيّ اتفاق أميركي – إيراني كبير قد يجعل هذا التوازن صعبًا للغاية.
التّاريخ يقدم أمثلةً واضحةً على ذلك. ففي عام 1988، عندما وافقت إيران على وقف إطلاق النار مع العراق بعد حرب استمرّت ثماني سنوات، اضطرّت القوى المرتبطة بها إلى التكيّف مع القرار على الرغم من أن بعضها كان يرفع شعارات الاستمرار في القتال. وفي السنوات اللاحقة، شهدت المنطقة محطات عديدة أظهرت أنّ الأولويات الإيرانية يمكن أن تتغيّر تبعًا للمصلحة الوطنية الإيرانية، حتى لو تطلب ذلك من الحلفاء تعديل مواقفهم أو خفض سقف مطالبهم.
الأكثر دلالة كان الاتفاق النووي عام 2015. يومها لم تستشر إيران حلفاءها في المنطقة بشأن تفاصيل المفاوضات، ولم تمنحهم حقّ النقض أو الاعتراض. القرار اتُخذ في طهران، والمفاوضات أُجريت بين إيران والقوى الكبرى، فيما اكتفى الحلفاء بمتابعة النتائج والتكيّف معها. صحيح أن الحزب رحّب بالاتفاق آنذاك، لكن الترحيب لم يبدّد حقيقةً أساسيّةً: القرار كان إيرانيًّا بالكامل.
اليوم، إذا تمّ التوصل إلى تفاهم جديد بين واشنطن وطهران يتضمّن ترتيبات أمنية أو سياسية أو اقتصادية أوسع، فإنّ السؤال الذي سيطرح نفسه تلقائيًّا هو: ماذا لو تضمّن الاتفاق بنودًا أو تفاهماتٍ غير معلنة تتعلق بلبنان أو بدور الفصائل الحليفة لإيران؟ هل يستطيع حزب الله الاعتراض؟ وهل يملك القدرة على رفض قرار استراتيجي تتّخذه الدولة التي تمثّل مصدر دعمه السياسي والعسكري والمالي الأساسي؟
الواقع يُشير إلى أنّ هامش الاعتراض سيكون محدودًا جدًا. فالعلاقة بين الحزب وإيران ليست علاقة تحالف تقليدي بين طرفين متساويين، بل علاقة تجمع بين الرأس والذراع، ولذلك فإنّ أي قرار إيراني كبير ينعكس حكمًا على سلوك الحزب وخياراته.
هنا تكمن المعضلة السياسية الحقيقية، فالحزب أمضى سنوات طويلة في الدفاع عن سلاحه ودوره الإقليمي باعتبارهما جزءًا من استراتيجية. لكن إذا وافقت إيران على تسوية مع الولايات المتحدة تتطلّب خفض التوتر أو إعادة ترتيب الأولويات الإقليمية، فإنّ الحزب سيكون أمام خيارَيْن أحلاهما مرّ: إمّا التزام القرار الإيراني، وبالتالي تأكيد أن المرجعية النهائية ليست في بيروت بل في طهران، وإمّا الاعتراض، وهو خيار يبدو شبه مستحيل نظرًا لطبيعة العلاقة بين الطرفين.
في هذه النقطة تحديدًا، يصبح الاتفاق الأميركي – الإيراني بمثابة اختبار كاشف أكثر منه مجرّد حدث دبلوماسي. فهو لا يقيس قوة الحزب العسكرية، بل يقيس مدى استقلالية قراره السياسي. ومن المرجّح أن تكون النتيجة محرجة أمام جزء من الرأي العام اللبناني، خصوصًا أولئك الذين لطالما اعتبروا أن الحزب يملك حريةً كاملةً في تحديد خياراته الوطنية.
والمفارقة أنّ المشكلة لا تنبع من خصوم الحزب فقط، بل من الخطاب الذي تبنّاه الحزب نفسه على مرّ السنوات. فلو كان الحزب يقدّم نفسه حصرًا كجزءٍ من محور تقوده إيران وينفّذ استراتيجيته الإقليمية، لما شكّل أي اتفاق إيراني إحراجًا كبيرًا. لكنّ الحزب سعى دائمًا إلى الجمع بين الهوية اللبنانية والاستقلالية من جهة، والانتماء إلى المشروع الإيراني من جهة أخرى. وعندما تتعارض هاتان الروايتان، يصبح من الصعب الحفاظ عليهما معًا.
ثمّة مقارنة لافتة يمكن الاستعانة بها هنا. فالأحزاب الشيوعية المرتبطة بالاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة كانت تؤكد غالبًا استقلاليتها الوطنية، لكنّها كانت تجد نفسها مضطرّة إلى تأييد قرارات موسكو في القضايا الكبرى. ومع كل أزمة أو تسوية دولية كانت تتعرّض للسؤال نفسه: من يقرّر فعليًا؟ القيادة المحلية أم المركز الخارجي؟ والسؤال ذاته قد يعود اليوم بصيغة مختلفة في الحالة اللبنانية.
من ناحية أخرى، فإنّ أيّ تقارب أميركي – إيراني قد يُضعف أيضًا إحدى أهم ركائز خطاب التعبئة لدى الحزب، وهي فكرة المواجهة الدائمة والمفتوحة بين واشنطن وطهران. فإذا كانت إيران نفسها قادرة على التفاوض مع الولايات المتحدة والوصول إلى تفاهماتٍ معها عندما تقتضي مصالحها ذلك، فإنّ خصوم الحزب سيسألون: لماذا يبقى لبنان ساحةً مفتوحةً للصّراعات بينما تتّجه القوى الكبرى إلى التسويات؟
هذا السؤال سيكون أكثر حساسيةً إذا ترافق الاتفاق مع مكاسب اقتصادية أو سياسية لإيران. عندها قد يبرز انطباع بأنّ طهران نجحت في تحسين شروطها التفاوضيّة مع الغرب، فيما تحمّلت ساحات النفوذ المختلفة، ومنها لبنان، كلفة سنوات طويلة من المواجهة والتوتّر.
وعندها قد يتحوّل الاتفاق من مجرّد تفاهم دولي إلى لحظة كاشفة تُعيد فتح النقاش القديم حول مَن يملك القرار الحقيقي: بيروت أم طهران؟
أيّ اتفاق أميركي – إيراني يكشف حزب الله

أيّ تقارب أميركي – إيراني قد يُضعف إحدى أهم ركائز خطاب التعبئة لدى الحزب، وهي فكرة المواجهة الدائمة والمفتوحة بين واشنطن وطهران. فإذا كانت إيران نفسها قادرة على التفاوض مع الولايات المتحدة والوصول إلى تفاهماتٍ معها عندما تقتضي مصالحها ذلك، فإنّ خصوم الحزب سيسألون: لماذا يبقى لبنان ساحةً مفتوحةً للصّراعات بينما تتّجه القوى الكبرى إلى التسويات؟
الاتفاق الأميركي الإيراني، في حال إنجازه، هو الامتحان الأصعب لحزب الله.
فعلى مدى عقود، بنى حزب الله جزءًا كبيرًا من شرعيّته السياسية والإيديولوجية على صورة القوّة المستقلّة التي تتخذ قراراتها وفق ما تراه مناسبًا لمواجهة إسرائيل وحماية مشروع “المقاومة”. إلّا أنّ أيّ اتفاق شامل أو حتّى تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران من شأنه أن يضع الحزب أمام امتحان بالغ الصعوبة، ليس فقط على مستوى دوره الإقليمي، بل أيضًا على مستوى صورته أمام جمهوره وخصومه في لبنان. فمثل هذا الاتفاق قد يكشف حقيقة طالما حاول الحزب تجنّب النقاش حولها: إلى أي حدّ يملك قرارًا مستقلًا، وإلى أي حّد يبقى جزءًا من منظومة إيرانية أوسع تحدّد له سقوف الحركة والقرار؟
المشكلة بالنسبة إلى الحزب لا تكمن في الاتفاق نفسه، بل في نتائجه السياسية. فمنذ تأسيسه في ثمانينيّات القرن الماضي، لم يُخفِ الحزب ارتباطه العضوي العقائدي والسياسي بإيران، بل اعتبر هذا الارتباط مصدر قوة وفخر. غير أن الخطاب السياسي للحزب سعى دائمًا إلى الجمع بين الولاء الاستراتيجي لطهران وبين التأكيد أنّ قراراته المتعلقة بلبنان تنطلق من حسابات لبنانية ووطنية. لكن أيّ اتفاق أميركي – إيراني كبير قد يجعل هذا التوازن صعبًا للغاية.
التّاريخ يقدم أمثلةً واضحةً على ذلك. ففي عام 1988، عندما وافقت إيران على وقف إطلاق النار مع العراق بعد حرب استمرّت ثماني سنوات، اضطرّت القوى المرتبطة بها إلى التكيّف مع القرار على الرغم من أن بعضها كان يرفع شعارات الاستمرار في القتال. وفي السنوات اللاحقة، شهدت المنطقة محطات عديدة أظهرت أنّ الأولويات الإيرانية يمكن أن تتغيّر تبعًا للمصلحة الوطنية الإيرانية، حتى لو تطلب ذلك من الحلفاء تعديل مواقفهم أو خفض سقف مطالبهم.
الأكثر دلالة كان الاتفاق النووي عام 2015. يومها لم تستشر إيران حلفاءها في المنطقة بشأن تفاصيل المفاوضات، ولم تمنحهم حقّ النقض أو الاعتراض. القرار اتُخذ في طهران، والمفاوضات أُجريت بين إيران والقوى الكبرى، فيما اكتفى الحلفاء بمتابعة النتائج والتكيّف معها. صحيح أن الحزب رحّب بالاتفاق آنذاك، لكن الترحيب لم يبدّد حقيقةً أساسيّةً: القرار كان إيرانيًّا بالكامل.
اليوم، إذا تمّ التوصل إلى تفاهم جديد بين واشنطن وطهران يتضمّن ترتيبات أمنية أو سياسية أو اقتصادية أوسع، فإنّ السؤال الذي سيطرح نفسه تلقائيًّا هو: ماذا لو تضمّن الاتفاق بنودًا أو تفاهماتٍ غير معلنة تتعلق بلبنان أو بدور الفصائل الحليفة لإيران؟ هل يستطيع حزب الله الاعتراض؟ وهل يملك القدرة على رفض قرار استراتيجي تتّخذه الدولة التي تمثّل مصدر دعمه السياسي والعسكري والمالي الأساسي؟
الواقع يُشير إلى أنّ هامش الاعتراض سيكون محدودًا جدًا. فالعلاقة بين الحزب وإيران ليست علاقة تحالف تقليدي بين طرفين متساويين، بل علاقة تجمع بين الرأس والذراع، ولذلك فإنّ أي قرار إيراني كبير ينعكس حكمًا على سلوك الحزب وخياراته.
هنا تكمن المعضلة السياسية الحقيقية، فالحزب أمضى سنوات طويلة في الدفاع عن سلاحه ودوره الإقليمي باعتبارهما جزءًا من استراتيجية. لكن إذا وافقت إيران على تسوية مع الولايات المتحدة تتطلّب خفض التوتر أو إعادة ترتيب الأولويات الإقليمية، فإنّ الحزب سيكون أمام خيارَيْن أحلاهما مرّ: إمّا التزام القرار الإيراني، وبالتالي تأكيد أن المرجعية النهائية ليست في بيروت بل في طهران، وإمّا الاعتراض، وهو خيار يبدو شبه مستحيل نظرًا لطبيعة العلاقة بين الطرفين.
في هذه النقطة تحديدًا، يصبح الاتفاق الأميركي – الإيراني بمثابة اختبار كاشف أكثر منه مجرّد حدث دبلوماسي. فهو لا يقيس قوة الحزب العسكرية، بل يقيس مدى استقلالية قراره السياسي. ومن المرجّح أن تكون النتيجة محرجة أمام جزء من الرأي العام اللبناني، خصوصًا أولئك الذين لطالما اعتبروا أن الحزب يملك حريةً كاملةً في تحديد خياراته الوطنية.
والمفارقة أنّ المشكلة لا تنبع من خصوم الحزب فقط، بل من الخطاب الذي تبنّاه الحزب نفسه على مرّ السنوات. فلو كان الحزب يقدّم نفسه حصرًا كجزءٍ من محور تقوده إيران وينفّذ استراتيجيته الإقليمية، لما شكّل أي اتفاق إيراني إحراجًا كبيرًا. لكنّ الحزب سعى دائمًا إلى الجمع بين الهوية اللبنانية والاستقلالية من جهة، والانتماء إلى المشروع الإيراني من جهة أخرى. وعندما تتعارض هاتان الروايتان، يصبح من الصعب الحفاظ عليهما معًا.
ثمّة مقارنة لافتة يمكن الاستعانة بها هنا. فالأحزاب الشيوعية المرتبطة بالاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة كانت تؤكد غالبًا استقلاليتها الوطنية، لكنّها كانت تجد نفسها مضطرّة إلى تأييد قرارات موسكو في القضايا الكبرى. ومع كل أزمة أو تسوية دولية كانت تتعرّض للسؤال نفسه: من يقرّر فعليًا؟ القيادة المحلية أم المركز الخارجي؟ والسؤال ذاته قد يعود اليوم بصيغة مختلفة في الحالة اللبنانية.
من ناحية أخرى، فإنّ أيّ تقارب أميركي – إيراني قد يُضعف أيضًا إحدى أهم ركائز خطاب التعبئة لدى الحزب، وهي فكرة المواجهة الدائمة والمفتوحة بين واشنطن وطهران. فإذا كانت إيران نفسها قادرة على التفاوض مع الولايات المتحدة والوصول إلى تفاهماتٍ معها عندما تقتضي مصالحها ذلك، فإنّ خصوم الحزب سيسألون: لماذا يبقى لبنان ساحةً مفتوحةً للصّراعات بينما تتّجه القوى الكبرى إلى التسويات؟
هذا السؤال سيكون أكثر حساسيةً إذا ترافق الاتفاق مع مكاسب اقتصادية أو سياسية لإيران. عندها قد يبرز انطباع بأنّ طهران نجحت في تحسين شروطها التفاوضيّة مع الغرب، فيما تحمّلت ساحات النفوذ المختلفة، ومنها لبنان، كلفة سنوات طويلة من المواجهة والتوتّر.
وعندها قد يتحوّل الاتفاق من مجرّد تفاهم دولي إلى لحظة كاشفة تُعيد فتح النقاش القديم حول مَن يملك القرار الحقيقي: بيروت أم طهران؟






